خيارات إيران المريرة بعد اغتيال فخري زاده

* النظام الإيراني أكثر اختراقًا وهشاشةً من أن يرد. فهو لم يرد على اغتيال سليماني ولا على الاعتداءات الأخرى العديدة التي تعرض لها على مدار عام 2020
* مهما كان ما ستفعله إيران، فإن خياراتها محدودة، وجميعها تبدو ضعيفة وغير فعَّالة. والنظام الإيراني مُعَرَّض لمزيد من الخسارة

بعد اغتيال أكبر عالم نووي إيراني محسن فخري زاده الأسبوع الماضي، يتساءل كثيرون عما إذا كانت إيران ستنتقم، مع الوضع في الاعتبار الاعتداءات والحوادث الأمنية الأخرى التي استهدفت إيران على مدار هذا العام، بدءًا من اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في العراق في يناير (كانون الثاني)، مرورًا بالحوادث والهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت أمنية ونووية إيرانية. 
يأتي الحادث في توقيت ذي حساسية أيضًا، حيث تستعد إدارة ترامب للرحيل، وتتجهز إدارة بايدن لتولي زمام الأمور، بعد أقل من شهرين، ويأمل النظام الإيراني في أنها قد تستكمل المفاوضات من أجل الوصول إلى اتفاق نووي آخر.
يُعد فخري زاده أحد العقول المدبرة لبرنامج إيران النووي. وفي أبريل (نيسان) عام 2018، ذكره نتنياهو بالاسم عندما كشف عن أرشيف نووي قال إن عملاء الموساد حصلوا عليه من طهران. أثارت عملية اغتيال فخري زاده عددًا كبيرًا من التصريحات النارية التي ربما تترجم إلى أفعال، ولكن بالنظر إلى التوقيت وإمكانيات إيران، ربما تكون هذه التصريحات هي كل ما تستطيع إيران أن تقدمه.
 
تهديدات وظروف
وصف وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف حادث الاغتيال بالعمل «الجبان»وأشار إلى دور إسرائيلي. وأصدر رئيس قوات الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي بيانًا وصف فيه الحادث بـ«العملية الإرهابية». وقال علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي للشؤون الدولية، في بيان: «إن الأمة الإيرانية سوف تثأر لدم الشهيد العظيم من العناصر الإرهابية وداعميها».وحذر رئيس أركان الجيش الإيراني اللواء محمد باقري من «انتقام شديد»ضد «قتلة»فخري زاده، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء الحكومية (إرنا).
كما أدان حزب الله اللبناني عملية الاغتيال. وقال نعيم قاسم، نائب حسن نصر الله، إن عملاء الولايات المتحدة وإسرائيل وراء حادث الاغتيال. وأضاف في لقاء مع قناة «المنار»التلفزيونية المملوكة لحزب الله: «ندين هذا العمل الآثم، ونرى أن الرد على هذه الجريمة هو بيد المعنيين في إيران. ونحن لن تهزنا الاغتيالات».
وعلى الرغم من كل التهديدات والوعود للانتقام لفخري زاده، بات واضحًا أن النظام الإيراني أكثر اختراقًا وهشاشةً من أن يرد. فهو لم يصدر ردًا على اغتيال سليماني ولا على الاعتداءات الأخرى العديدة التي تعرض لها على مدار عام 2020. 
إن جميع الخيارات أمام النظام مريرة؛ يرد ويبدأ صراعًا قد يزيد من إضعافه، ويضر بمواقفه قبل احتمالية العودة إلى محادثات مع إدارة بايدن، أم لا يرد ويتعرض لمزيد من الإذلال وتراجع صورته بين قاعدة مؤيديه داخل إيران وفي المنطقة؟
على الرغم من عدم توفر دليل على من يقف خلف عملية الاغتيال، تشير التقارير إلى تورط إسرائيل، لاسيما وأن إسرائيل كانت خلف عمليات اغتيال مشابهة لأربعة علماء إيرانيين آخرين فيما بين عامي 2010 و2012. ولكن إذا قررت إيران الرد، قد يؤدي الأمر إلى اندلاع حرب إقليمية تجتاح إيران والعراق وسوريا ولبنان، حيث إن دور إيران في هذه البلدان قد تطور وتضاعف، بالإضافة إلى استهداف الهجمات الإسرائيلية لمنشآت وأفراد إيرانيين. في مثل تلك الحرب، سوف تخاطر إيران بخسارة أكبر مما خسرته بالفعل، والفكر البراغماتي الإيراني يدرك هذه المخاطر خاصة في إطار الأزمة المالية والتأثير شديد الصعوبة لجائحة كوفيد-19 على قطاعي الصحة والاقتصاد الإيرانيين.
إن أكثر ما يقلق النظام الإيراني هو احتمالية زيادة الاعتداءات على منشآته وأصوله في أثناء الفترة الانتقالية؛ أي قبل تنصيب جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة.
 
انقسامات داخلية وسيناريوهات
بعد كل ما سبق، لا يملك النظام الإيراني موقفًا موحدًا أو متماسكًا تجاه خيارات الرد، وقيادته منقسمة حول النهج الذي يحتاج النظام إلى تبنيه فيما يخص المحادثات المستقبلية المحتملة مع الإدارة الأميركية الجديدة. أحد العوامل الرئيسية هي علاقات بايدن الوثيقة بإسرائيل، واحتمالية التطرق إلى الأنشطة الإرهابية لإيران في المنطقة- من الميليشيات وحتى الهيمنة الإقليمية- في أثناء المفاوضات. بالإضافة إلى ذلك، يبدو فريق بايدن المختص بالسياسة الخارجية أكثر دراية بمطامع إيران الإقليمية من فريق أوباما، وأكثر إصرارًا على احتوائها.
إذا وضعنا كل ذلك في الاعتبار، سيكون أكثر سيناريو محتمل لإيران في الوقت الحالي هو عدم فعل أي شيء، والأمل في جعل إدارة بايدن تبدأ مفاوضات من دون تأخير، ومن دون شروط إضافية. ولكن هذا السيناريو مرير هو الآخر. وقد يؤدي عدم فعل أي شيء- وتحديدًا في أثناء الأزمات- إلى نتائج عكسية، ويجرد إيران من أوراق مساومة تحتاج إليها بشدة. قد يؤدي ذلك إلى مزيد من الشقاقات والانقسامات داخل بنية النظام أيضًا، حيث يشعر المتشددون بدافع أقوى للانتقام، في حين يرغب آخرون في إعطاء فرصة للطرق الدبلوماسية.
وبالتطلع إلى المستقبل، في ظل غياب القدرة على الانتقام، لم تخسر إيران ورقة مساومة كبرى فحسب، بل ستفتح الباب أيضًا أمام احتمالية وقوع مزيد من الاغتيالات والاعتداءات ضد قواتها في جميع أنحاء المنطقة. ولكن الخسارة الأهم في تلك الحسابات في أثناء هذه الفترة الحرجة هي حقيقة عدم تعجل بايدن للبدء في المحادثات النووية. ربما تخضع آمال إيران في حل دبلوماسي لأزمتها المالية للاختبار، وقد تستنفد صبرها الاستراتيجي.
وعلى الرغم من أن بايدن صرح مرات عديدة بأنه سوف يسعى إلى إعادة نوع من الاتفاق النووي مع إيران، فإنه ذكر أن إطار اتفاق أوباما النووي لعام 2015 سيكون نقطة البدء في المفاوضات مع إيران، وليس الهدف النهائي. ومن المرجح أن يُشرك بايدن حلفاء إقليميين وأطرافا معنية أخرى في نسخة جديدة من اتفاق إيران ويزيد الضغوط عليها.
بالإضافة إلى ذلك، لدى بايدن أولويات أخرى يجب أن يعالجها أولًا، مثل الجائحة والصين وروسيا، وربما يستغرق ذلك منه وقتًا قبل التحول إلى إيران. وعندما يفعل، ربما يكون على الإيرانيين التسوية والمضي قدمًا، في حين أن أميركا ليس عليها ذلك. بايدن ليس أوباما، وإرثه ليس الاتفاق النووي. 
قد يستغرق الوصول إلى هذه النقطة عامين إن لم يكن أكثر. وفي الوقت ذاته، من المرجح أن يؤدي الاقتصاد والانقسامات الداخلية في إيران إلى مزيد من تدهور أنظمتها وإضعاف النظام الحاكم وعملائه.
مهما كان ما ستفعله إيران، فإن خياراتها محدودة، وجميعها تبدو ضعيفة وغير فعَّالة. بغض النظر عن مسار الأمور، إنه موقف خاسر في جميع الأحوال، والنظام الإيراني مُعَرَّض لمزيد من الخسارة.