اسرائيل تتحسب لذيول اغتيال فخري زادة

* الأوضاع الاقتصادية وكورونا يعيقان تدريبات جيش الاحتياط... وتحذيرات من عدم استعداده الكامل

* في ظل تسارع الأحداث الداخلية في إسرائيل والحديث عن انتخابات رابعة، تبقي المؤسستان الأمنية والعسكرية في حالة تأهب واستعداد وهو ما يستنزف من قواهما ويساهم في ضعف قدرتهما على مواجهة الرد الإيراني
 

تل أبيب: «إلى حين استقرار الإدارة الأميركية، ينبغي على إسرائيل البقاء على أهبة الاستعداد لاحتمالات رد إيراني على مقتل العالم النووي، محسن فخري زاده، وسط تخوف من أن تبقى إسرائيل وحيدة في مواجهة إيران».

هذه واحدة من أبرز التوصيات الأمنية التي وجهت إلى متخذي القرارات في إسرائيل، بعد أن دخلت إسرائيل، منذ اليوم الأول من الإعلان عن وقوفها خلف عملية الاغتيال ومن ثم التهديدات الإيرانية بالانتقام، إلى أقصى درجات الاستعدادات الأمنية في مختلف مناطق الحدود، الجنوبية، الشرقية والشمالية، وداخل إسرائيل، لتجد نفسها داخل غيتو، محاصرة من كل جبهة ومنطقة بالقوات القتالية والمراقبة والآليات العسكرية، بما في ذلك منظومات الدفاع الصاروخي مثل «القبة الحديدية» وغيرها.

هذا الوضع الذي تعيشه إٍسرائيل يأتي في ظل تقارير تشير إلى عدم جهوزية الجيش وقدرته على مواجهة التحديات المحدقة بها، خصوصا تجاه إيران وحزب الله. وحتى تجاه غزة ما زالت غير قادرة على القضاء على القدرات الصاروخية للتنظيمات الفلسطينية، التي تواصل تهديد بلدات الجنوب واستقرارها.

وفوق هذا كله، تعيش إسرائيل حالة طوارئ قصوى في أعقاب فشل مواجهة فيروس كورونا، والمتوقع أن تدخلها مرة ثانية إلى إغلاق كامل، خصوصا عشية الأعياد، مع توقعات موجة ثالثة من كورونا، على الرغم من وصول التطعيمات المضادة لهذا الفيروس.

هذا الوضع الأخير أدخل العديد من القوات العسكرية إلى حجر ولم يتمكن الجيش حتى من إجراء التدريبات العسكرية لقوات الاحتياط، التي تشكل قاعدة أساسية للمشاركة العسكرية في أية مواجهة متوقعة.

 

الجبهة الشمالية الأكثر خطورة

في موازاة الاحتياطات العسكرية التي اتخذتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، انشغلت الأجهزة الأمنية وأمنيون سابقون في بحث وضعية إسرائيل في حال نفذت إيران تهديداتها بالانتقام. وبحسب التقديرات الإسرائيلية فإن الرد قد يكون في الدرجة الأولى عند الحدود الشمالية، وتجاه سوريا، تحديدا. ثم الاحتمال باستهداف ممثليات وسفارات إسرائيلية في الخارج بما في ذلك شخصيات بارزة.

هذا الوضع والخطر المتصاعد من جهة إيران استدعى تحذير أمنيين إلى التحذير من عدم التعامل بمنتهى الجدية مع تهديدات إيران، خلافا لما كان عليه الوضع بعد اغتيالات سابقة لشخصيات إيرانية ومن حزب الله، تلتها تهديدات لم تخرج إلى حيز التنفيذ، ولو أن حزب الله نفذ تهديده بعد العملية التي نفذها الجيش الإسرائيلي منتصف يوليو (تموز) الأخير وقتل فيها ناشط من حزب الله. وكان أبرزها إطلاق النيران نحو قوة من الجيش الإسرائيلي ومحاولة تسلل خلية إلى منطقة «هار دوف». في حينه كان هناك رد إسرائيلي بقصف مناطق محاذية للحدود إلاّ أن العمليات انتهت في ذات اليوم.

لكن بعد اغتيال زاده، الوضع مختلف، وعندما تضطر إسرائيل إلى تحذير خبراء نوويين يعملون في مفاعل ديمونة ووضع حاويات اليورانيوم في حيفا في دائرة الخطر، فإن التوقعات الإسرائيلية بتنفيذ التهديدات هي أعلى بكثير عن السابق، وربما أيضا بعمليات ذات نوعية خاصة.

هذه التقديرات تثير القلق لدى إسرائيل، وفي آخر بحث لمعهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أشرف عليه أحد أبرز الباحثين في مجال الجيش والاستراتيجية والذي خدم سابقا في وحدة المظليين، غال فينكل، حذر من التساهل أمام وضعية إدارة التوتر «على نار هادئة»، وبحسب فينكل فإن الوضع هذه المرة «كفيل بأن يتطور إلى حرب، مع احتمال الضرر للتصعيد على الجبهة الشمالية، أضعاف ما يشكله ضرر حماس، مع صعوبة أن يؤدي الوضع بإسرائيل وحزب الله إلى عدم السيطرة على التطورات لتتحول إلى معركة واسعة قد تشمل مختلف الجبهات».

 

كورونا والأزمة السياسية عائقان أمام إسرائيل

في موازاة التحذيرات من خطر أي تصعيد قبل انتقال الإدارة الأميركية  من ترامب إلى الرئيس الجديد، جو بايدن، وبقاء إسرائيل وحيدة أمام إيران، ينذر الوضع الذي تعيشه إسرائيل في ظل أزمة كورونا والأزمة السياسية الداخلية بين رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وحليفه داخل الحكومة، بيني غانتس، بخطر كبير على إسرائيل في مقابل عدم قدرتها على التعامل مع عمليات نوعية لم تتوقعها.

هاتان الأزمتان جعلتا إسرائيل في وضع عدم استقرار مع تدهور اقتصادي خطير، لم تشهده إسرائيل منذ سنوات طويلة. وبمجمل الوضع تقف إسرائيل أمام صعوبات من أي تهديد ينفذ انتقاما لاغتيال زاده.

ولم يسقط الإسرائيليون من حساباتهم تنفيذ هجوم أميركي خلال الفترة الانتقالية على أهداف إيرانية في المنطقة، سواء كرد على هجوم ضد قواتها في العراق وفي شرق سوريا أو ضرب المشروع النووي، ومثل هذا الهجوم، وفق تقديرات الإسرائيليين، كفيل بأن يؤدي إلى رد إيراني ضد أهداف إسرائيلية، بواسطة «فروع إيران في المنطقة»، وفق تسمية الإسرائيليين.

هذا التوقيت في ظل وضعية إسرائيل الداخلية، عسكريا، وسياسيا، واقتصاديا، يضعف جهوزية جهاز الأمن. ويقول فينكل إن عدم المصادقة على الميزانية، بما في ذلك ميزانية الجيش، يشكل جانبا خطيرا جدا حيث لم تتقرر مشتريات الأجهزة والوسائل القتالية الجديدة ولم تقر الخطة متعددة السنين التي عرضها رئيس الأركان أفيف كوخافي «تنوفا».

وضمن التوصيات التي قدمت لمتخذي القرارات التجاوب مع رئيس الأركان بتنفيذ بعض بنود حيوية من خطة «تنوفا»، وإجراء المناورة متعددة المنظومات «سهم فتاك»، وتدريبات أخرى في الأشهر القريبة المقبلة.

 

الخطوط الحمراء أمام العودة إلى المشروع النووي

 بات الإسرائيليون على قناعة بأن اغتيال زاده لن يوقف المشروع النووي، وهذا جانب من الانتقادات التي وجهت لمتخذي القرار بتنفيذ هذا الاغتيال ومدى حاجته وضرورته. وتضع إسرائيل أمامها إمكانية استئناف إيران لتطوير مشروعها النووي العسكري، وهو أمر يرى فيه إسرائيليون ضرورة لأن تعود تل أبيب إلى وضع الخطوط الحمراء، وتمنع أي خطوة جديدة لتطوير المشروع، بمختلف السبل المتوفرة.

لكن هناك جهات أمنية وسياسية لها موقف مغاير، بتحذير من مدى قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات ضد أهداف إيرانية، بما في ذلك تكرار عمليات اغتيال علماء إيرانيين وشخصيات بارزة. فهناك من رأى أن القيادتين السياسية والعسكرية تعتقدان خطأ أنهما سينجحان في وجود شركاء إقليميين للصراع مع إيران في المنطقة، إلى جانب «عدم استعداد الولايات المتحدة لاستخدام مواردها العسكرية لحماية إسرائيل عندما تريد مواجهة تهديدات توجه ضدها، حيث إن الرغبة الأميركية بتقليص تدخلها العسكري ستبقى عاليةً حتى في ظل إدارة بايدن».

وتحذر هذه الجهات من خيبة أمل بأن تبقى إسرائيل وحدها في مواجهة إيران، في أعقاب ما اعتبره قياديون سياسيون وأمنيون بأن زاده بمثابة رسالة بأن إسرائيل هي صاحبة القرار والتنفيذ بكل ما يتعلق بمواجهة المشروع النووي.

وبحسب سيما شاين، التي عملت 17 عاما في وحدة الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية الإٍسرائيلية، فإن الواقع في إيران ينافي التقديرات بأن المعارضين للنظام هم اليد العليا وتقول «لا تبدو في السنة الأخيرة تغييرات في التوجهات الرئيسية التي تميز النشاط الإيراني. وعلى الرغم من الوضع الاقتصادي الصعب الذي تفاقم بسبب فيروس كورونا، فان إيران تواصل مراكمة يورانيوم مخصب، وتخصيب اليورانيوم والدفع قدماً بتشغيل أجهزة طرد مركزية متطورة. كل هذه الخطوات معاً تقلص وقت الانطلاق نحو قنبلة نووية، إذا قررت إيران السير في هذا المسار. وهي مصرّة، أيضا، على مواصلة ترسيخ هيمنتها في المنطقة».

وتدعو شاين متخذي القرارات في إسرائيل إلى إيجاد أفضل الطرق للتعامل مع الإدارة الأميركية الجديدة، وبشكل سري «لضمان استمرار التعاون النوعي بين الدولتين. من المرجح أنه ستكون واشنطن على استعداد للإصغاء ولكن بشرط أن تأتي تل أبيب إلى الحوار (نقية اليدين) دون نية بالعمل من خلف ظهرها».

 

نتنياهو وتغيير قواعد اللعب الداخلي

أمام كل هذه القضايا، خصوصا، ضعف الجيش الإسرائيلي، دخل نتنياهو إلى مرحلة جديدة من صراعه الداخلي على كرسي رئاسة الحكومة، بعد انسحاب الوزير جدعون ساعر، أحد الشخصيات البارزة والشعبية في حزب نتنياهو، وحتى كتابة هذه السطور، نجح في ضم وزير معه وشخصيات ذات مكانة هامة في الليكود.

الوضع الداخلي الجديد أوضح، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على قرار ساعر، تراجع شعبية نتنياهو وحصول ساعر على 17 مقعدا، بمعظمها على حساب نتنياهو، وهو أمر يتطلب من نتنياهو تغيير قواعد لعبته الداخلية في الحفاظ على كرسي رئاسة الحكومة.

تفاقم الأزمة السياسية الداخلية لنتنياهو ينعكس بشكل مباشر على المؤسستين الأمنية والعسكرية. الحكومة التي تعيش حالة شلل منذ أشهر طويلة ستدخل إلى مرحلة جديدة من الشلل تفقدها القدرة ليس فقط على مواجهة فيروس كورونا وتداعياته الاقتصادية على إسرائيل والإسرائيليين إنما أيضا على الوضع الأمني. فهي اليوم ليست في وضع تقدر معه على اتخاذ أي قرار، سواء كان سياسيا أو أمنيا وأي رد من إيران، في ظل هذا الوضع، من شأنه أن ينعكس على أي قرار يتخذ، سواء بالرد على إيران أو طبيعة الرد.

حاليا، وفي ظل تسارع الأحداث الداخلية في إسرائيل والحديث عن انتخابات رابعة أواسط مارس (آذار) المقبل، تبقي المؤسستان الأمنية والعسكرية في إسرائيل، في حالة تأهب واستعداد وهو ما يستنزف من قواهما ويساهم بشكل أكبر في إضعاف قدرتهما على مواجهة الرد الإيراني.