تحرير سعر صرف الليرة يربك اللبنانيين ويدفعهم نحو المجهول

لبنان يفقد أكثر من ثلثي قدرته الشرائية

* سروع لـ«المجلة»: تحرير سعر الصرف يجب أن يكون مرحلياً لأن الطبقة السياسية الحاكمة تعيش في حال إنكار لمشاكل البلد
بركات: تحرير سعر الصرف سيزيد البطالة ونسب التضخم
صفير: ستكون هناك نزاعات قانونية وقضائية وإفلاسات واسعة

بيروت: فرضت الأزمة الاقتصادية المستفحلة في لبنان والأسوأ منذ الحرب الأهلية (1975-1990) واقعاً جديداً ومرعباً على المواطنين. فالاستقرار الاجتماعي الذي استمر منذ عام 1993 والقائم على تثبيت سعر صرف الليرة عند مستوى 1500 ليرة للدولار الواحد، يبدو أنه انتهى؛ إذ فقد اللبناني وفي أشهر قليلة أكثر من ثلثي قدرته الشرائية، كما تواجه معظم الشركات الخاصة شبح الانهيار والإفلاس مع ارتفاع سعر الصرف في السوق السوداء وتوقف الدورة الاقتصادية.
قبل فترة بدأت بعض وسائل الإعلام تتحدث أن هناك نية لدى أهل الحكم بتحرير سعر صرف الليرة والعمل على توحيد سعر الصرف للتخلص من الحالة الشاذة الموجودة والمتمثلة في وجود أكثر من خمسة أسعار لسعر صرف الليرة تجاه الدولار.
وفي المقابل، يستبعد بعض الخبراء إمكانية خفض قيمة العملة، موضحاً التداعيات الكارثية على الاقتصاد واللبنانيين، مثل:

- اعتماد سعر صرف الدولار الواحد بـ3500 ليرة، يشطب ثلثي دخل الفرد في لبنان.
- غالبية قروض اللبنانيين بالعملة الأجنبية، وخفض قيمة العملة يرفع من الأقساط الشهرية المتوجبة على المواطنين، ما يدفع إلى تعثرهم ويخلق مشاكل كبيرة في المجتمع.
- يستورد لبنان معظم ما يستهلكه، مما سيرفع تلقائياً أسعار جميع السلع المستوردة، والمصنّعة محلياً التي تعتمد على مواد أساسية مستوردة أيضاً.
- الشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة ستتجه نحو الإفلاس السريع.
ستتضرر الدولة نفسها من خفض قيمة العملة مع تراجع قيمة إيراداتها فهي تجبي الضرائب والرسوم بالليرة وعليها التزامات بالعملة الصعبة.
سيتلقى المواطن ضربة كبيرة من خلال ارتفاع الأسعار خصوصاً أسعار المواد الغذائية، ولكن أيضاً القروض المُقوّمة بالدولار والتي ستُضاعف الدفعات، ما يعني أن الأمور الأساسية التي كانت تُشكّل قسماً ثابتاً في حياة اللبناني (هاتف، قرض، بنزين، قسط مدرسة، كهرباء، مولّد، إنترنت) لن يكون بالإمكان بعد الآن تغطيتها بالأجر الحالي، فأجر المواطن في القطاع العام والقطاع الخاص (الأجور المُنخفضة) مُقوّم بالليرة اللبنانية، بالتالي سيتمّ القضاء على القدرة الشرائية لهؤلاء الذين يُشكّلون أكثر من ثلثي اليد العاملة في لبنان.




الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور جو سروع

ما هو رأي الخبراء في هذا الواقع المستجد؟
«المجلة» طرحت هذا الموضوع على الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور جو سروع، والباحث والخبير المصرفي الدكتور مروان بركات، والخبير القانوني المحامي أنطوان صفير.
 
تأثير السياسة على الاقتصاد
استهل سروع حديثه بالقول المعروف بأن لبنان تبنى سنة 1997 سياسة تثبيت سعر الصرف بعد الانفلات غير المنطقي في فترة التسعينات، حيث وصل سعر الدولار الأميركي سنة 1993 إلى 2700 ليرة .
مصرف لبنان منذ سنة 1993 وحتى 1997 حاول تثبيت سعر صرف الدولار عند 1500 ليرة بالتوازي مع فوائد عالية على الليرة والدولار الأميركي لامتصاص السيولة ووصلت الفائدة على الليرة إلى 34 في المائة، وعلى الدولار كانت أعلى من الفوائد العالمية مابين 4 و5 نقاط إلى أن تم تثبيت سعر الصرف ما بين 1997 و2019، خلال تلك الفترة مر لبنان بأزمات كثيرة، ولم يشهد أي استقرار سياسي واسع حتى يسمح له بإدارة السياسة النقدية بشقيها أي الفوائد وسعر الصرف بطريقة فعالة وثابتة ومطمئنة، لذلك حين شهدت بعض الفترات انفراجات أساسية متباعدة بما يوحي باستقرار اقتصادي ومالي ونقدي شهد لبنان نمواً كبيراً في الودائع من 6 مليارات سنة 1991 و9 مليارات سنة 1993 إلى أن وصلت إلى 180 مليار دولار سنة 2017 .
سياسة مصرف لبنان كانت امتصاص السيولة من المصارف بالليرة والدولار، والمصارف كان عندها القدرة على اجتذاب خطوط ائتمان وخطوط تمويل من المؤسسات المالية العالمية، وهذا ما مكن هذا القطاع طوال تلك الفترة من المشاركة في عملية إعادة الإعمار وتمويل القطاعين العام والخاص، كما ساعد بتحقيق نسب نمو ما بين 8 و9 و10 في المائة خلال ثلاث سنوات متتالية، لكن هذا النمو وبسبب انعدام الحكم الرشيد والهدر والفساد بالدولة لم ينعكس هذا النمو على الطبقات العاملة لتوزيع الثروة على الناس .
بدأت المعاناة عامي 2011 و2012 بعد اندلاع الأحداث في سوريا والمستمرة حتى اليوم، حيث أصبح لبنان يقوم بتمويل الاقتصاد السوري وبدأ اتساع العجز في الموازنة والميزان التجاري، بمعنى أنه خلال تلك الفترة كان لبنان يوفر فرص عمل للنازحين السوريين، وهؤلاء كانوا يقومون بتحويل أجورهم من الليرة إلى الدولار ثم يقومون بتحويل هذه الأموال إلى سوريا وهناك تقديرات أن حجم الأموال المحولة سنوياً أكثر من 700 ألف دولار، ناهيك بأن لبنان كان محطة لتأمين البنزين والمازوت والطحين والمواد التموينية إلى سوريا، وهكذا ظهر الانكشاف منذ سنة 2015 ووصلنا إلى ذروة الأزمة سنة 2017 بعد بروز السوق السوداء وقيام محال الصيرفة بالمضاربة على الليرة رغم المحاولات التي قام بها البنك المركزي والقطاع المصرفي .
أردت أن أتحدث عن هذا المسار لأقول إن الاقتصاد اللبناني الذي كان يملك احتياطيا مؤثرا وضخما يفوق احتياطي العديد من الدول في المنطقة وصل اليوم إلى المنصة التي كان المطلوب إطلاقها من قبل المصارف والصرافين ومصرف لبنان قبل هذا الوقت .
لذلك نرى اليوم أن هناك السعر الرسمي للدولار وهو 1500 ليرة و4200 ليرة وسعر السوق السوداء وسعر شيكات الدولار وسعر شيكات الدولار «الكاش» وسعر الليرة للدولار «الكاش» إلى أن أصبحنا مؤخراً نشهد أن السوق السوداء هي التي تدير السياسة النقدية، حيث إن هذه السوق باتت معتمدة من قبل التجار والسوبر ماركت أي كل القطاعات التي لا تحصل على الدعم.

لقد كان المطلوب بالأساس من صندوق النقد الدولي تحديداً أن يطالب بإعادة النظر في سياسة التثبيت النقدي لأن هذه السياسة يجب أن تتم في مناخ اقتصادي واجتماعي مستقر مع إصلاح بنيوي وأهمها مكافحة الفساد والحكم الجيد ومعالجة مشكلة المعابر والكهرباء، أي كل قنوات التسريب والتسيب، كما أن المطلب الأساسي اليوم هو توحيد سعر الصرف إنما على أي مستوى وأي إمكانيات، هل المطلوب تعويم الليرة من دون مراقبة أو تعويمها ضمن هوامش معينة ومقبولة تتماشى إلى حد ما مع الوضع الاجتماعي ويجب أن يسبقها إصلاحات مطلوبة من كل دول العالم من دون جدوى، لأنه مع الأسف الشديد أن الطبقة الحاكمة تعتبر أن الإصلاح هو عدو النفوذ، وهم بالتكافل والتضامن منغمسون بالفساد بكل محاوره داخل الدولة اللبنانية.
لذلك فإن توحيد سعر الصرف خارج نطاق الإصلاح والاتفاقيات وإعادة تموضع لبنان السياسي وعلى مسافة واحدة من جميع الإطراف السياسية لأن مشكلة لبنان الأساسية اليوم السياسة التي تؤثر على الاقتصاد عدا عن تأثيرات كورونا.
اليوم توحيد سعر الصرف يجب أن يأتي مرحلياً بعد أن نتصالح مع العالم ومحيطنا ويجب أن تتغير السلطة الحاكمة حتى يكون هناك إصلاح حقيقي، عبث ضمن وضع اجتماعي ضاغط ومزرٍ على كافة الأصعدة المادية والاجتماعية باعتقادي أي محاولة في هذا الاتجاه إذا لم يكن عندها فرص النجاح وإمكانيات حتى تدافع عنها ستعطي نتائج سلبية.

اليوم نعرف أن الغلاء في لبنان سببه سعر الدولار وتراجع العملة الوطنية إلى درجة الانهيار، طبعاً إذا تمكن لبنان من توحيد سعر الصرف على مساريه دون المستويات التي هي موجودة في السوق السوداء إلى  سعر أقل قد تنعكس إيجاباً على القضايا المعيشية ويمكن للقدرات الشرائية المنهارة أن تتحسن نسبياً، لكن لن يكون لها قيمة حقيقية إلا إذا استطعنا أن نسترد النمو للبلد، وهذا يحتاج إلى محتوى سياسي وإصلاحي مختلف تماماً، لكن التأثير السلبي اليوم سيلحق جميع العقود التي تدفع اليوم على أساس السعر الرسمي للدولار أي 1515 ليرة، هناك عقود تأمين السنة المقبلة ستصبح على سعر 3950 ليرة كما هو سعر الصرف المتداول في المصارف، نحن نتحدث عن كل أنواع عقود التأمين التي لها علاقة بالصحة والمنازل والسيارات.
هذه هي المشكلة الأساسية وهذا مطلب أساسي من أجل الوصول إلى استقرار الوضع المعيشي لأن مفاعيله السلبية ستخلق احتجاجات واسعة في الشارع من النقابات العمالية التي ستطالب بتصحيح الأجور لكن على أي أساس قبل ترشيد القطاع العام وإعادة هيكلته.
المطلوب في الوقت الحاضر ونظراً للمشاكل الكبيرة التي يعيشها لبنان وهذه المشاكل تكاثرت وتفاقمت بسرعة وما كان ممكنا التعامل مع هذه المشاكل بإيجابية قبل الانهيار الذي حصل، وقبل انعدام الثقة المطلقة  بالدولة ومن خلال الدولة بالمصارف والبنك المركزي أصبح من الصعب إصلاحه بفاعلية وحتى إذا انطلقت فالمسيرة طويلة للإصلاح الذي تؤخره الطبقة السياسية بثقافة محاصصة وثقافة فساد، من الصعب أن نتأمل أن تكون هناك حلول سريعة وناجعة، ويجب أن لا ننسى أن الطريق طويل وهناك محادثات مع البنك الدولي وصندوق النقد، والدولة يجب أن تخرج من حالة الإنكار الموجودة فيها اليوم وأن تقول إنها استدانت المال من المصارف، لذلك لن يكون هناك أي نمو والبلد يعاني من فقدان السيولة.
المطلوب تغيير جذري في البلد قبل البحث عن الحلول وتعويم الليرة من أن تكون هناك مقدرة على ضبطها وتنظيم السوق وإعادة النظر بالسياسة النقدية وإعادتها إلى البنك المركزي، وإذا لم نعمل، فإن المشاكل ستتفاقم أكثر وسيعود الشارع إلى التحرك بقوة بعد انحسار كورونا.
في المحصلة، البلد في حال انعدام وزن على كافة الصعد وإدارته عاجزة عن أن تكون إدارة أزمات بل إدارة هلع في غياب وإنكار تام من الجماعة الحاكمة للمشاكل في البلد وإنكار إعطاء أي معنى للإصلاح والحلول بالمفرق وبالتجزئة وهذا من شأنه تعميق الأزمة التي يعاني منها البلد والناس يدفعون الثمن.




الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي الدكتور مروان بركات



 
التدرج في تخفيض سعر الصرف
الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي الدكتور مروان بركات، رأى في حديثه مع «المجلة» أن أي عملية تخفيض لسعر الصرف الرسمي لليرة اللبنانية مقابل الدولار يجب أن يتمّ بشكل تدريجي لا فوري، نظراً للضغوط الاقتصادية والاجتماعية الجمّة التي قد تنطوي عليها هكذا خطوة. إذ من شأن ذلك أن يؤدي إلى تصاعد في نسب تضخم الأسعار، وضغط إضافي على الاقتصاد الحقيقي، وزيادة في البطالة، بالإضافة إلى التداعيات السلبية على التوزيع الوطني للدخل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن انخفاض قيمة العملة الوطنية بنسبة 100 في المائة، في السوق الرسمية يؤدي إلى تضخم إضافي بنسبة 30 في المائة وانخفاض بنسبة 28 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بالدولار الأميركي. أما عن تأثيره على التسليفات، فقد يؤدي إلى زيادة ملحوظة في التسليفات المشكوك بتحصيلها نتيجة التخلف المحتمل عن السداد من جانب عدد كبير من المقترضين الذين يتقاضون رواتبهم أو مداخيلهم بالليرة اللبنانية. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن نسبة التسليفات المشكوك بتحصيلها إلى إجمالي محفظة التسليفات بلغت مستوى قياسياً بحدود 34.4 في المائة في نهاية سبتمبر (أيلول) 2020، وفقاً لآخر الأرقام الصادرة عن مصرف لبنان، في مقابل 19.6 في المائة في نهاية العام 2019.
والجدير بالذكر أن نوعية محفظة التسليفات بالعملات الأجنبية، والتي تبلغ 23.7 مليار دولار اليوم، أو ما يعادل 61.5 في المائة من إجمالي محفظة التسليفات، ستكون الأكثر تأثراً جراء أي تخفيض قد يطال سعر الصرف الرسمي. إلا أنه وفي المقابل قد يستفيد نوعاً ما المقترضون بالليرة اللبنانية من هذا التخفيض، مع الأخذ في الاعتبار أن محفظة التسليفات بالليرة تبلغ اليوم حوالي 22 ألف مليار ليرة لبنانية. عليه، فإن تخفيض سعر الصرف الرسمي قد يؤدي إلى إعادة توزيع الثروة والدخل، ما من شأنه أن يؤثر سلباً على دور الليرة اللبنانية كأداة إقراض، بالإضافة إلى تأثيره على الأدوار الثلاثة الأخرى لليرة اللبنانية، أي: وسيلة تبادل، ووحدة محاسبة، وأداة ادخار.



أستاذ القانون المصرفي الدولي الدكتور أنطوان صفير



 
مأزق تحرير سعر الصرف
من ناحيته، أستاذ القانون المصرفي الدولي الدكتور أنطوان صفير، أكد لـ«المجلة» أن تحرير سعر الصرف هو مطلب واضح من صندوق النقد الدولي، ولكن المشكلة كبيرة لأن أكثرية عقود القروض الموقعة بالعملة الصعبة أي بالدولار الأميركي، وبالتالي المصرف المقرض إما أن يقبض بالدولار وإما أن يحول بالسعر المتداول، وهنا المشكلة، حيث ستكون هناك نزاعات وستؤدي إلى إفلاسات كثيرة في القطاع التجاري وحتى الأفراد الذين يستطيعون اليوم السداد حسب السعر الرسمي وهو 1515 ليرة، بينما في حال حرر السعر سيصبح أمام مأزق كبير، أي إنه إما يؤمن العملة الصعبة وإما تأمين المال بالليرة اللبنانية، ما يوازي السعر الذي تفرزه السوق العادية، لذلك هناك مشكلة كبيرة وخطيرة ستحصل في هذا الاتجاه إذا لم يكن هناك قوانين وأنظمة تحدد السعر بما يتناسب مع العقود وبالتالي لا تكون هناك مفاجآت أو عبث من خلال إساءة استعمال هذا الموضوع من قبل الجهات المقرضة، وخصوصاً المصارف، تجاه الذين اقترضوا للإسكان والقروض الشخصية.
إضافة إلى ما تحدثنا عنه في القانون لكي لا تكون هناك نزاعات لا طائل منها إن قضائية أو تحكمية بين المصارف وزبائنها المقترضين بالدولار، الموضوع يجب أن يحدد في إطار قانوني واضح يتعلق بالسعر الذي يجب أن تصرف عليه العملة الأجنبية بالعقود التي أعطيت القروض في إطارها، إذن الموضوع واضح المعالم في هذا الاتجاه، يجب أن يكون هناك قانون واضح يحدد كيفية تسديد المبالغ المحددة بالعملة الأجنبية، وعلى أي أساس وأي سعر، رغم تحرير سعر الصرف، وإلا سنجد أن مئات أو آلاف النزاعات أمام القضاء والتي ستؤدي إلى إفلاس الشركات أو الأضرار مرة أخرى بالبنوك التي تعيش اليوم مرحلة غير طبيعية.