جدل في مصر حول زواج المسلمة من غير المسلم

بعد تصريحات أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر حول الاجتهاد في الأمر
تصريحات أستاذة العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط المصرية

* ما طرحته نصير قد يأتي في إطار الاستناد العقلي والاجتهاد الشخصي منها، ولكنه لا يتسق مع الفقه والشريعة وإجماع الفقهاء
* القرآن فرق بين «الوثني» وأهل الكتاب والأولاد يتبعون الأب
* يرى البعض أن الخطاب الديني بهذا الشكل ينقلب على الثوابت وأنه بهذا الشكل ليس تجديدا بل تبديد وهناك فرق بين التجديد والتبديد
* زواج المسلمة من غير المسلم «الكتابي» ترتبط بمسألة ولاية الرجل فكيف تقع المرأة المسلمة تحت ولاية رجل لا يعترف بدينها ولا بنبيها؟

القاهرة: فتحت التصريحات التي أطلقتها عضوة البرلمان المصري، وأستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الدكتورة آمنة نصير جدلا حول عدم وجود نص قرآني يمنع زواج المرأة المسلمة من غير المسلم شريطة أن يدين بدين سماوي، أي أن يكون «كتابي»، وأنه ليس هناك ما يمنع زواج المسلمة من غير المسلم، إذا طبق غير المسلم مع زوجته المسلمة ما يطبقه الرجل المسلم مع زوجته المسيحية، أو اليهودية، حيث لا يكرهها على تغيير دينها، أو منعها من مسجدها، ولا يحرمها من قرآنها، أو صلاتها،
فتحت هذه التصريحات جدلا فقهيا، ومجتمعيا واسعا، وحالة من الغضب الشعبي، ما دفع العديد من المؤسسات الدينية، وعلماء الشريعة، وأساتذة الفقة، والبرامج التلفزيونية، ومواقع التواصل، والسوشيال ميديا، إلى إبراز هذه الفتوى، وتوجيه انتقادات حادة لها، وكان على رأس منتقديها دار الإفتاء المصرية التي أصدرت بيانا أكدت فيه أنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج من غير المسلم، وهذا الحكم الشرعي يعد حكما قطعيا، ويشكل جزءا من هوية الإسلام، وأن العلة الأساسية في هذه المسألة تعبدية، بمعنى عدم معقولية المعنى، موضحة أن الأصل في الزواج أنه أمر إلهي وسر مقدس، وصفه ربنا تبارك وتعالى بالميثاق الغليظ الذي لم يذكر في القرآن الكريم سوى مرتين فقط، وهما ميثاق الأنبياء، وميثاق الزواج، فيما تم عرض رأي سابق لشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، حول حكم زواج المسلمة من غير المسلم، خلال لقاء في البرلمان الألماني في العام 2017، والذي أكد فيه أن الزواج في الإسلام ليس مشروعا مدنيا، وإنما هو عقد ديني، وأن القرآن استخدم لفظة ميثاق في القرآن الكريم مرتين فقط، وهما «الميثاق الذي أخذه الله على النبيين في بيان الهدي الإلهي للناس، والثانية وصفه لعلاقة الزواج بين الرجل والمرأة والذي وصفه بـ(الميثاق الغليظ)، وأنه رباط ديني يقوم على المودة بين الطرفين، وأن المسلم يتزوج من غير المسلمة لأنه يؤمن بموسى، وعيسى عليهما السلام، وهو شرط لاكتمال دينه، أما غير المسلم فلا يؤمن بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام»، ولذلك فإن المودة غير مفقودة في زواج المسلم بغير المسلمة.

على الجانب الآخر، وصف البعض فتوى الدكتورة نصير بأنها تقع في إطار تجديد الخطاب الديني، وأنها خطوة جريئة لتصحيح ما حللة الرجل لنفسه، وحرمه على المرأة.
وسط هذه الحالة الجدلية، حاولت «المجلة» من جانبها استقصاء آراء بعض فقهاء الدين، وأساتذة الشريعة لاستجلاء هذه القضية، والوقوف على ثوابت الشرع فيها، وسط هذه الحالة من الغضب المجتمعي، والاتهامات المتبادلة، بين من ينادون بضرورة الحفاظ على ثوابت الدين، ومن ينادون بتجديد الخطاب الديني.
 

عضوة البرلمان المصري، وأستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الدكتورة آمنة نصير

استناد عقلي واجتهاد شخصي لا يتسق مع الشرع
في البداية، قال المتحدث الرسمي باسم جامعة الأزهر الدكتور أحمد زارع: ما أجمع عليه فقهاء المسلمين منذ عهد النبي عليه الصلاة والسلام وحتى الآن، هو تحريم زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، سواء كان مشركا، أم كتابيا (يهوديا، أو مسيحيا) وتحريم هذا الأمر قطعي ولم يثبت لا في عهد النبي، ولا في عهد الصحابة أن تم تزويج مسلمة من كتابي، ولكن ما ثبت هو العكس، وهو تزويج المسلم من كتابية، والآية القرآنية الكريمة صريحة في تزويج المسلم من كتابية وليس العكس على الإطلاق، وهذا ما أجمع عليه علماء الأمة، وخلاف الإجماع أمر مرفوض تماما في الإسلام، والآية تقول: «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتو الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان»، وصريح الآية اقتصر فقط على تزويج المسلم من غير المسلمة (الكتابية)، وما دون ذلك فهو محرم على الإطلاق. مضيفا:  من يدعون أن «زواج المسلمة من غير المسلم الكتابي» تأتي في إطار تجديد الخطاب الديني فهذا ليس تجديدا على الإطلاق، ولكنه تبديد للخطاب الديني، وما طرحته الدكتورة نصير قد يأتي في إطار الاستناد العقلي، والاجتهاد الشخصي منها، ولكنه لا يتسق مع الفقه، ولا الشريعة، ولا إجماع الفقهاء.
 
التجديد في القضية العقدية لاختلاف الدين
من جهتها، قالت الدكتورة آمنة نصير العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية، وأستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: لا أستطيع تفسير ما تم من هجوم عليَ، وأقول إن القرآن فرق بين «الوثني»، وأهل الكتاب، والأولاد يتبعون الأب، ومعنى هذا أن المسلمة إذا تزوجت من كتابي فسوف ينضم الأولاد إلى أهل الكتاب، مما يؤثر سلبا على القوة العددية للمسلمين، ويضاف للكتابي قوة أبناء المسلمة.
وأضافت: في زمن الدعوة كانت هناك فترة عداء رهيبة بين الإسلام في هذا الزمان والنصرانية واليهودية، وهناك قاعدة تقول إن السالف لا يقبل اللاحق، وهذا ما حدث للإسلام عندما جاء، فقد ناصبه اليهود والنصارى العداء، وقامت بينهم حروب، ولذلك واكب رأي الفقهاء هذه القضية، ورؤية جمهور الفقهاء هذه جاءت من قبيل دراسة الواقع لهذا الزواج.

وقالت إن بيت القصيد في المسألة، أنني كمسلمة أؤمن بالسيد المسيح، وبسيدنا موسى، وهذا جزء من تتمة عقيدتي، والكتابيون للأسف لا يبادلونني نفس المعنى العقدي هذا، ولذلك أنا لا أوافق على زواج المسلمة من الكتابي، وليس هذا فحسب، فنحن لدينا موروث مجتمعي في بلدان الصعيد في مصر، أنه لو تقدم شخص من مدينة الإسكندرية مثلا، لخطبة إحدى بناتنا، فإنه يتم رفضه ليس لشيء سوى أن موروثه الثقافي والمجتمعي مختلف عن موروثاتنا، وأنا في مثل هذه الموضوعات (صعيدية جدا)، فأنا أرى أن الاختلاف في الدين لا يؤدي إلى طمأنينة في البيت، ولا يؤدي إلى المودة، والسكن، والرحمة، وهو بيت القصيد في علة الزواج، ومن الطبيعي أن اختلاف الأديان في بيت الزوجية لا يؤدي إلى الركن الأساسي في الزواج ألا وهو  المودة والسكن والرحمة.
وأضافت نصير: أنا تكلمت عن حقائق في علم العقيدة، أن المتفق عليه بالنص القرآني هو عدم زواج المسلمة من المشرك أو الوثني، ولكنه لا توجد آية قرآنية واضحة بالنسبة لأهل الكتاب، ولكن بالنسبة لأهل الكتاب طالما أنه لا يؤمن بنبيي، فأنا لا أرى البيت الذي يقوم على اختلاف الأديان تكون فيه مودة ولا رحمة، ولا أستطيع أن أقول إن زواج المرأة المسلمة من رجل كتابي جائز شرعا. ولكن هذا ما أطالب فيه أهل الاجتهاد، بالاجتهاد في هذه الجزئية، ولكن أنا لم أفتِ بهذا، ولا أقول به، وأنا عندما أقول إنني أرفض الزوج المختلف فكريا، وثقافيا، فما بالنا بالاختلاف في الدين؟ وقالت لم أقل كلاما منزلاَ، وأنا طرحت إشكالية، وعلى أهل الاجتهاد النظر فيها لأنهم ورثوا ميراثا عظيما، ولكن لا يعملون فيه على الاجتهاد في قضايا العصر، ولأن البشرية الآن أصبحت متداخلة في بعضها البعض، وهناك الآن ملايين الفتيات المتواجدات في بلاد الغرب، ولا بد أن يجتهد لهم، وهذا لا يعد تجديدا في الخطاب الديني ولكنه تجديد في القضية العقدية بالنسبة لاختلاف الدين.
الدكتور أحمد زارع المتحدث باسم جامعة الأزهر


 
ثوابت وقطعيات لا تقبل الاجتهاد أو التبديل والتغيير
فيما قال الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر: الدكتورة آمنة نصير قالت بعدم وجود نص قرآني يحرم زواج المرأة المسلمة من رجل كتابي غير مسلم، وقلنا لها إن هذا الموضوع يقع في إطار الشريعة، وليس في إطار الفقه، فكيف تنكر الآن، وكيف تقول إنها تطرح القضية للاجتهاد، وتعود للقول إن هناك قضية تتعلق بالمرأة المسلمة في الغرب؟ هذا تخبط، ولا يجوز أن نضحك على عقول الناس، فكيف تتملص من ذلك وتتخبط، وتقول إنه لا يوجد نص قرآني في القرآن يمنع زواج المرأة المسلمة من رجل كتابي، على الرغم من وجود آيه تدحض ذلك، وهي الآية العاشرة في سورة الممتحنة، والتي جاء فيها «ولا تُمسكوا بعصم الكوافر»، فقد دلت الآية الكريمة على أن الواجب على المسلمين في كل زمان ومكان عدم تزويج المرأة المسلمة لمن يكفر بشرعنا، سواء كان من أهل الكتاب، أو من غير أهل الكتاب، وهذا نص واضح الدلالة، وسورة الممتحنة من أواخر ما أُنزل من القرآن الكريم ولا نسخ فيها، يضاف إلى ذلك الإجماع في كل زمان ومكان، والإجماع لا ينقض بإجماع آخر، هذه المسألة تعتبر من الثوابت، والقطعيات، والمسلمات، فلا تقبل أي اجتهاد، لا تبديل، ولا تغيير، لا في الحاضر، ولا في المستقبل، لأنه «لا اجتهاد مع النص». الأمر الآخر، أن هذا يعتبر من الشريعة، وليس من الفقه، لأنه يعني بالشريعة النصوص القرآنية المحكمة، والسنة النبوية الصحيحة، وهذا الأمر يعتبر من الشريعة، فأي اجتهاد هذا الذي يثار، أو يروج له، والقضية لمن أراد أن يفهم حقائق الأشياء، أن هناك خططا ممنهجة لبعض المنسوبين للعلم يريدون تحويل الأحوال الشخصية (فقه الأسرة، والمواريث)، من واجبات دينية إلى أمور مدنية، وهذا مكمن الخطر، وهذا الأمر لا علاقة له بما يسمى تجديد الخطاب الديني، فهل يتناول الخطاب الديني الثوابت؟ إذا كان الخطاب الديني سوف ينقلب على الثوابت فهو ليس تجديدا في الخطاب الديني، ولكنه في هذه الحالة يصبح تبديدا، وهناك فرق بين التجديد والتبديد، فإذا كان الخطاب الديني شماعة لكل من أراد أن (يجدف) ضد ثوابت الإسلام، فهذا مرفوض شكلا وموضوعا، إنما التجديد يكون في الفروع وفق ضوابط، وهذا ليس من الفروع، لأنه حينما ننظر إلى فقه الأسرة أولا، عقد الزواج له مقدمات، ومكونات، ومتممات، وكلها تقوم على أصول شرعية، وبضرب المثال يتضح المقال، مثلا المقدمات (الخطبة وحسن الاختيار) شريعة. مكونات عقد الزواج: الإيجاب والقبول والولي للمرأة أو لفاقد الأهلية، وتسمية الصداق أو المهر، والإشهاد، وكلها شريعة. ومتممات الزواج: الإعلان، والوليمة، والزفاف، وكلها في أصولها شريعة. نأتي للمواريث: شريعة؛ حقوق دينية وليست مدنية (يوصيكم الله)، (وصية من الله)، (فريضة من الله)، (تلك حدود الله)، مجموع فقه الأسرة والمواريث يسمى، ويوصف في كليتي الشريعة، والحقوق بـ«الأحوال الشخصية» وأصولها كلها شريعة لا تقبل في أصولها أي اجتهاد أو تغيير، ونذكر في السياق أن إخوتنا من أهل الكتاب، أيضا في الأحوال الشخصية يتحاكمون إلى شرائعهم وكتبهم، ولدينا مثال في عهد البابا شنودة، بعض المسيحيين المصريين قاموا برفع دعاوى قضائية في المحكمة الإدارية العليا والتي تعد أحكامها واجبة النفاذ، في مسائل تتعلق بالزواج الثاني، والطلاق، وعندما وصل حكم المحكمة للكنيسة قال البابا إن الكنيسة سيدة قرارها، وهي تتحاكم إلى الكتاب المقدس، ورفض تنفيذ هذه الأحكام القضائية، وهنا البابا يحترم شريعته، وكتابه المقدس، وهذا لا غبار عليه، وهو محل احترام، لأنه يحترم مكانته، ووظيفته، وكنيسته، وللأسف الآن هناك بعض المسلمين يريدون التفريط في الثوابت والقطعيات، ونحن لا نريد أن نكيل الاتهامات.

من جهته، قال المفكر والمنظر الإسلامي الدكتور ناجح إبراهيم: ما تم طرحه من مسألة عدم وجود نص قرآني يمنع المسلمة من الزواج برجل «كتابي» هو مسألة ضارة، بالدين ويمكنها أن تحدث انقسامات مجتمعية، وفي ذات الوقت هي أطروحات غير عملية، كما أن تحريم زواج المسلمة من غير المسلم الكتابي هي مسألة قطعية لأن الولاية للرجل، فكيف تقع المرأة المسلمة تحت ولاية رجل لا يعترف بدينها، ولا بنبيها، فهذا غير جائز شرعا.