هل الصناعة التركية تشكل خطرا على نظيرتها العربية؟

فقدان الندّيّة... ومنافسة ظالمة للصناعات الخفيفة والصغيرة والمتوسطة
* تركيا ليست دولة متقدمة، تصنع المفاعلات النووية أو تبتكر التقنية العالية، بل إنها تأتي لتنافس في الصناعات الخفيفة، أو الصناعات الصغيرة، أو المتوسطة، وكلها صناعات تحاول الدول العربية التوسع فيها، بل وتصديرها
قبيل مطلع الألفية، لم تكن تركيا سوى بلد منكبّ على ذاته، قليل الانخراط مع جيرانه العرب؛ باستثناء ما يخص الأمن القومي مثل اتفاقية أضنة مع سوريا (1998) والتنسيق بشأن إدارة الملف الكردي مع العراق وسوريا
الانخراط الإيجابي في شراكات محدّدة مع بيوت الصناعة التركية فيما يخص الصناعات الطبية- على سبيل المثال- هو ما يمكن أن يكون مثالًا معقولاً للتعاون. أما إدخال منتج تركي، وجعله ينافس نظيره المحلي فهو أقرب ما يكون إلى انتحار اقتصادي!

جدة: احترف صانع الأثاث السوري في غوطة دمشق الشرقية، أبو محمد، منذ الثمانينات صناعة غرف النوم والأثاث المنزلي، التي توارثها عن أجداده بحكم وفرة الأخشاب في المنطقة مع طاقة إنتاجية معقولة، تتوازن مع حركة الطلب والعرض. لكن تحولًا طرأ عام 2005 في سوريا عندما اجتاحت شركات الأثاث التركية، الأسواق السورية بأسعار لا طاقة لمنتجات الأثاث السورية على منافستها. وما إن حانت نهاية العقد الأول من الألفية؛ حتى تضرّرت صناعة الأثاث في الغوطة الشرقية بشكل هائل.
ومنذ أسابيع قليلة فرضت السلطات المغربية، رسوماً على المنتجات التركية، وبخاصة المنسوجات؛ لترتفع إلى 90 في المائة، فيما هدّدت السلطات المغربية بإغلاق متاجر «بيم»التركية ما لم تلتزم بعرض 50 في المائة من المنتجات المصنوعة في المغرب.
وفي مصر، تضررت صناعة السجاد بشكل هائل؛ نتيجة إغراق الأسواق المصرية بما يعرف بـ«السجاد الميكانيكي»التركي، حيث أبلغت مصر منظمة التجارة العالمية بالبدء في فتح تحقيق بعد شكاوى صناع السجاد المصريين من السجاد الميكانيكي التركي.
كل تلك الأمثلة السابقة، تدل على نسق واحد من السلوك التركي تجاه أسواق الدول المجاورة، يقوم على منافسة غير عادلة، بحكم السعر شديد التنافسية، بل الرخيص أحيانًا، مما يحبط الإنتاج المحلّي، وصولًا إلى ضعفه، ثم تصفيته لاحقًا، بل إن الأمر تجاوز ذلك نحو احتلال عسكري وتجاري واقتصادي مباشر لدول عربية مثل سوريا.
فما هي القطاعات التي تؤذي فيها الصناعة التركية، نظيرتها العربية؟ وهل خلف السلوك التجاري التركي جدول أعمال خفي؟ وكيف يمكن استعادة النديّة الاقتصادية؟

 




تواصل الليرة هبوطها في إشارة إلى مزيد من الاضطرابات في السوق التركية (غيتي)


 
تكامل مفقود ومنافسة ظالمة
ليست تركيا دولة متقدمة، تصنع المفاعلات النووية أو تبتكر التقنية العالية، بل إنها تأتي لتنافس في الصناعات الخفيفة (كالأغذية والحلوى وسلع الاستهلاك اليومي) أو الصناعات الصغيرة (مثل الأجهزة الكهربائية والمنزلية والأثاث) أو الصناعات المتوسطة، وكلها صناعات تحاول الدول العربية التوسع فيها بعد الاكتفاء منها، بل وتصديرها. 
ويعود تفوّق قدرات الإنتاج التركية إلى تمتّع البلاد بقدرات الإنتاج الجماهيري الهائل (Mass Production)،  وكذلك الموقع المميز على الفالق الآسيوي الأوروبي، إلى جانب توفّر الطاقة عبر خطوط نقل النفط والغاز، ولو بأسعار أعلى من الدول العربية. 
يعيدنا ذكر انهيار صناعة الأثاث السورية ومعاناة السجاد المصري واختلال توازن الأسواق المغربية، إلى وجود منافسة ظالمة لسلع تنتجها تلك البلاد أصلاً، بل إنها متميزة فيها. دول مثل مصر والمغرب وسوريا والسودان وتونس، تشكل الزراعة والصناعات الغذائية فيها، حصة معتبرة من الناتج الإجمالي المحلي. وفي كثير من الأحيان، لا يدخل المنتج التركي لإغناء الأسواق وزيادة خيارات المستهلك، بل يأتي عبر اتفاقيات، تكسر معظمها الحواجز الجمركية. فمثلًا، اتفاقية التجارة الحرة بين سوريا وتركيا، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2007 وأوقفها الجانب السوري عام 2011، كانت لصالح تركيا بالكامل. وتقول إحصائيات عام 2010 إن واردات سوريا من تركيا، بلغت 1.8 مليار دولار (10 في المائة من مجمل الواردات)، فيما كانت قيمة صادرات سوريا إلى تركيا 553 مليون دولار فقط!  
 
قبل الربيع وبعده
قبيل مطلع الألفية، لم تكن تركيا سوى بلد منكبّ على ذاته، قليل الانخراط مع جيرانه العرب؛ باستثناء ما يخص الأمن القومي مثل اتفاقية أضنة مع سوريا (1998) والتنسيق بشأن إدارة الملف الكردي مع العراق وسوريا. لم يكن الاقتصاد التركي يبحث عن الأسواق العربية إلا في الحدود المعقولة لأن التركيز هو على الأسواق الغربية.
وبعد تولي حزب الإخوان المسلمين الأتراك (العدالة والتنمية) الحكم عام 2002، يمكن تقسيم التغلغل الاقتصادي والتجاري التركي إلى مرحلتين:

 




متسوقون يمشون بالقرب من متجر ملابس في منطقة إمينونو في اسطنبول - تركيا وسط سعي حكومي لخفض تكاليف الاقتراض لتعزيز النمو الاقتصادي (غيتي)


 

  • ما قبل الربيع العربي

بذل الجار التوسعي التركي بعقيدته العثمانية الجديدة، كل ما في وسعه للدخول بقوة إلى اقتصاد البوابة الشمالية العربية عبر البلدين العربيين المحاذيين، العراق وسوريا، فسهلت السيطرة على الأسواق وانهار الإنتاج المحلي لطائفة واسعة من السلع. كما سهل تدفق المنتجات التركية إلى الدول العربية، وبخاصة دول الخليج واليمن ومصر عبر البر مع تشبيك خطوط النقل وتوسيعها. 
ورافق ذلك اجتياح الدراما التركية للشاشات العربية، وبخاصة الخليجية، من بوابة الدبلجة السورية، مما أدى إلى تضاعف ساعات البث التركي، بشقيه العاطفي أو ذلك الذي يعتز بتاريخ العثمانيين السلاجقة، فحلّقت أرقام السياحة والصادرات التركية إلى الدول العربية بوتيرة غير مسبوقة، وتشابكت خطوط الطيران إلى درجة تنفيذ مئات الرحلات يومياً بين الدول العربية وتركيا. كما تدفقت السياحة العربية إلى تركيا مع فتح المجال واسعاً لأكثر من 300 مليون عربي لزيارة تركيا، بل الاستقرار فيها وشراء الشقق والاستثمار والحصول على الجنسية التركية! 
وعلى سبيل المثال، تضاعف التبادل التجاري السعودي- التركي من 1.5 مليار دولار عام 2003 إلى نحو 4.6 مليار دولار عام 2011. 
أما مصر، فقد وقعت اتفاقية تجارة حرة عام 2005، بدأ تطبيقها عام 2007، وكانت انطلاقة قوية للتبادل التجاري بين البلدين، إلا أنه كان دائماً راجحاً لصالح تركيا عبر العقدين الأولين من الألفية حتى الآن.

  • ما بعد الربيع العربي

مع بدايات عام 2011، أسس المنتج التركي موطئ قدم راسخًا في الأسواق العربية، لكن الأمور سارت لصالح الجانب التركي أكثر من ذي قبل. ففي الدول التي سيطر عليها الإخوان المسلمون بداية العقد الجاري، مثل مصر وتونس وليبيا، وكذلك المغرب (دون انقلاب على السلطة)، وجد المنتج التركي فراغاً أكبر؛ نظراً لإهمال التنمية وتفاقم التدهور الاقتصادي وانعدام الاهتمام بالصناعة، كما منحت السلطات الإخوانية في تلك الدول الأربع، امتيازات وتسهيلات، معلنة وغير معلنة، لوصول المنتج التركي بسلاسة إلى تلك الأسواق. وحتى عندما تم عزل الإخوان المسلمين المصريين عن الحكم، لم يستطع الحكم الجديد، فعل الكثير لحماية الأسواق المصرية، فانتعش التبادل التجاري أكثر من أي وقت مضى!
كما أن الاضطرابات الأمنية في دول الربيع العربي ذات الطابع السياحي البارز مثل مصر وسوريا وتونس، حرفت اتجاه السائح العربي، وبخاصة الخليجي، عن تلك الدول لدواع أمنية غالباً، الأمر الذي صب في صالح السياحة التركية ونموها أكثر من ذي قبل. كما هربت رؤوس الأموال السورية والعراقية واليمنية والليبية على شكل ودائع أو عقارات أو استثمارات في تركيا. 
 
خشونة عثمانية
لم يتوقف الشره الاستعماري التركي بشقه الاقتصادي الناعم، بل تحالفت الدولة التركية مع تنظيمي داعش والقاعدة الإرهابيّين في العراق وسوريا بشكل فاضح من أجل عدة أهداف، كان أهمها تجريف البنية التحتية الصناعية وخلق الفوضى وزعزعة الاستقرار. 
إن وجود جارين عربيين مباشرين لتركيا، ضعيفين اقتصادياً وعسكريًا وأمنيًا مثل العراق وسوريا، يعانيان من انقسامات وعقبات اقتصادية كأداء، يجعلهما خارج المنافسة العربية للصناعة التركية.
فمثلًا، فككت التنظيمات الإرهابية وحلفاء تركيا من الميليشيات الأصولية والإثنية الموالية لها في سوريا، مئات المصانع في مدينة حلب السورية، إلى جانب شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والسكك الحديدية. وكانت الحدود التركية منفذًا مفتوحًا أمام النفط الذي كانت تنتجه داعش أو المهربون المحليون. ولا يزال النفط السوري الذي تنتجه وحدات الحماية الكردية في سوريا، يجد طريقه إلى التصدير عبر تركيا. أما بالنسبة للعراق، فإن وجود قواعد تركية غير شرعية شمالي العراق، يحجب آفاق التنمية. أما في ليبيا، فإن التدخل التركي عبر الطائرات المسيّرة ثم تصدير المرتزقة الأصوليين السوريين، له شق اقتصادي، يتعلق بالاستيلاء على الأسواق الليبية. فمثلاً، انخفض التبادل التجاري بين تونس وليبيا من 3 مليارات دولار عام 2010 إلى نحو 600 مليون دولار عام 2019. وانخفض عدد العمالة التونسية في ليبيا من 150 ألفًا عام 2010 إلى بضعة آلاف حاليًا. باختصار، حلّ المنتج الغذائي والاستهلاكي التركي محلّ المنتج التونسي! 

 




تصدر تركيا السجاد المنسوج إلى الخارج من قبل فتيات قرويات تركيات يعشن في قرية سيرتينيابان في منطقة سيهيت كامل في غازي عنتاب. وتساهم الفتيات العاملات في دعم ميزانية العائلات بالقرى الفقيرة(غيتي)
 

 


 
الهيمنة العثمانية المباشرة
حمل شهر يونيو (حزيران) الماضي نقلة نوعية من الاحتلال العسكري المباشر لأجزاء واسعة من الشمال السوري، إلى تكريس الاحتلال الاقتصادي والتجاري العثماني الكامل من خلال اعتماد الليرة التركية، عملة وحيدة للتعامل التجاري، وإلغاء الليرة السورية نهائيًا. إن عدم أخذ هذا الأمر بالجدية الكافية، سيقود إلى مزيد من قضم الأراضي العربية وضمها إلى بلاد«العثمانية الجديدة»، وبخاصة مع انتهاء مفاعيل معاهدة لوزان الثانية في 24 يوليو (تموز) 2023. إن ترداد الحديث عن حقوق عثمانية مسلوبة في أراضي الموصل وحلب وأرمينيا وبلغاريا وقبرص واليونان، وبدء تطبيق «استعادة الحقوق التاريخية المسلوبة»من بوابة الليرة التركية والمؤسسات المالية والاقتصادية، بل بدء تصدير منتجات سورية مثل زيت الزيتون العفريني (من شمال سوريا) على أساس أنه«منتج تركي»يتجه إلى العالم!  
 
الصناعات الدقيقة والقيمة المضافة
 يذكر أحد الصحافيين العرب المقيمين في السعودية قصة والدته التي اضطرت لإجراء عملية تركيب مفصل صناعي للركبة؛ إثر عارض صحي قاسٍ قبل أعوام. وعندما تخاطب مع الأطباء بشأن تأمين المفصل الصناعي، وجد أن المفاصل الصناعية الأميركية والأوروبية يزيد سعرها بثلاثة أضعاف عن نظيرتها التركية؛ رغم أن التقنية المستخدمة هي نفسها مع تماثل الجودة!
للقصة مدلولان، أولهما تكاسل المجهود الصناعي العربي، وبخاصة في الدول ذات رؤوس الأموال العالية أو الموارد البشرية النوعية الكثيفة، والثاني هو التطوّر الهام الذي حققته تركيا في الصناعات الدقيقة، والذي يمكن أن يفتح باب المنافسة الجيدة.
وعلى سيبل المثال، إن دولاً عربية عملاقة مثل السعودية، لا ينحصر دورها في حماية الأماكن المقدّسة وتأمين استقرار أسواق الطاقة، بل يتعدى ذلك إلى قيادة مستقبل الابتكار التقني والصناعي والتجاري والطبّي في المنطقة، بل إنه جوهر رؤية 2030. إن تبني هذا النوع من الصناعات الطبية الدقيقة، يرفع مستوى الرعاية الطبية في المملكة وما جاورها من حيث توفير صناعات دقيقة عالية التقنية بأسعار معقولة للجميع، مما يرفع الأمن الصحي العربي مع مرور السنين وتراكم الخبرات وتنوع الإنتاج.  
ويذكر صحافي عربي مقيم في إسبانيا أنه كان يعمل في فترات شبابه ومراهقته في التسعينات في صناعة المنسوجات السورية. ويقول إن الخيوط التركية كانت تتمتع بمتانة أعلى من نظيرتها المحلية؛ رغم أن فارق السعر كان ضئيلًا!
لقد كان الإنتاج الجماهيري التركي هو الأسلوب الأمثل للتخفيف من التكاليف الثابتة (أجور، طاقة، إيجارات، إلخ) في عملية الإنتاج والتصنيع والقيمة المضافة عبر توزيع التكلفة على عدد أكبر من المنتج ذاته وتسريع استخدام التقنيات الصناعية. 
 
مزايا الإنتاج التنافسي
لا تتوفر في كل الدول العربية مزايا الإنتاج التنافسي في بلد عربي لوحده. فتكاليف العمالة صارت أكثر ارتفاعاً في الدول الخليجية مع عدم توفر «طبقة عاملة»محليّة من أهل الخليج العربي؛ رغم أن تكاليف الطاقة أرخص من تركيا. وهناك دول مثل مصر، لديها عمالة ماهرة محليّة، لكنها مستوردة للطاقة وأقل استخداماً للتقنية كما تثبت قضية السجّاد الميكانيكي التركي. وهناك دول عربية مثل الجزائر، لديها طاقة رخيصة وعمالة كثيفة، لكنها غير منفتحة على الاستثمار الصناعي بالشكل المطلوب. ويضاف إلى ذلك، هشاشة الوضع الأمني في دول مثل السودان وسوريا ولبنان والعراق واليمن، كلها دول واعدة من حيث المبدأ، لكن واقعها الصعب غير جاذب لأي استثمار، بل هي دول مستوردة لكثير من السلع والمنتجات والخدمات.
إن الانخراط الإيجابي في شراكات محدّدة مع بيوت الصناعة التركية فيما يخص الصناعات الطبية- على سبيل المثال- هو ما يمكن أن يكون مثالًا معقولاً للتعاون. أما إدخال منتج تركي، بجهل أو بعلم أو بضعف، وجعله ينافس نظيره المحلي أو العربي في الأسواق العربية، فهو أقرب ما يكون إلى انتحار اقتصادي، رأينا ضحاياه في غير دولة عربية!