الاستحقاق النيابى في فنزويلا 2020

خطوة لحل الأزمة أم تعقيدها؟
* نتائج هذه الانتخابات تثير عدداً من التساؤلات بشأن مستقبل الأزمة الفنزويلية في ضوء التطورات الداخلية والدولية التي تواجهها الدولة
* لم تحظ انتخابات نيابية سابقة في جمهورية فنزويلا بكل هذا الاهتمام مثلما حظيت به هذه الانتخابات، وهو ما يجعلها الانتخابات الأهم في تاريخ الدولة
* الرهان الذي يمكن أن تستند إليه فنزويلا في علاقاتها مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس القادم جو بايدن يظل مرهوناً بحجم التغييرات التي يمكن أن يحدثها بايدن في السياسة الخارجية الأميركية خلال الفترة القادمة
* رفع العقوبات الأميركية عن فنزويلا لن يتم خلال الفترة الأولى من حكم بايدن وإنما من الممكن أن يبدأ بعد المائة يوم الأولى من توليه السلطة

باكو: لم تكن مصادفة أن يعيد حزب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو سيطرته على الجمعية الوطنية (البرلمان) البالغ عدد أعضائها 277 نائبا، بعدما كان العدد 165، وذلك في الانتخابات التي جرت في السادس من ديسمبر (كانون الأول) الجاري (2020)، بحصول التحالف الحزبي الداعم له على 67.7 في المائة من أصوات الناخبين المشاركين في هذه الانتخابات والبالغ عددهم 5.2 مليون ناخب، وذلك وفقا لما أعلنته أنديرا ألفونزو رئيسة المجلس الوطني الانتخابي (CNE)، إذ إنه في ضوء دعوات المقاطعة التي أطلقتها بعض أحزاب المعارضة الرئيسية والتى كانت قد سيطرت على البرلمان في انتخابات 2015، لم يكن أمام الناخبين الفنزويليين سوى التصويت لصالح التحالف الحزبى الذي يدعم الرئيس بهدف الخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية التي تواجهها البلاد منذ الانتخابات التشريعية السابقة التي أعطت للمعارض خوان غويدو صوتا للتحرك خارجيا بإعلان نفسه رئيسا للبلاد لتعترف به ما يقرب من خمسين دولة من بينها الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنه لم يستطع أن يحرك ساكنا على الأرض رغم كل المحاولات الدؤوبة التي قام بها مدعوما من الخارج. 
ولا شك أن نتائج هذه الانتخابات تثير عددا من التساؤلات بشأن مستقبل الأزمة الفنزويلية في ضوء التطورات الداخلية والدولية التي تواجهها الدولة، ومن بين تلك التساؤلات: 
هل يمكن أن تمثل نتائج الانتخابات نقطة البداية في حلحلة الأزمة السياسية وتداعياتها الاقتصادية على الأوضاع في فنزويلا؟ 
وما ردود الفعل الدولية المؤيدة والمعارضة لهذه الانتخابات؟ 
وإلى أى مدى يمكن أن تتمكن المعارضة من التصعيد بعد فشلها، سواء قبل الانتخابات أو خلالها، مع فشل دعواتها للمقاطعة؟ 
وفي إطار الإجابة على هذه التساؤلات، يستعرض التقرير 3 محاور على النحو الآتي: 

 




الناشط المعارض خوسيه جريجوريو فيلغاس يتحدث إلى الناس وهو يذهب من باب إلى باب كجزء من "الاستشارة الشعبية" للمعارضة ، في حي لوس ماجالانيس ، في كاراكاس ، في 10 ديسمبر 2020 (غيتي)


 
أولا: الانتخابات البرلمانية في فنزويلا... أهميتها وضمانات شفافيتها 
لم تحظ انتخابات نيابية سابقة في جمهورية فنزويلا بكل هذا الاهتمام مثلما حظيت به هذه الانتخابات، وهو ما يجعلها الانتخابات الأهم في تاريخ الدولة، ويرجع ذلك إلى عاملين مهمين: الأول،يتعلق بالأوضاع الداخلية التي تعيشها فنزويلا، إذ إن إجراء هذه الانتخابات يأتي في ظل أزمة طاحنة تواجهها البلاد إما نتيجة للعقوبات الأميركية والغربية المفروضة على فنزويلا منذ ما يقرب من ثلاث سنوات أو نتيجة لتفشي أزمة فيروس كورونا المستجد، وما ترتب على كل منهما من تداعيات تركت تأثيراتها على مختلف مناحي الحياة؛ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بل وأمنيا كذلك في ضوء الاعتداءات التي استهدفت الرئيس والحكومة والتي كان من بينها محاولات الاغتيال التي هددت حياة الرئيس، فضلا عن القيام بعدة محاولات للانقلاب.ولذا، مثلت هذه الانتخابات نقطة تحول مهمة في مسار الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد بعد فشل كافة جهود واشنطن والغرب في الإطاحة بالرئيس مادورو عبر صنع معارضة يتزعمها خوان غوايدو، إذ أخفقت كل هذه الجهود في تحقيق أي خرق في الداخل الفنزويلي، بل أصبح غوايدو الآن خارج المشهد، يدلل على ذلك أنه خلافاً لما يشاع عبر العديد من وسائل الإعلام، فإن عدداً محدوداً من أحزاب المعارضة هي التي قاطعت هذه الانتخابات في حين شارك فيها أكثر من 14 ألف مرشح من 107 منظمات وأحزاب سياسية، 98 منها تم تصنيفها على أنها معارضة. ورغم ذلك، استبقت الولايات المتحدة الانتخابات بالحديث عن تزوير، وهو ما يظهر أهمية هذا الاستحقاق، وخصوصاً بعد تطورات بوليفيا وعودة الزعيم إيفو موراليس إلى البلاد، بعدما جاءت نتائج الانتخابات لصالح حزبه، واللافت حضور موراليس إلى فنزويلا اليوم على رأس فريق للمراقبة. 
أما العامل الثاني، فيرتبط بتزامن هذه الانتخابات مع الانتخابات الرئاسية الأميركية والتي نجح فيها جو بايدن وهزيمة دونالد ترامب. وهو ما لا يمكن إغفاله في ارتباط ما أفرزته الانتخابات الأميركية من تأثيرات بشأن أزمة فنزويلا، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار مواقف الرئيس المنتخب بايدن بشأن تلك الأزمة والتى أطلقها خلال حملته الانتخابية والتي أعطت إشارات متناقضة حول مستقبل العلاقات الأميركية الفنزويلية، في ضوء دخول الأزمة الفنزويلية منعطفا جديدا دستوريا مع فقدان غوايدو لحجته الدستورية في ظل وجود جمعية وطنية جديدة أفقدته ورجاله السند الشرعي في استمراره كممثل للإرادة الشعبية التي توجهت إلى اختيار برلمان جديد، وهو ما يستوجب من الرئيس الأميركي الجديد أن يعيد النظر في كثير من السياسات حيال فنزويلا. 
في ضوء هذين العاملين، اكتسبت هذه الانتخابات اهتماما كبيرا من جانب الرئيس الفنزويلي وأجهزته الحاكمة، سعيا لإنهاء الأزمة التي تعيشها البلاد بما يستنزف اقتصادها ومقدراتها ويعرضها لمزيد من الضغوط الدولية والإقليمية التي تهدد وحدة الدولة الوطنية. ولذا فقد حرصت الدولة على اتخاذ حزمة من الضمانات الهادفة إلى إجراء انتخابات تخرج البلاد من أزمتها، ومن أبرز هذه الضمانات ما يأتي: 

  1. ضمانات فنية،إذ وافق المجلس الانتخابي الوطني على إنشاء نظام آلي للضمانات الانتخابية، من أجل تسهيل حركة المرشحين وأدائهم. وقد تم إجراء تجربتين على هذا النظام حتى يتمكن المواطنون من التعرف على كيفية استخدامه. الاولى، جرت في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، حيث تم اختيار 381 مركز اقتراع وتوزيعها في جميع أنحاء البلاد، وتتكون من 110 طاولات تجريبية و835 طاولة غير تجريبية، ليصبح المجموع 945 طاولة اقتراع تنشر فيها 1000 آلة اقتراع على مستوى البلاد. الثانية جرت في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 في 381 نقطة من البلاد أيضا. ويذكر أنه بمجرد الانتهاء من تدقيق هذا النظام، شرع المجلس الانتخابي الوطني، في إطار التدريبات الوطنية للتصويت، في نشر آلة التصويت، وتدقيقها وتوحيدها واعتمادها من قبل الخبراء، ومن قبل المراقبين الدوليين والأحزاب السياسية.
  2. ضمانات أمنية، إذ تم اتخاذ مجموعة من الإجراءات الكفيلة بضمان العملية الانتخابية منعا لوقوع مشاجرات وأعمال عنف، وفي هذا الخصوص، تم الاتفاق بين المجلس الوطني الانتخابي وكل من وزارة القوة الشعبية للدفاع وقيادة العمليات الاستراتيجية للقوات المسلحة الوطنية البوليفارية على جاهزية الخطة الوطنية لضمان الأمن في كافة اللجان الانتخابية وخارجها.  
  3. ضمانات سياسية، لم يقتصر الأمر على الجوانب الفنية والأمنية فحسب، بل حظيت الضمانات السياسية باهتمام الرئيس مادورو شخصيا، فأقدم على خطوة حرص خلالها على تأكيد تواصله المستمر مع المواطنين، إذ إنها للمرة الأولى يضع الرئيس رقم هاتفه للتواصل مع شعبه مباشرة، فكما جاء في تغريدة للرئيس مادورو في بيان عبر حسابه على "تويتر"، قال فيها: «إنني سأنخرط منذ اليوم في النضال من أجل الحقيقة عن فنزويلا وشعبنا من خلال واتساب وتليغرام... يأتي مادورو إلى واتساب... مادورو يأتي إلى تليغرام...ها هو هاتفي، 04262168871، ضموني إلى مجموعاتكم». كما تأكدت هذه الضمانات مع تصريحه الذي كان قاطعا بشأن ما ستفرزه الانتخابات وضرورة احترام نتائجها، إذ أكد أنه: «إذا فازت المعارضة، سأتنحى عن منصبي كرئيس...وإن مصيري في أيدي الفنزويليين».

 
ثانيا- نتائج الانتخابات وردود الفعل
شهدت الانتخابات النيابية الفنزويلية ردود فعل متباينة؛ ما بين مؤيد لما أفرزته تلك العملية من نتائج، وهو ما عبرت عنه الدول التي شاركت بوفود لمراقبة هذه الانتخابات، من بينها روسيا كما عبرت عن ذلك المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بقولها:«ننطلق من أن تصبح الجمعية الوطنية منصة شاملة التمثيل للحوار البناء بين جميع القوى السياسية حول التصدي للتحديات الماثلة أمام البلاد وتجاوز الخلافات في المجتمع الفنزويلي عن طريق التفاوض»، داعية المجتمع الدولي إلى دعم «الجمعية الوطنية المنتخبة بصورة شرعية». على الجانب الآخر، رفض الاتحاد الأوروبي الاعتراف بنتائج هذه الانتخابات بحجة أنها: «افتقدت للحد الأدنى من المعايير الدولية»،كما عبر عن ذلك جوزيب بوريل الممثل السامي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي، في بيان صدر نيابة عن الأعضاء الـ27  بقوله: «إن الاقتراع فشل في الوفاء بالحد الأدنى من المعايير الدولية... وإن عدم احترام التعددية السياسية واستبعاد ومحاكمة زعماء المعارضة لا تسمح للاتحاد الأوروبي بالاعتراف بهذه العملية الانتخابية على أنها ذات مصداقية وشاملة وشفافة ونتائجها تمثل إرادة الشعب الفنزويلي». وفى السياق ذاته جاء رد الفعل الأميركي على لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو بقوله: «إن نتائج الانتخابات البرلمانية في فنزويلا، لن تعكس إرادة شعب البلاد بسبب التزوير»، وهو ما كان موضع رد سريع من وزير الخارجية الفنزويلي بقوله: «وزير الخارجية بومبيو، اقبل الحقيقة بهدوء وتواضع... لقد عانيت في فنزويلا من فشل كامل.. نأمل أن تعود الدبلوماسية قريبا إلى وزارة الخارجية والبيت الأبيض».

 




امرأة مسنة تغادربعد التصويت في المدرسة التجريبية فنزويلا في وسط مدينة كاراكاس ، في 6 ديسمبر 2020 خلال الانتخابات التشريعية الفنزويلية (غيتي)
 

 


 
ثالثا: فنزويلا والعقوبات ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية 
كثيرا ما يثار التساؤل: ما مستقبل العلاقات الفنزويلية الأميركية بعد الانتخابات الرئاسية، وفوز جو بايدن وخسارة دونالد ترامب الذي فرض عقوبات على فنزويلا منذ أبريل (نيسان) 2019؟ وفي إطار الإجابة على هذا التساؤل يبرز توجهان:الأول،يرى أن ثمة تعديلا يمكن أن يطرأ على الموقف الأميركي من العقوبات المفروضة على فنزويلا، وذلك في ضوء التحولات المتوقعة للسياسة الخارجية الأميركية ما بعد ترامب، خاصة في ظل الخطاب التعاوني الذي رفعه جو بايدن خلال مرحلة الانتخابات، وهو ما عبر عنه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في تهنئته للرئيس جو بايدن ونائبته كامالا هاريس، وذلك بقوله: «هزيمة دونالد ترامب مدفوعة بالأمل في التغيير للأغلبية الأميركية التي لا تريد تغييرات على المستوى الوطني فحسب، بل على المستوى الدولي أيضًا.وأن ترامب ترك حقل ألغام بين البلدين، وأننا سنعمل، على أمل، لاستئناف قنوات الحوار اللائقة والصادقة والمباشرة بين الحكومة المستقبلية لجو بايدن والحكومة الشرعية والدستورية في فنزويلا التي أترأسها». 
أما التوجه الثاني، فيرى أن التغيير المتوقع في السياسة الأميركية تجاه فنزويلا لن يكون جوهريا، في ضوء الخبرة السابقة خلال فترة باراك أوباما إذ لم يحدث جديد، وهو ما حذر منه الرئيس الفنزويلي أيضا حينما أشار إلى أن: «انتصار الرئيس السابق باراك أوباما في عام 2009 لم يكن يعني أي أهمية، لأن كل شيء في العالم ظل على حاله... حكم باراك أوباما لمدة ثماني سنوات ولم يكن هناك تغيير كبير في الولايات المتحدة، استمروا في طرد اللاتينيين، وميزوا ضد السود، واستمر الفقر في النمو»، بل أراد الرئيس مادورو أن يؤكد على هذا الموقف بشكل صريح من خلال إشارته إلى: «قيام الرئيس السابق أوباما بقصف ليبيا أو نشر الحرب الإرهابية في سوريا». 
في ضوء هذين التوجهين يمكن القول إن الرهان الذي يمكن أن تستند إليه فنزويلا في علاقاتها مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس القادم جو بايدن يظل مرهونا بحجم التغييرات التي يمكن أن يحدثها بايدن في السياسة الخارجية الأميركية خلال الفترة القادمة، مع الأخذ في الحسبان تأخير إمكانية حدوث مثل هذا التغير في ضوء حجم التحديات التي يواجهها بايدن داخليا سواء بسبب سياسات سلفه ترامب أو بسبب عودة جائحة فيروس كورونا وتداعياتها المتفاقمة على الأوضاع في الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل التحول أو رفع العقوبات الأميركية عن فنزويلا لن يتم خلال الفترة الأولى من حكم بايدن وإنما من الممكن أن يبدأ ما بعد المائة يوم الأولى من توليه السلطة. 
خلاصة القول إن ما أفرزته الانتخابات البرلمانية من نتائج يضع فنزويلا أمام مسارين: الأول، استعادة الدولة السيطرة على أجهزتها ومؤسساتها كافة، واستكمال مسيرتها التنموية بعد حل أزمتها السياسية وفقا للمسار الذي نادى به مادورو والمتعلق بإطلاق حوار سياسي واسع يعقب هذه الانتخابات تشارك فيه المعارضة غير البرلمانية التي رفضت المشاركة في الانتخابات العامة، وهو ما جاء على لسانه صراحة بقوله: «أتفق مع فكرة رئيس وزراء إسبانيا السابق خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، تنظيم حوار وطني بمشاركة جميع الأحزاب السياسية في فنزويلا المشاركة وغير المشاركة في الانتخابات، بحضور ممثلين عن جميع قطاعات الاقتصاد والمجتمع لتقييم الأجندة الوطنية والاقتصادية». 
أما المسار الثاني، فهو تفاقم الأوضاع وتصعيدها في ظل الرفض من جانب بعض أحزاب المعارضة المدعومة من الغرب والولايات المتحدة لأية حوارات سياسية مع الدولة، وهو ما قد ينذر بدخول البلاد في أتون صراع داخلي، خاصة في ظل لجوء هذه المعارضة إلى محاولات للتصفية الجسدية على غرار ما أعلنه الرئيس مادورو من تعرضه لمخطط اغتيال يوم الانتخابات وذلك بقوله: «لقد غيّرت مركز الاقتراع، لأن المعلومات المتعلقة بالتحضير لاغتيالي جاءت من مصدر موثوق به في المخابرات الكولومبية»، متهما رئيس كولومبيا بالوقوف خلف محاولة اغتياله.  
وغني عن القول إن المسار الأول هو المسار الأصلح للحفاظ على الدولة الفنزويلية في مواجهة التهديدات الداخلية والتحديات الخارجية، وما يتطلبه ذلك من ضرورة التوصل إلى مقاربات جديدة تعيد ترتيب الأوضاع داخل فنزويلا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا حفاظا على التلاحم الوطني الذي برز في هذه الانتخابات دعما للدولة ورفضا لدعوات الهدم.