الاتجاه جنوباً... ماذا تحمل القاهرة لجوبا والخرطوم؟

الرسائل الاستراتيجية من زيارة الرئيس المصري لجنوب السودان
الرئيس سلفاكير في استقبال الرئيس السيسي أثناء زيارته الأولى لدولة جنوب السودان (رويترز)

* بين القاهرة وجوبا تعاون واسع في المجالات كافة، حيث أخذت مصر على عاتقها دعم الدولة الوليدة منذ استقلالها عن السودان، والعلاقات بين البلدين تتضمن اتفاقيات واسعة
* وتنطلق رؤية مصر إلى دعم كل جهود السلام والاستقرار في السودان كونها أحد أهم دوائر الأمن القومي المصري وكله مترابط ومتصل، وتتداخل فيه كل الملفات

القاهرة: الجنوب... ذلك الاتجاه الاستراتيجي الذي أصبح المعادلة الأهم والأصعب في التحالفات والشراكات المصرية، لذلك كان التحرك المصري تجاهه مصحوباً بمسحة من الجرأة المعنونة بعبارة «لأول مرة»، ففي الوقت الذي تعاني فيه أديس أبابا من مواجهة عسكرية مفتوحة بين الجيش الفيدرالي وجبهة تحرير شعب تيغراي، كانت المقاتلات المصرية «ميغ 29» المعدلة في قاعدة المروي في السودان، وتجري مناورات مع سلاح الجو السوداني لأول مرة، وبعدها بأيام، وصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لجنوب السودان، والتقي رئيس جمهورية جنوب السودان، سلفاكير، في زيارة وصفت بـ«التاريخية»، لأنها الأولى منذ استقلال جنوب السودان في 2011.
تاريخياً، كان الجنوب جبهة آمنة إن صح التعبير، لكن مع السياقات المضطربة للأمن الإقليمي وتهديد الأمة المصرية من جميع اتجاهاتها الاستراتيجية، احتوت القيادة المصرية التهديدات من اتجاهي الشمال (شرق المتوسط وسوريا) ثم اتجاه الغرب (ليبيا)، لذا كان الدور على الاتجاه الجنوبي الذي يمثل أهمية قصوى للعمق الأفريقي.
وبين القاهرة وجوبا تعاون واسع في المجالات كافة، حيث أخذت مصر على عاتقها دعم الدولة الوليدة منذ استقلالها عن السودان، والعلاقات بين البلدين تتضمن اتفاقيات واسعة، تضم تعاوناً تجارياً واقتصادياً وعسكرياً لدعم بناء مؤسسات الحكومة في جوبا، كما أن العلاقات مع الخرطوم رغم ارتباكها في بعض الأحيان خلال حكم البشير، لكنها باتت أكثر تماسكاً وتعاوناً في معظم ملفات التعاون الثنائي والقضايا الأفريقية، وبدت التفاهمات أكثر عمقاً في ملف السد الإثيوبي.
 
متغيرات إقليمية
الدكتورة أماني الطويل، خبيرة الشؤون الأفريقية في مصر بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ترى أن مصر ستظل لاعباً رئيسيا فى القارة الأفريقية، وأن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جوبا تعتبر مهمة لارتباطها بالملفات الاستراتيجية المتعلقة بكل من مصر والسودان، مشيرة إلى أن أبرز مجالات التعاون هي مجالات تنموية في الأساس واتفاق على موقف واحد بشأن سد النهضة، والمتغيرات الإقليمية في القرن الأفريقي، مضيفة أن العلاقات بين البلدين عميقة وأقدم من عام 2011، مشددة على أن أهم ما حدث خلال تلك الزيارة هو توافق مصر وجنوب السودان على أهمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ومتوازن حول ملء وتشغيل سد النهضة، فضلاً عن تعزيز التعاون بين دول حوض النيل على نحو يحقق المصالح المشتركة لشعوب دوله كافة، وتجنب الإضرار بأي طرف.
وأوضحت أن انحياز جوبا للرؤية المصرية فى قضية المياه تؤكد عمق الروابط وسلامة الموقف المصري وعدالته وأحقيته، مشيرة إلى أن الزيارة تعد استكمالا لأمننا القومي وتمثل نقطة هامة في ذلك، مشيرة إلى أن حالة التكامل والشراكة بين مصر وجنوب السودان تتجسد بوضوح في عشرات المواقف والمشاهد، أهمها دعم مصر للتهدئة فى جوبا ورعايتها لمسارات التفاوض بين قواها السياسية خلال السنوات الماضية، والتوافق المشترك فى دعم وتعزيز السلام فى السودان من خلال جهود القاهرة ومساندتها لميثاق جوبا بين مكونات المشهد السوداني، وأخيرا اتحاد الرؤى بشأن سد النهضة الإثيوبي وانحياز جنوب السودان للموقف المصري المستند إلى شرعية الاتفاقات والمواثيق القائمة وما ينص عليه القانون الدولي وقواعد إدارة أحواض الأنهار المشتركة، من وجوب التوصل إلى تفاهمات وقواعد واضحة وملزمة لكل الأطراف، بما يحفظ حق دول المنبع فى التنمية دون تجاوز لحقوق دول المصب العادلة، وهو الموقف الذي أعلنته جوبا أكثر من مرة ويأتي من منطلق الصداقة والعلاقات القوية بين البلدين، وأيضا من منطلق احترام جنوب السودان للقانون والمواثيق وسعيها لتعزيز التفاهم وترسيخ قيم الاحترام والشراكة والتعاون على أرضية العدالة وصيانة الحقوق التاريخية.
وأشارت الطويل إلى أن «العلاقات المصرية- السودانية شهدت تطورًا غير مسبوق على كافة الأصعدة وفي مجالات لم تعرف التعاون بين القاهرة والسودان من قبل، وبدا ذلك واضحاً من خلال التدريبات العسكرية المشتركة التي تجرى لأول مرة على الأراضي السودانية».

الرئيس السيسي (إلى اليمين) والرئيس سلفاكير ميارديت (يسار) في جوبا (رويترز)

 
الأمن المائي
وقال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، إن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جنوب السودان من أهم الزيارات الخارجية، حيث إن جنوب السودان لديها العديد من الإجابات على ملف مياه حوض النيل وسد النهضة، خاصة أنها أعلنت عن دعمها للموقف المصري في المفاوضات، مشيراً إلى أنه يجب تعزيز قدرات جنوب السودان، لإدارة مواردها المائية، مضيفا أن جنوب السودان تعد امتدادًا لأمن مصر الاستراتيجي، لافتا إلى أن مصر صاحبة المكون الرئيسي لقوات حفظ السلام في جوبا.
وأكد أن مجالات التعاون متعددة بين مصر وجنوب السودان، وتشمل التعليم والصحة ومشروعات الربط الكهربائي، موضحا أن مصر قدمت مساهمات لجنوب السودان في مجال التعليم، مشيرا إلى أن مصر تخطط لفتح أسواق في جنوب السودان للسلع المصرية.
وأشار إلى أن التعاون المصري- السوداني سوف ينعكس بشكل إيجابي على أمن البحر الأحمر وأزمة سد النهضة، مشيرة إلى أن مصر والسودان سوف ينتقل التعاون بينهما إلى محور جديد، مؤكداً أن التحركات المصرية الأخيرة تجاه القارة الأفريقية أثبتت أن القاهرة جادة في تفعيل اهتمامها بالقارة الأفريقية.
وأضاف أن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جوبا، بالإضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة مع السودان، بمثابة رسائل قوية بأن هناك توافقاً قوياً بين مصر والسودانيين.
 
ترابط تاريخي
وقال اللواء محمد الغباشي الخبير العسكري المصري ومساعد رئيس حزب حماة الوطن المصري إن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جمهورية جنوب السودان «تاريخية» لأنها الأولى منذ استقلال جنوب السودان في 2011 وتأتي هذه الزيارة في توقيت مهم جدا وتدعم تعزيز أطر التعاون المشترك وتحمل الكثير من الرسائل، بجانب تحقيق الاستراتيجية المصرية في أفريقيا، ومد جسور التعاون في جميع المجالات، فضلا عن تعزيز التنسيق في المواقف بين الدولتين تجاه القضايا الإقليمية المشتركة في القارة الأفريقية.
وأضاف في بيان له أن هناك ترابطا تاريخيا بين مصر وجنوب السودان، ووحدة نهر النيل والموقف المصري الاستراتيجي الثابت الداعم لأمن واستقرار السودان وشعبه الشقيق، مضيفا أن اللقاء يؤكد حرص مصر على مواصلة التعاون والتنسيق مع جنوب السودان في كافة الملفات، خاصة فيما يخص منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي وأن مصر في عهد الرئيس المصري السيسي تولي أهمية كبرى للقضية الأفريقية والعودة إلى أفريقيا والحرص على تحقيق وأمن واستقرار جنوب السودان ومنطقة القرن الأفريقي.
وتابع الخبير العسكري المصري أن مصر تعتبر الاستقرار والتنمية في جنوب السودان دعما للاستقرار في القارة والمنطقة، وهو ما انعكس في مباحثات الرئيسين المصري السيسي، والجنوب سوداني سلفاكير، وتحرص القاهرة على تقديم دعم فني وتدريبي للكوادر من جنوب السودان، في شتى المجالات المدنية والعسكرية، ونقل الخبرات المصرية، وبرامج بناء القدرات للكوادر بمختلف القطاعات، بجانب التعاون الاقتصادي والتجاري في مجالات متعددة، تدعم مصالح البلدين.
وتنطلق رؤية مصر إلى دعم كل جهود السلام والاستقرار في السودان كونها أحد أهم دوائر الأمن القومي المصري وكله مترابط ومتصل، وتتداخل فيه كل الملفات.
وتابع: «كما تم التوافق بين البلدين حول أهمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ومتوازن حول ملء وتشغيل سد النهضة وقد عبر الرئيس عبد الفتاح السيسي عن إشادته بجهود الرئيس سلفاكير في الوساطة بين حكومة جمهورية السودان الشقيق والفصائل الثورية، التي تكللت بنجاح بالتوقيع على اتفاق سلام جوبا بين الطرفين في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث إن كل خطوة نحو المصالحة تدعم استقرار السودان الشقيق والمنطقة».
 
رسالة ردع
وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء جمال مظلوم، إن المناورات الجوية بين مصر والسودان، تستهدف تعزيز التعاون  في كافة المجالات خاصة الكهرباء.