غضب اللبنانيين المشتت

* للأسف، الموضوعية في لبنان مفقودة وهو ما يمنع طرح السؤال الأساسي الذي من دونه سيكرر التاريخ أخطاءه ويبقى اللبنانيون أسرى أزمات تتوالى عليهم وعلى أبنائهم
 

اللبنانيون غاضبون مما آلت إليه أحوالهم. لا قعر للهاوية التي يهوون فيها. سقوطهم كبير. قبل بضعة أعوام كان اللبناني يفتخر بجودة السهر التي تميزه عن غيره، ليس فقط في المنطقة إنما في العالم، هكذا كتبت «نيويورك تايمز»يومها. ثم بنوعية العلم التي يقدمها لأبناء المنطقة، من خلال مؤسسات تربوية عمرها في لبنان أكثر من قرن، وكان اللبناني يفتخر أيضا بالخدمات الطبية للتي لا تضاهيها خدمة في الجوار، وبقطاع مصرفي متين وصلب لا يهتز مهما صعبت الأحوال السياسية. فجأة تلاشى كل شيء. واكتشف اللبناني أنه كان يعيش وهما، وأن اقتصاده لم يكن ليسمح له بأن يتمتع بتلك البحبوحة المصطنعة والممكنة بفضل تبييض العملة بشكل أساسي، إضافة إلى الأموال الخليجية التي كانت تأتي من سياحة أبنائه الأثرياء أو من هبات حكوماتهم. وبفضل ذلك الوهم استطاع كل بيت في لبنان تقريبا أن يأتي بعاملة منزل ليس بسبب الحاجة، وأغلب البيوت التي سكنتها تلك المسكينات لم تكن عندها غرفة نوم، إنما بسبب القدرة المصطنعة من جراء تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار. بفضل ذلك الوهم انتشرت تجارة السيارات الفاخرة التي كانت تملأ شوارع البلد، وتصطف أمام المطاعم والملاهي الليلية الممتلئة عن بكرة أبيها والتي بات حجز طاولة فيها يحتاج إلى واسطة من أهل الوساطات. هذا البذخ كان قائما على وهم ودام «لمحبي الحياة الفارهة»أي اغلبية اللبنانيين حتى انفجرت الأزمات الواحدة تلو الأخرى.
اللبنانيون اليوم غاضبون، لأن هذا الوهم انتهى، فأموال البعض منهم اختفت وتبخرت، أما القدرة الشرائية لدى معظمهم فتدنت بشكل كبير، وافتقدت المحال التجارية والفنادق والمطاعم والمقاهي الليلية معظم روادها.
محبو الحياة أصبحوا غاضبين. البعض منهم يحمل حزب الله مسؤولية تدهور أوضاعهم، والبعض الآخر يحمل الرئيس عون وصهره تبعات الأزمة ثم هناك من يتهم سياسات الحريري الأب الاقتصادية وحزب المصارف بإيصال لبنان الى القعر. قد يكون في كل ذلك جزء من الحقيقة ولكن لا تسليم سلاح حزب الله للدولة اللبنانية ولا استقالة عون، أو محاكمة عهود الحريرية السياسية قد تحل مشكلتنا، طالما أن مقاربة الأزمة اللبنانية من قبل الغاضبين اللبنانيين حتى الساعة تقوم على مقياس طائفي. فأغلبية الشيعة مثلا لا يرون في حزب الله وسلاحه مشكلة، كما أن الوضع عند أغلبية الموارنة الذين يضعون حول عون خطوطا حمراء. الخوض في نقاش سياسات الحريري الأب الاقتصادية يعتبر تهجما على الطائفة السنية برمتها. تشخيص مشكلة لبنان في هذه الحالة صعب جدا ويستعصي معها إيجاد أي حل.
للأسف، الموضوعية في لبنان مفقودة وهو ما يمنع طرح السؤال الأساسي الذي من دونه سيكرر التاريخ أخطاءه ويبقى اللبنانيون أسرى أزمات تتوالى عليهم وعلى أبنائهم.  كيف لحزب أن يصبح أكبر وأقوى من دولة؟ كيف لرجل خاض حروبا خاسرة ودمر نسيج مجتمعه وتحالف مع أحزاب إرهابية وفاسدة أن يصبح زعيما ورئيسا للبلد؟ ثم كيف لمشاريع اقتصادية تفوح منها رائحة الفساد الكريهة أن تقوم وتستمر على مدى عقود من دون اعتراض أحد؟ كيف يمكن لسلاح فلسطيني أن يشعل البلد حربا أهلية ويقوض استقلاله ويجلب اجتياحا تلو الآخر على أبنائه؟ كيف لرئيس عربي مهما كبر حجمه أن يعطي موافقته لانتخاب شهاب رئيسا للبنان؟ كيف لحرب أهلية أن تنتهي من دون أن تعرف أسباب اندلاعها أو حتى أسباب انتهائها؟ من أجل ماذا قتل أكثر من 200 ألف لبناني؟ لأي سبب ذهبت حياتهم هدرا؟
هذه ليست أسئلة عابرة. هذه أسئلة بحاجة إلى أجوبة ملحة ليستطاع أن يبنى على الشيء مقتضاه. ربما لبنان ليس رسالة أو واحة تلاقٍ. ربما هذا النظام الطائفي فاشل وظالم ومعيب في قرننا الحالي. ربما قوانين الأحوال الشخصية في البلد رجعية. ربما السياسات الاقتصادية التي مارستها الطبقة الحاكمة منذ إعلان دولة لبنان الكبير بحاجة ماسة إلى تعديل وتغيير.
هناك شياطين كثيرة في عقول اللبنانيين إن لم يواجهوها فلن يستطيعوا بناء دولة مستقرة وآمنة ومزدهرة.
صحيح أن اللبنانيين غاضبون ولكنهم حتى في غضبهم منقسمون على بعضهم البعض. وهذا نذير شؤم.