اللاجئون السوريون... صعوبات العودة ومأساة الغربة

يتمركز العدد الأكبر منهم في تركيا:

* طبقا لتقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بلغ عدد اللاجئين السوريين 5.556.417 لاجئا
* لم يجد المواطن السوري مفراً من البحث عن مخرج للهروب من النيران المشتعلة في مسكنه ومقر عمله، فإما أن يكون راضياً بسياسات النظام وإما أن يكون ضحية للتنظيمات الإرهابية
* كيف يمكن عودة اللاجئين في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة في العديد من المناطق السورية التي دمرتها الحرب، فضلا عن غياب الضمانات القانونية من جانب النظام السوري
* للعودة شروط ومتطلبات حين تتوافر تصبح واقعاً، وحين تنتفي تظل هذه العودة حلماً يراود اللاجئين

باكو: في النصف الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، وعلى مدار يومين، استضافت العاصمة السورية دمشق مؤتمرا دعت إليه روسيا بشأن عودة اللاجئين السوريين، ذلك المؤتمر الذي أثار واحدة من القضايا الإنسانية في عالم اليوم، بعدما تزايدت أعداد هؤلاء اللاجئين ليصبح ترتيبهم في مقدمه اللاجئين في العالم، طبقا لتقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في يناير (كانون الثاني) 2020، حيث بلغ عددهم 5.556.417 لاجئا، يتمركز العدد الأكبر منهم في تركيا، بإجمالي 3.576.344 لاجئا، في حين بلغ العدد في لبنان حوالي 915 ألف لاجئ، وحوالي 655 ألفا في الأردن.
 




الطفلة السورية فاطمة أحمد مصطفى ، 9 أعوام ، اصيبت بجروح في قصف استهدف قريتها ، ما أدى إلى بتر ساقها بالكامل. تمشي فاطمة أحمد مصطفى اليوم ثلاثة أميال على قدم واحدة بمساعدة عكازين لتذهب إلى المدرسة (غيتي)
 

والحقيقة أن قضية اللاجئين السوريين وعودتهم لم تكن الأولى من نوعها، إنما هي قضية تخص كافة الأزمات الداخلية التي تشهدها أية دولة حينما تتعرض لأزمة سياسية أو أمنية أو حرب أهلية أو هزيمة عسكرية، فيفر المواطنون من أزماتهم إلى خارج حدود بلادهم. بمعنى أكثر دقة توجد أزمة لاجئين عندما تعجز الدولة الوطنية عن استيعاب أبنائها وحمايتهم، سواء بسبب صراع داخلي أو حرب خارجية، ففشل مؤسسات الدولة في أداء دورها بقطع النظر عن السبب؛ داخليا كان أم خارجيا، يفرز أوضاع مأساوية تنعكس على حياة المواطنين، سواء من بقي منهم داخل الدولة أو من تمكن من الخروج إلى الجوار الاقليمي الذي يواجه بدوره أزمات متفاقمة مع قدوم هؤلاء اللاجئين والنازحين إلى أرضه، خاصة إذا كان هذا الجوار يواجه هو الآخر أزمات معيشية لمواطنيه، فتزداد الأزمة تفاقما وتعقيدا، بل ويترتب عليها في بعض الحالات انتقال الصراع الداخلي من هذه الدولة إلى جوارها الإقليمي مع انتقال مواطنيها بخلافاتهم وصراعاتهم وتبايناتهم، ولعل ما يجري في إقليم تيغراي بدولة إثيوبيا مع اندلاع الحرب بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، يدلل على ذلك، كما أن أزمة اللاجئين الفلسطينيين تظل العنوان الأبرز في تاريخ تلك القضية إلى الحد الذي تم معه تأسيس منظمة متخصصة لهؤلاء اللاجئين والمعروفة باسم منظمة الأونروا. وإن كان ثمة تباين بين حالة اللاجئين الفلسطينيين وغيرهم من اللاجئين فيما يتعلق بسبب اللجوء، إذ إنه في الحالة الفلسطينية جاءت الأزمة نتيجة السياسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، في حين أن الحالة السورية كانت نتيجة لسياسات النظام الحاكم ومواقفه تجاه شعبه منذ اندلاع الأحداث ضمن ما أطلق عليه جوازًا الربيع العربي الذي تحول إلى شتاء عاصف ترك تأثيراته على مستقبل المنطقة برمتها.
 




بمساعدة إحدى الجارات ، مريم تحملها ابنتها في غطاء بلاستيكي. نزحت مريم المحمد ، 70 عاما ، وهي أم سورية مع ابنتها آية ، من ريف إدلب الجنوبي باتجاه قرية أريحا بعد قصف مكثف للمنطقة من قبل نظام الأسد وميليشياته (غيتي)

ومن هذا المنطلق، تميزت قضية اللاجئين السوريين بسمتين رئيسيتين، هما:

الأولى، أنها كانت ناتجة عن فشل الدولة السورية في إدارة أزمتها التي عصفت بها في أوائل هذا العقد، فحينما خرجت المظاهرات الشعبية مطالبة ببعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم يتمكن النظام السوري من إدارة الاختلافات في الرؤى بينه وبين الشارع السوري، وهو ما أفسح المجال لتدخلات إقليمية ودولية ساهمت في تفاقم الأوضاع بشكل أخرج الأزمة من مشهدها الداخلي إلى مشهد دولي تداعت تأثيراته على قدرات الدولة ومقدرات شعبها. ومن ثم، بدأ مسلسل اللاجئين في التزايد يوما بعد يوم، بسبب سياسات النظام الحاكم في مواجهة تزايد التواجد الأجنبي سواء كان رسميا كما هو الحال في تركيا واعتداءاتها المستمرة على الأراضى السورية، أم غير رسمي كما هو الحال فيما يتعلق بانتشار التنظيمات الإرهابية التي تنوعت أجندتها واختلفت مساراتها وتعددت مصادر تمويلها، وهو ما جعل الأراضى السورية مقسمة بين ثلاثة أجزاء: الأول، تحت سيطرة النظام السوري بدعم روسي– إيراني. والثاني تحت سيطرة الميليشيات الإرهابية المدعومة خارجيا، والمناهضة للنظام السوري. والثالث، تحت الاحتلال الإسرائيلي ممثلا في هضبة الجولان.
وفي ضوء هذا الوضع المأساوي لم يجد المواطن السوري مفرا من البحث عن مخرج للهروب من النيران المشتعلة في مسكنه ومقر عمله، فإما أن يكون راضيا بسياسات النظام وإما أن يكون ضحية للتنظيمات الإرهابية. ولذا، أصبح اللجوء هو المفتاح السحري الذي يبحث عنه كل مواطن سوري، فتزايدت أعداد اللاجئين السوريين وتشتتت أماكن لجوئهم بين جوار مباشر كما هو الحال في لبنان وتركيا أو جوار غير مباشر داخل المنطقة العربية كما هو موجود في مختلف الدول العربية، أو في مختلف مناطق العالم كما هو الحال في تزايد أعداد اللاجئين السوريين في دول الاتحاد الأوروبي وروسيا وغيرهما. مع الأخذ في الحسبان أنه في كثير من الأحيان يتجه السوريون إلى المناطق التي تكون أكثر تماهيا مع توجهاتهم على غرار موقف اللاجئين السوريين في تركيا، وإن لم يكن ذلك هو القاعدة المتبعة من جانب اللاجئين السوريين، بل حرص بعض هؤلاء اللاجئين الذين يرفضون سياسات النظام كما يرفضون ممارسات التنظيمات الإرهابية إلى اللجوء لبعض الدول التي حافظت على مساحة تسمح بها بمحاولات المشاركة في الحل السياسي للأزمة السورية كما هو الحال في مصر ما بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013.
 




مخيم جديد للاجئين في كارا تيبي باليونان بين مدينة ميتيليني عاصمة الجزيرة (ميتيليني) وموريا ، ويقع في مقر معسكر سابق (غيتي)



أما السمة الثانية، فترتبط بأوضاع اللاجئين السوريين في الشتات وخاصة في بعض المناطق المجاورة وتحديدا في لبنان وتركيا، إذ واجه هؤلاء اللاجئون أزمات عدة، حيث تراجعت شروط العيش وفرص العمل مع ما واجهته هذه البلدان من أزمات عاصفة بسبب فشل الأنظمة الحاكمة في كل منهما في إدارة أزماته، فكانت أولى انعكاساتها على أوضاع هؤلاء اللاجئين السوريين، فتم استغلال ظروفهم وأوضاعهم المتردية في تنفيذ أجندات خارجية لصالح الأنظمة الحاكمة كما هو الحال في تركيا، حينما تم تجنيد الشباب من هؤلاء اللاجئين في معارك يخوضها النظام التركي في مناطق مختلفة على غرار ما جرى في ليبيا، وكذلك في الحرب المندلعة في جنوب القوقاز، إذ شاركت تركيا في هذه الحرب إلى جانب أذربيجان في مواجهة أرمينيا، من خلال الاستعانة بعناصر سورية كمجندين في هذه المعارك التي لا جمل ولا ناقة لهم فيها، وإنما تصب في مصلحة نظام إردوغان. ومما يزيد الطين بلة أن استغلال هؤلاء اللاجئين وظروفهم لم تقتصر على ذلك فحسب، بل استغلهم النظام التركي كذلك كما سبق كأداة لجمع المساعدات والمعونات من دول الاتحاد الأوروبي تحت تهديد حمايتهم من مخاطر انتقال هؤلاء اللاجئين إلى بلدانهم، وهذه الحجة قد نجح نظام إردوغان في توظيفها جيدا لصالح دعم اقتصاده الذي يشهد كل يوم مزيدا من الانهيار والأزمات تحت وطأة طموحاته وأحلامه في عودة الإمبراطورية العثمانية.
في ضوء تلك الأوضاع التي يعيشها اللاجئون السوريون، جاءت المبادرة الروسية الداعية إلى تنظيم مؤتمر شارك في فعالياته ما يقرب من 27 دولة، من بينهم دول عربية إضافة إلى الصين وروسيا مع وجود مراقبين من الأمم المتحدة، في محاولة إلى تحسين صورة النظام السوري بعدما تمكن بدعم روسي وإيراني من استعادة كثير من الأراضي السورية من سيطرة التنظيمات الإرهابية.



المسنة السورية غتوة المحمد(80 عامًا)، تجلس القرفصاء على الأرض وهي تسحق حبات زيتون أخضر صغير ، في مخيم للنازحين بالقرب من قرية قاح على مشارف الحدود التركية في محافظة إدلب شمال غرب سوريا ، 28 اكتوبر 2020 (غيتي)

والحقيقة أنه رغم أن مخرجات المؤتمر الواردة في بيانه الختامي تمثل رؤية تفاؤلية لمستقبل اللاجئين السوريين، حينما ينص البيان على التزام الحكومة السورية ليس فقط بعودة هؤلاء اللاجئين وإنما مواصلة جهودها لتأمين حياة كريمة لهم، كذلك حزمها في مواصلة الحرب على الإرهاب حتى القضاء على جميع التنظيمات الإرهابية المدرجة على قائمة مجلس الأمن للكيانات الإرهابية، إلا أن الواقع الراهن داخل الأراضي السورية سواء في تلك المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام أو بعيدا عنه لا تمثل بيئة صالحة لعودة هؤلاء اللاجئين، إذ إن شروط العودة وضماناتها غير متوافرة سواء على مستوى البنية التحتية والخدمات الأساسية أو على مستوى الأمن والأمان الذي يمكن أن يشعر به اللاجئ السوري حين عودته إلى وطنه.




تظهر الشاشات آنا كوزنتسوفا ، المفوضة الرئاسية الروسية لحقوق الطفل ، عبر رابط فيديو مع جلسة عامة خلال مؤتمر دولي حول عودة اللاجئين السوريين عقد منتصف الشهر الماضي في دمشق بدعوة من موسكو. (غيتي)

ومن ثم، عقد مثل هذا المؤتمر رغم مشروعية هدفه، إلا أنه لم يكن موفقا من جانبين:

الأول التوقيت؛ إذ كيف يمكن الحديث عن عودة للاجئين في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة ومتطلباتها في العديد من المناطق السورية التي دمرتها الحرب، فضلا عن غياب الضمانات القانونية للعائدين من جانب النظام السوري.




مهاجرون يفترشون الأرض بالقرب من نار في غابة بمنطقة عازلة على الحدود التركية اليونانية، بالقرب من بوابة عبور بازاركولي في أدرنة - تركيا  في 5 مارس 2020 - (غيتي)

أما الجانب الآخر، فيتعلق بالأطراف المشاركة في هذا المؤتمر، إذ اقتصر الحضور على الأطراف المؤيدة للنظام السوري بما يشكك في جدوى المؤتمر ونجاحه في الخروج برؤى واستراتيجيات قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
خاتمة القول إن قضية اللاجئين السوريين الذين تتفاقم أوضاعهم يوما بعد يوم، تحتاج إلى مقاربة جديدة في المعالجة، تأخذ في اعتبارها ثلاثة أمور رئيسية: الأول، المشاركة الفاعلة من جميع الأطراف الإقليمية والدولية المؤيدة للنظام والمعارضة له بما يضع رؤية توافقية لحل تلك الأزمة. الأمر الثاني، توافر الضمانات المعيشية والأمنية للعائدين من أبناء الشعب السوري إلى وطنهم. الأمر الثالث، التعويضات الواجب الحصول عليها لإعادة بناء أوضاعهم من جديد عقب العودة وإلا ظلت معاناتهم مستمرة سواء أكانوا في أماكن لجوئهم أو ما بعد عودتهم. فللعودة شروط ومتطلبات حين تتوافر تصبح واقعا، وحين تنتفي تظل هذه العودة حلما يراود اللاجئين.




ينام الآلاف من طالبي اللجوء السوريين وغيرهم على جانب الطريق بعد حرائق نشبت في مخيم موريا للاجئين باليونان ، وهو نقطة ساخنة لتحديد الهوية والتسجيل. يعيش اللاجئون والمهاجرون المشردون دون أي مأوى أو مرافق مثل المراحيض أو المياه الجارية على الطريق بين مدينة ميتيليني، عاصمة الجزيرة وموريا ، بالقرب من كاراتيب ، مما أدى إلى إغلاق الطريق الرئيسي للجزيرة (غيتي)