معاناة واحدة في بلدين​

* يحصل في البلدين أن تمضي ساعات وأيام تبحث عن حبة دواء أو علبة حليب لطفلك، ويحصل في البلدين أيضا أن تسمع النظام المسيطر عليهما وأدواته يتحدثون عن أن كرامة الممانعة أهم من رغيف الخبز

«شعب واحد في بلدين»، شعار يظن الكثيرون أن صاحبه هو رئيس النظام السوري السابق حافظ الأسد، بينما في الحقيقة أول من أطلقه هو الصحافي والسياسي السوري الراحل نجيب الريس، حينما كانت سوريا ولبنان على أبواب الاستقلال.
يكره اللبنانيون هذا الشعار، يذكرهم بحقبة الاحتلال السوري وهيمنة حافظ الأسد، ومن بعده ابنه بشار، على لبنان، ومصادرتهم للحياة السياسية فيه بذريعة«وحدة المسار والمصير».
ولكن كره الشعار لوحده ليس كافيا لنفي حقيقته، وخصوصا أن العلاقة بين البلدين منذ الاستقلال إلى اليوم لم تكن يوما بين دولتين، شابها الكثير من الخلافات بُعيد الاستقلال، كما عاشت بعض الصفحات القليلة الطبيعية إن جاز التعبير، لفترة قصيرة جدا. فسوريا هيمنت عليها الانقلابات العسكرية، ولبنان كان يعيش حروبا وصراعات داخلية، وانتهى حال البلدين بهيمنة نظام الأسد على القرار فيهما والحياة السياسية، فكان يقال إن الأسد الأب لم يكن ليتمكن من تثبيت حكمه في سوريا لولا دخوله العسكري إلى لبنان.
رحل الأسد الأب وجاء الابن وارتكب ما ارتكب من جرائم في لبنان كما يفعل يوميا في سوريا، فأُخرج وجيشه من لبنان صاغرا لرغبة اللبنانيين أولا، وللضغوطات الدولية ثانيا. ولكن وحتى بعد قيام علاقات دبلوماسية بين البلدين لأول مرة منذ استقلالهما، لم تأخذ العلاقة شكل علاقة بين دولتين، بل بقيت علاقة بين نظام الأسد ومريديه في لبنان.
اليوم، وبعد أكثر من سبعين عاما على الاستقلالين، وبعد أكثر من 15 عاما على خروج الجيش السوري من لبنان وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، لا يزال شعار حافظ الأسد «وحدة المسار والمصير»بكل ما يحمله من مآسٍ لهذا المصير، هو الشعار الأصدق لوصف ما يعيشه الشعبان، هي معاناة واحدة في بلدين.
فسوريا التي ترزح تحت حكم الأسد الابن وبعد أن قتل مئات الآلاف من السوريين وهجر أكثر من نصف السوريين من منازلهم خارج سوريا وداخلها، ها هم اليوم من بقي من أهلها يعاني من الجوع والفقر، المازوت بالبطاقة، والغاز والبنزين وجميع الأساسيات بالبطاقة، أما الخبز فحدث ولا حرج عن الطوابير التي تنتظر أمام الأفران لساعات وساعات لتحصل على ربطة خبز قد تكون هي طعام العائلة ليوم كامل أو يومين. وحده الشعب يعاني، وإن كان نظام الأسد يلقي بمسؤولية معاناة السوريين على قانون قيصر والعقوبات المفروضة عليه بسبب جرائمه، إلا أن الحقيقة أن معاناة الشعب الحقيقي هي هذا النظام.
في لبنان أيضا يعدون الأكثر فقرا ببطاقة لتأمين حاجياتهم الأساسية بعد رفع الدعم عن السلع الأساسية، والسلع الأساسية ستكون بالأغلب هي نفسها سلع «بطاقة التكافل»السورية، فالشعبان وصلا إلى مصير واحد، الجوع والعوز والفقر، والآتي أعظم.
ليس فقط الانهيار المالي والاقتصادي هو المشترك، بل أيضا فشل وجود مشروع معارضة جدية ذات رؤيا واستراتيجية أيضا مشترك.
في سوريا قامت ثورة ليس ضد الفساد الذي هو من الأركان الأساسية لنظام الأسدين فقط، بل ايضا من أجل الحرية والعدالة، ولكن بينما كان الشعب يثور ويدفع أغلى الأثمان من أجل قيام دولة عادلة، كانت المعارضة تلهو بصغائر الأمور، ولم يكن لديها أي خطة لمشروع أبعد من قاعة اجتماعاتها، إلا إن تحولت كما نراها اليوم، مجموعات متناحرة كل منها يتبع جهازا ما في دولة ما.
في لبنان عندما نزل أول مرة مئات الآلاف في 14 مارس (آذار)، فحققوا غايتهم بخروج الجيش السوري والمحكمة الدولية، ولكن لم يكن ببال القيادات وحسبانهم أبعد من ذلك، التهوا بحساباتهم المناطقية والطائفية والشخصية، فكان لإيران ما أرادت، وحلت ميليشيا حزب الله اللبنانية الهوية إيرانية الهوى مكان النظام السوري وأكثر.
وعندما نزلوا مرة ثانية، رفض أغلبيتهم رفع شعارات سياسية، مؤكدين أن انتفاضتهم في 17 أكتوبر (تشرين الأول) هي بحت مطلبية، فلم ينالوا أيا من مطالبهم، وتم اختراقهم بمجموعات كل غايتها تحقيق أهداف حزب الله.
يحصل في البلدين أن تمضي ساعات وأيام تبحث عن حبة دواء أو علبة حليب لطفلك، ويحصل في البلدين أيضا أن تسمع النظام المسيطر عليهما وأدواته يتحدثون عن أن كرامة الممانعة أهم من رغيف الخبز، ولكن ما لا يحصل في البلدين هو أن تسمع مشروعا بديلا بعيدا عن الشعارات، وكأن ما ينقصنا بعد سبعين عاما وأكثر هو المزيد من الشعارات.
عندما سئل الراحل رياض نجيب الريس في أحد اللقاءات الإعلامية: هل أنت لبناني أم سوري؟ أجاب: «أنا أولاً وأخيراً سوري ولا يمكنني الخروج من هويتي، ودائماً كانت سوريتي تقمع لبنانيتي مع أنني أرى في نفسي نموذجاً مثالياً لمقولة: شعب واحد في بلدين».
يخطر ببالي مؤخرا كثيرا هذا الجواب، وإن كان الريس رأى في نفسه نموذجا لـ«شعب واحد في بلدين»، فأنا أرى نفسي أكثر وأكثر نموذجا لـ«معاناة واحدة في بلدين»، القاسم المشترك بينهما هو أن قرارهما ومصيرهما بات مرتبطا بالكامل بالجمهورية الإسلامية في إيران، والتي ومنذ اللحظة الأولى لقيامها كان مشروعها ولا يزال التوسع في المنطقة والسيطرة على دولها، وإن كان العالم ينشغل بملفها النووي، فما يشغلنا هو كيف تكف شرها عنا لنحيا.