الإسلاموية في فرنسا

توجهات الدولة الفرنسية لمقاومة الإسلام السياسي والإخوان المسلمين
* توجد في فرنسا عبر الزمن عدة هيئات تُمثل المُسلمين، من أهمها المعهد الإسلامي ومسجد باريس الكبير المُؤسس عام 1926 واتحاد المنظمات الإسلامية الذي غير اسمه إلى «مسلمي فرنسا»
* التمثيل الرسمي للإسلام ما زاليشهد خللًا كبيرًا، نظرًا لكون فرنسا دولة علمانية فلا يحق لها التدخل فيما يخص أي دين، ولو حتى بتنظيمه من أجل تسهيل التواصل الحكومي مع أتباع هذا الدين
* بات الحديث عن الإسلام السياسي وطرق مكافحته ضمن أولويات الاستحقاق السياسي الفرنسي
* كان الرئيس ماكرون أول من أطلق مفهوم «الانفصالية الإسلاموية» المقصود بها الترويج لقيم وممارسات غريبة عن المجتمع الفرنسي
* ما زال كل وزير داخلية جديد يحاول أن يغير التسميات أو بعض القائمين على المجلس الإسلامي لكن يبقى الإسلام تائها بينما تخشى فرنسا من هيمنة الإخوان المسلمين
ترسل الجزائر والمغرب وتونس وتركيا مئات عدة من الأئمة إلى فرنسا، وكان هؤلاء مرتبطين غالباً بالسلفية أو الإخوان المسلمين ويبشرون بما تعتبره الطبقة السياسية الفرنسية يناهض قيم الجمهورية الفرنسية


 
 
باريس: فرنسا دولة علمانية بامتياز، فهي مبدأ مؤسس للجمهورية الفرنسية الحديثة ومنصوص عليه في المادة الأولى من الدستور بما لا يتعارض مع مبادئ قيم الجمهوريةالقائمة على الحرية والمساواة والإخاء وتنبع من فصل الدين عن الدولة والحياديّة إزاء المعتقدات ويُحظر عليها أي تدخل في شؤون الأديان المختلفة الموجودة في فرنسا. وفي المقابل لا يجوز للانتماء الديني الخاص بالموظفين أو المواطنين المنتفعين بالخدمات العامّة أن يؤثّر في سير الخدمات العامة. 
تشهد فرنسا، التي تضم أكبر جالية إسلامية في أوروبا، والتي باتت تشكل نسبة 11.5 في المائة من سكان البلاد، صعودا لتيار الإخوان المسلمين بعد قرار المملكة العربية السعودية بالابتعاد عن شؤون المساجد والمنظمات الإسلامية في أوروبا فقامت تركيا وقطر باستقطاب مزيد من البسطاء والجهلاء ضحايا الفقر والتهميش الحكومي ولا سيما سكان الضواحي الفرنسية.

 




رجل دين يقود صلاة عيد الأضحى المبارك في مسجد مريم في مدينة كاين شمال غرب فرنسا وسط رقابة أمنية فرنسية خارج المسجد - 31 يوليو 2020 (غيتي)


 
قناة التحاور الإسلامي مع الدولة الفرنسية
 
وفي الواقع، إن انتخاب أستاذ الرياضيات ذي الأصول المغربية محمد الموسوي (55 عاما)، في منتصف شهر يناير (كانون الثاني) 2020 على رأس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي تم إنشاؤه عام 1999، ليصبح الكيان المحاور الرئيسي للسلطات الفرنسية، لم يأت بنتائج ملموسة لا لمسلمي فرنسا ولا للدولة الفرنسية، بل توغلت التنافسية بين دولتي المغرب والجزائر داخل هذا الكيان بحكم أنهم يمولون ويستولون على بعض المساجد حيث يشغل الموسوي أيضاً رئاسة اتحاد المساجد الفرنسية، أحد مكونات المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، مع وعد منه باستجابة لرغبة الرئيس إيمانويل ماكرون في محاربة التطرف.
المفارقة أن المجلس (CFCM) ما زال يواجه الانتقادات بسبب افتقاره إلى التمثيل اللازم وفشله في تحقيق أهداف إنشائه. فيما تشعبت الخلافات بين الاتحادات التي يتشكل منها لكونها مقربة من البلدان الأم للمجتمعات (المغرب والجزائر وتركيا).بالإضافة إلى استمرارية الخلاف بين ممثلي الجاليتين المغربية والجزائرية، والذي عصف مرارا بانتخابات المجلس، بعد أن هدد ممثلو المسجد الكبير بباريس، المقرب من الجزائر، بالانسحاب من المجلس إذا لم يتم تعيين المرشح الجزائري شمس الدين حافظ، رئيسا للمجلس، وهو ما رفضه التيار المقرب من المغرب، الذي يعتبر المرشح الجزائري، مناصرا لجبهة «البوليساريو»المعادية للوحدة الترابية للمملكة مما اضطره إلى الانسحاب من الانتخابات ليبرز الموساوي مرشحا وحيدا فاز بـ60 صوتا من أصل 89. 
تتواجد في فرنسا عبر الزمن عدة هيئات تُمثل المُسلمين، من أهمها المعهد الإسلامي ومسجد باريس الكبير المُؤسس عام 1926 واتحاد المنظمات الإسلامية الذي غير اسمه إلى «مسلمي فرنسا»، أما التمثيل الرسمي للإسلام فما زال يشهد خللًا كبيرًا، نظرًا لكون فرنسا دولة علمانية فلا يحق لها التدخل فيما يخص أي دين، ولو حتى بتنظيمه من أجل تسهيل التواصل الحكومي مع أتباع هذا الدين، لذا مر التمثيل الرسمي للإسلام بعدة مراحل.
أولها قيام بيار جوكس وزير الداخلية في الثمانينات بتأسيس مجلس استشاري  (CORIF)يضم 15 عضوًا من بين مديري المساجد الكبرى وشخصيات إسلامية مرموقة، لكن خليفته شارل باسكوا تخلى عن هذا المجلس الاستشاري عام 1995 واعتمد كليًا على المعهد الإسلامي ومسجد باريس لإنجاز ما يُسمى «إسلام فرنسا»، وهذا ما لم يُعجب الوزير التالي جان لويس دوبري، إذ فضل استدعاء 10 شخصيات متعددة الرؤى، وبعد وصول اليسار إلى الحكم قام الوزير جون بيير شوفينيمان بعدة مُشاورات أسفرت في عهد الوزير نيكولا ساركوزي عن تأسيس هيكل رسمي، وهو ما يعرف اليوم بالمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016، أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية أن مؤسسة الإسلام في فرنسا بدأت عملها رسميًا، إلا أنه بموجب قانون عام 1905 للفصل بين الدين والسياسة لم تسند إليها سوى المشاريع ذات الطابع الاجتماعي والثقافي العامة مع إقصاء للمسائل الثقافية الجوهرية.
ما زال كل وزير داخلية جديد يحاول أن يغير التسميات أو بعض القائمين على المجلس الإسلامي لكن يبقى الإسلام تائها بينما تخشى فرنسا من هيمنة الإخوان المسلمين الأمر الذي دفع الحكومة الفرنسية بواعز من رئيس الجمهورية إيمانويل ماركون بضرورة تشريع قانون لردع هذه الآيديولوجيات السياسية المتطرفة والتي أنتجت الإرهاب الذي ضرب فرنسا منذ 1986 وحتى اليوم.
يقول نواب فرنسا في البرلمان عند التطرق إلى ملف الإسلام بأن بعض أصحاب التيار الإسلامي المتطرف في فرنسا استفادوا من الغطاء القانوني للحريات الفردية وقيم الجمهورية والديمقراطية، لينقلب عليها ويحاول التمدد في هذا البلد وبسط نفوذه على مناطق عديدة فيه وجعله في شكل مقاطعات معزولة عن سلطة الدولة والقانون، وهو ما يدركه المسؤولون الفرنسيون والسلطات حالياً، ما دفع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى أن يوكل لمجلس الشيوخ مهمة إعداد تحليل لواقع التطرف الإسلامي في بلد الأنوار وإصدار تقرير ينتهي بتوصيات وتحذيرات لأجهزة الدولة للتصدي لهذا الخطر القادم من التشدد القائم على العقيدة الإسلامية، ومحاولاته لتغيير طبيعة الحياة والمجتمع في فرنسا. لكن تقرير اللجنة البرلمانية لا يبدو أنه قدم تشخيصا عمليا للوضع ولا نهجا في صياغة علاجات ناجعة للممارسات الخارجة عن القانون، بل كان مجرّد نتائج تجاوزها الواقع والأحداث.

 




أستاذ الرياضيات ذو الأصول المغربية محمد الموسوي على رأس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية


 
فرنسا تعدّ لإطلاق قانون لمحاربة «الإسلاموية السياسية» 
بات الحديث عن الإسلام السياسي وطرق مكافحته ضمن أولويات الاستحقاق السياسي الفرنسي. فبعد أكثر من ثلاث سنوات قضاها ماكرون في قصر الإليزيه، يعد الخبراء خطة للتعامل مع ثاني الديانات في فرنسا. كان هذا الموضوع يشكل الأساس الآيديولوجي لليمين المتطرف وبعض اليمين الكلاسيكي. ولا شك أنه سيكون أحد المواضيع الرئيسية التي سوف تطرح بقوة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية القادمة التي ستُجرى في ربيع عام 2022 والتي سيخوض الرئيس ماكرون غمارها للفوز بولاية ثانية. ويعزى له القول إنه لا يتعين ترك المواضيع السيادية، ومنها موضوع الهجرات غير الشرعية وملف الإسلام لليمينَيْن المتطرف والكلاسيكي بعد أن نجح في سحب البساط من تحت أقدامهما. وسبق له أن كشف عن مجموعة من التدابير التي يريد لها أن تجد طريقها إلى التنفيذ، مثل وضع حد لاستجلاب أئمة من البلدان الإسلامية المعتدلة، وتعزيز تنشئة هؤلاء في المعاهد الفرنسية. لكن ما زالت غالبية عامة المسلمين تشكو من أنها الضحية الأولى لمجموعات متطرفة لا تشكل سوى أقلية ضئيلة قياساً بالأكثرية الساحقة من المسلمين الساعية للاندماج، والبعيدة كل البعد عن التعصب والانطوائية وخصوصاً الانفصالية هذه الجماعة تراها فرنسا حاليا هي حركة الإخوان المسلمين التي تقول عنها تقارير دولنا بأنها أساس مكونات تنظيمات الإرهاب في العالم، القاعدة وداعش وبوكوحرام وأبو سياف وغيرها.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس الحكومة الجديد جان كاستيكس، بمناسبة خطاب السياسة العامة أمام البرلمان من أجل نيل الثقة، يوم الأربعاء 15 يوليو من العام الجاري؛ أن «محاربة الإسلام المتطرف بجميع أشكاله كان ولا يزال أحد اهتماماتنا الرئيسية فالحكومة كلها معنية وما زالت الانفصالية الدينية تشكل مصدر قلق كبيرا». وأن «الحكومة ستتقدم بمشروع قانون بهذا المعنى إلى الجمعية الوطنية لدى معاودتها اجتماعاتها عقب العطلة الصيفية»، أي يوم الثلاثاء 1 سبتمبر (أيلول). وقال رئيس الحكومة: «إن العلمانية هي القيمة الأساسية للجمهورية، وحكومتي سوف تدافع عنها بلا هوادة». وأضاف كاستيكس قاصدا الإخوان المسلمين الذين يهيمنون على كثير من المساجد: «ليست هناك أي ديانة أو أي تيار فكري أو مجموعة لها الحق في أن تهيمن على الفضاء العام، وأن تصادر وتهاجم قيم الجمهورية. ولذا علينا أن نسمي الأمور بأسمائها».
 
مارلين شيابا: مشروع قانون مناهضة الانفصالية سيُقدم بحلول نهاية العام
 
ملقبة بثعبان البحر في ولاية إيمانويل ماكرون الرئاسية، كشفت الوزيرة مارلين شيابا المكلفة بوزارة المواطنة والعلمانية والملحقة بوزارة الداخلية عن أنه »تم تقديم مشروع قانون ضد الانفصالية إلى مجلس الدولة ومن ثم على مجلس الوزراء يوم 9 ديسمبر الجاري بحيث يمكن أن تبدأ عليه المناقشات البرلمانية «أوائل عام 2021». وتوضح الوزيرة: »في أوقات الأزمات الصحية والاقتصادية، تبقى السلامة هي إحدى أولويات بداية العام الدراسي«. لا يزال محتوى هذا النص المنتظر من قبل الفرنسيين بفارغ الصبر قيد المناقشة تحت قبة البرلمان بين مؤيد يميني ومعارض يساري. وأكدت الوزيرة أن العلمانية تحتم على فرنسا المحافظة على الحرية الدينية، وحتى شكل معين من الطائفية، بينما هاجمت «الإسلام السياسي»، الذي أكدت أنه «لا مكان له في الجمهورية». فيما أكدت مارلين شيابا من جديد رغبتها في «عدم المساس بقانون 1905»الذي يحدد الفصل بين الكنائس والدولة، وهو القانون الذي تم تعديله بالفعل عشرين مرة، لكنها تريد إصلاح تمويل قانون الجمعيات 1901، وذلك للتأكد من أن الأخير يدافع عن قيم الجمهورية.

 




مارلين شيابا: مشروع قانون مناهضة الانفصالية سيقدم بحلول نهاية العام


 
الرئيس ماكرون عازم على القضاء على الإسلام السياسي
 
هذا الخطاب السياسي الفرنسي ليس جديداً، إذ كان الرئيس ماكرون أول من أطلق مفهوم «الانفصالية الإسلاموية» المقصود بها الترويج لقيم وممارسات غريبة عن المجتمع الفرنسي بحيث إن هناك أحياء تغلب فيها القيم الخاصة على القيم الجماعية. ولذلك أعلن عن إجراءات جديدة لمكافحة الإسلام السياسي في فرنسا، بينها تقييد دور الحكومات الأجنبية في تدريب الأئمة وتمويل المساجد وتعليم الأطفال. وتعهد أيضاً بمحاربة «الانفصالية الإسلاموية»الهادفة إلى السيطرة على الجماعات الإسلاموية أو المناطق المحظورة على السلطات في فرنسا.فخلال زيارة إلى مدينة مولوز شرقي البلاد في 18 فبراير (شباط) 2020، في سياق خطة رسمية جديدة للحكومة لمواجهة التطرف الإسلامي.وبالتحديد اختار التحدث من حي بورتزفيلر، الذي يعيش فيه نحو 25 ألف شخص، ويعدّ واحداً من عشرات الأحياء الخطرة في مناطق متفرقة من البلاد تنتشر فيها الأصولية وتجارة المخدرات وتتجول فيها العصابات الإجرامية المسلحة بالقنابل والرشاشات، فيما تسعى الحكومة لفرض سيطرتها على تلك المناطق من خلال تعزيز قوات الأمن فيها بشرياً وتقنياً ولوجيستياً.
وقال ماكرون إن حكومته ستسعى إلى منع «التدخل الخارجي»في كيفية ممارسة الإسلام وكيفية تنظيم المؤسسات المسلمة في فرنسا. وتابع: «المشكلة هي حين يريد بعض الناس فصل أنفسهم عن الجمهورية وبالتالي عدم احترام قوانينها، باسم الدين. هنا في فرنسا، لا مكان للإسلام السياسي».
لخص ماكرون استراتيجيته لمكافحة الإسلاموية في أربع نقاط أساسية: الصراع ضد النفوذ الأجنبي في المدارس وأماكن العبادة. إعادة تنظيم عبادة المسلمين بالتوافق مع مبادئ العلمانية والقانون الفرنسي. مكافحة جميع مظاهر الانفصالية الإسلاموية والطائفية. إعادة فرض سيطرة الدولة على جميع الأراضي الفرنسية.
وقال ماكرون إنه يخطط ضمن الإجراءات الأخرى لإنهاء برنامج لتبادل الأساتذة يدعى تدريس لغة وثقافة الجذور ويعرف اختصاراً باسم ألكو، وهو يسمح لتسع دول بإرسال معلمين إلى فرنسا من أجل تأمين دروس في الثقافات واللغات الأجنبية من دون رقابة السلطات الفرنسية. والدول التسع هي الجزائر وكرواتيا وإيطاليا والمغرب وإسبانيا وصربيا والبرتغال وتونس وتركيا.
 
لهجة واضحة ضد إردوغان... «إسلام تركيا مستحيل هنا»
ترسل الجزائر والمغرب وتونس وتركيا مئات عدة من الأئمة إلى فرنسا، وكان هؤلاء مرتبطين غالباً بالسلفية أو الإخوان المسلمين ويبشرون بما تعتبره الطبقة السياسية الفرنسية يناهض قيم الجمهورية الفرنسية. وقال ماكرون إن منظومة إلكو التعليمية ستُستبدل باتفاقات ثنائية مع الدولة الفرنسية لضمان أن يكون لباريس الرقابة على الدروس ومحتوياتها بحلول سبتمبر (أيلول) المقبل. وأوضح ماكرون أن تركيا هي الدولة الوحيدة التي رفضت التوقيع على الاتفاق الجديد. تدير الحكومة التركية شبكة واسعة من المساجد في فرنسا تحت رعاية مديرية الشؤون الدينية والتي يسيطر عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وقال ماكرون: «يمكن أن تختار تركيا اليوم اتباع ذلك المسار معنا أو لا، لكنني لن أسمح لأي دولة أجنبية بتغذية انفصالية ثقافية أو دينية أو مرتبطة بالهوية على أراضي جمهوريتنا. لا يمكننا السماح بالقوانين التركية على التراب الفرنسي. مستحيل».
أوضح الرئيس الفرنسي أن القانون الجديد سيسمح بالشفافية حول طريقة تمويل المساجد؛ «المساجد الممولة بالشفافية مع أئمة مدربين في فرنسا ومحترِمين لقيم ومبادئ الجمهورية، هكذا سنخلق الظروف كي يستطيع المسلمون في فرنسا ممارسة دينهم بحرية». 
وأضاف ماكرون أنه سيطلب من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية مساعدة الحكومة في إيجاد حلول لتدريب الأئمة على التراب الفرنسي وضمان أن يتكلموا الفرنسية وأن لا ينشروا الإسلاموية. ودعا ماكرون إلى دمج أفضل للمسلمين في المجتمع الفرنسي وحذر من أخطار الطائفية.وتابع الرئيس الفرنسي: «نحن هنا لسبب نتشاركه مع المسلمين- وهو الصراع ضد الطائفية. ما يجب أن نطبقه ليس كما سمعت أحياناً من بعض الأشخاص (خطة ضد الإسلام). سيكون هذا خطأ عميقاً. ما يجب أن نحاربه هو الانفصالية، لأنه حين لا تلتزم الجمهورية بوعودها، سيحاول آخرون استبدالها»
وأوضح ماكرون أن المعركة ضد «الانفصال الإسلامي»ليست موجهة ضد المسلمين، مشدداً على ضرورة أن تستعيد الدولة حضورها من خلال تعزيز قيم الجمهورية، ومواجهة مظاهر العنف وتجارة المخدرات.عدونا ليس الإسلام وإنما النزعة الانفصالية عن الجمهورية، هكذا تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مدينة مولوز لشرح رؤيته للإسلام في فرنسا. هو يدرك أن هذه النزعة الانفصالية تتغذى من غياب عروض بديلة خاصة في مجال التعليم. ووضع خريطة طريق بالنسبة للمجلس الفرنسي للدين الإسلامي حتى يقدم مقترحات واضحة وملموسة وخاصة في مجال تكوين الأئمة في فرنسا.
 كلام ماكرون كان واضحا بأنه لا مكان للإسلام السياسي في فرنسا ولا مجال لاستهداف المسلمين أو الإسلام.
 
ضرب التوازن
أشار العمدة الاشتراكي فرانسوا بوبوني طوال عشرين عاماً لحي سارسيل الباريسي في كتابه «إمارات الجمهورية: كيف يسيطر الإسلامويون على الضواحي»، إلى كيفية ضرب الإسلاموية للتوازن الذي كان قائماً في حيه حيث عاش العرب والمسيحيون واليهود والأتراك جنباً إلى جنب وبسلام طوال عقود. وأضاف: «هذه ثمرة خبرتي، ما أعيشه وما أراقبه».
 
 
 




متظاهرون أتراك يحملون لافتة عليها صورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عليها بصمة حذاء ويرددون هتافات مضادة لتعليقات الرئيس الفرنسي على الرسوم الكرتونية للنبي محمد (ص)، في أنقرة، 27 أكتوبر 2020 (غيتي) 


 
وقائع الجلسة البرلمانية
كانت جلسة لجنة التحقيق في مجلس الشيوخ برئاسة السيناتورة ناتالي ديلاتر من حزب التجمع الديمقراطي والاشتراكي  (RDSE)، ورئاسة المقررة السيناتورة جاكلين أوستاش برينيو من حزب الجمهوريين (LR)، وقد دونت لجنة التحقيق البرلمانية ملاحظة مفادها. «تميل أقلية من السكان الفرنسيين من المسلمين إلى تبني سلوك متعنت بذريعة الدين (...) قد يكون هذا انحرافًا طائفيًا إذا لم يكن التقوقع والشعور بالانعزال مرتبطين بمشروع تحول المجتمع والعمل النضالي على أرض الواقع».وقالت رئيسة اللجنة إن فرنسا تجد نفسها عالقة في حركة عالمية تتعرض لها أكثر من غيرها بسبب ماضيها الاستعماري في البلدان ذات الأغلبية المسلمة».
وأبدى أعضاء لجنة التحقيق خلال عملهم وجود خلاف مع رئيس الدولة والحكومة، ويبدو أن هذا التقرير سوف يثير جدلا حادا في البلاد ليس فقط مع أصحاب ثاني ديانة رسمية في البلاد والبالغ تعدادهم أكثر من 20 مليون نسمة نصفهم مسلمون فرنسيون تمثل أكبر جالية إسلامية في أوروبا وإنما أيضاً مع الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس وزرائه جان كاستكس اللذين يعتبران أن الملف الإسلامي الشائك والحساس يعود إليهما فقط فهما المكلفان بعمل هيكلة الدين الإسلامي في فرنسا والكشف عن مصادر التمويل بمنظومة الشفافية. فقد حذّر ماكرون من «الحركات الانفصالية الإسلامية»وأعلن إجراءات ضد «التأثيرات الأجنبية»على الإسلام في فرنسا (تمويل المساجد والأئمة). لكن لجنة التحقيق دخلت في اختصاصات رئيس البلاد واستجوبت رئيس الجمعية الإسلامية لإسلام فرنسا(AMIF) كما استمعت لأحد أعضائها حكيم القروي. الذي بين لهيئة التحقيق أن «طموح الجمعية الإسلامية هو تنظيم جمع الأموال من التبرعات، واستثمارها من خلال خصخصة الأرباح وتسخيرها للعمل من أجل تدريب الأئمة ومحاربة جميع أشكال الكراهية».
قدّم التقرير الذي حصلنا على نسخة منه والمكون من 213 صفحة نحو 44 مقترحاً للحد من «التطرف الإسلامي»الذي يصبح أكثر تهديدا في البلاد في المجالات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية والثقافية من أجل أن تتمكن الجمهورية الفرنسية من «مواجهة»و«إيقاف آلة الدعاية»الإسلامية المتطرفة. بالتوازي مع ذلك، رفض التقرير إدراج الإحصاءات على أساس عرقي في فرنسا.
 
منع شيوخ وناشطي الإخوان من دخول فرنسا
من بين الإجراءات الـ44 المقترحة، منع التحريض والخطابات الانفصالية ومراقبة بعض المساجد والمدارس والجمعيات وتوعية المسؤولين المنتخبين ووسائل الإعلام ومنع الإسلامويين من «السيطرة على جزء من السكان الفرنسيين»، كما يهدف جزء كبير من المقترحات إلى «معرفة ومتابعة ومنع عمل الإسلام الراديكالي، وإعادة تأسيس مهمة اليقظة المشتركة بين الوزارات ومحاربة الانحرافات الطائفية، وتعزيز مواجهة جريمة التعدي على حرية الضمير، من خلال توقع الظروف المشددة عندما ترتكب مع ضد الزوج أو القاصر، وتعزيز الموارد البشرية المخصصة للاستخبارات الإقليمية، وتدريب أفضل لرؤساء البلديات والمجالس المنتخبين على مفاهيم العلمانية والإسلام الراديكالي وإدارة الأديان وفهم ممارسات المجتمع».كما دعت اللجنة أيضاً إلى «إعادة إنشاء»مهمة مراقبة مشتركة بين الوزارات لمحاربة الانحرافات الطائفية وأية محاولة لتفعيل «شرطة الأديان»عن طريق تعزيز العقاب في «جريمة التعدي على حرية الضمير».
وقد أبدت اللجنة قلقها أيضاً إزاء الحركات الإسلامية المتشددة التي تدعي أنها غير عنيفة ولا سيما السلفية منها (حوالى 40 ألفا في فرنسا) أو الإخوان المسلمون (50 ألفا). كما تدعو اللجنة إلى تعزيز شبكة الدولة للكشف عن السلوك أو الكلام «المنحرف»بشكل أكثر فعالية. حذر التقرير من أن «مؤيدي الإسلام السياسي يسعون حالياً إلى السيطرة على الإسلام في فرنسا»من أجل «إنشاء الخلافة»، واصفا تلك الأنشطة بـ«التطرف الإسلامي».
وجاء في نص التقرير البرلماني أنّ «التطرف الإسلامي اليوم أصبح حقيقة وفي تزايد في أرجاء فرنسا». وأنّ مؤيدي الإسلام السياسي يسعون حالياً إلى السيطرة على الإسلام في فرنسا من أجل «إنشاء الخلافة»، وأنهم يُنمون «النزعة الانفصالية»الخطيرة في بعض المدن.
وبالإضافة إلى منع دعاة وشيوخ وناشطي الإخوان المسلمين من دخول الأراضي الفرنسية، وقد نجح أعضاؤها من جديد في رفض دخول الشيخ يوسف القرضاوي من دخول البلاد في رمضان للعلاج كما منعت دخول الشيخ وجدي غنيم لإعداء دروس في المساجد خلال رمضان الماضي. فيما يبرز الجهاديون بقوة بين الجماعات المستهدفة في التقرير، وهم الجهة الرئيسية التي وقفت خلف سلسلة الهجمات التي أودت بحياة أكثر من 380 شخصا في فرنسا منذ العام 2015.
يريد أعضاء مجلس الشيوخ في اقتراحاتهم، الذهاب أبعد من ذلك، بأن «يتم الحظر في النظام الأساسي لكل طائفة دينية»كل «مظاهرة أو دعاية سياسية أو دينية أو عرقية، على النحو المنصوص عليه في المادة 50 من الميثاق الأوليمبي. كما طالب أعضاء مجلس الشيوخ في تقريرهم بإلزام الجمعيات ذات الطبيعة الثقافية بالشفافية حول مواردها المالية، ولا سيما تلك القادمة من الخارج. كما تريد اللجنة تسهيل عملية إغلاق الأماكن أو الجمعيات التي تبث خطابات تمييزية أو تحض على الكراهية والعنف، وتدعو أيضاً إلى عدم تجديد الاتفاقات الموقعة مع دول أجنبية لتدريب الأئمة الذين يعتزمون الوعظ في فرنسا. ودعت اللجنة إلى «تعزيز شبكة الدولة للكشف عن السلوك أو الوعظ الديني المنحرف بشكل أكثر فعالية وسيكون من الواجب على أي جمعية ترغب في الاستفادة من إعانات السلطات المحلية الفرنسية أن تتعهد «بالتوقيع على ميثاق بما في ذلك احترام قيم الجمهورية». ويشير التقرير، إلى أنّ هذه النزعة «المتصلبة»المستلهمة من الإسلام الأصولي «تشكك في قيم الجمهورية الفرنسية»، في إشارة إلى حرية المعتقد، والمساواة بين الرجل والمرأة، والاختلاط، التي لا يحترمها كثير من المتشددين.
وتوضح السيناتورة ناتالي ديلاتر عضوة مجلس الشيوخ تلك النقطة خلال النقاش قائلة: «لم يكن المسؤولون المنتخبون هنا مصحوبين بالإجابة التي كان عليهم تقديمها». 
إن فكرة العلمانية هي فكرة قد تبدو غير دقيقة بالنسبة لبعض المسؤولين المنتخبين الذين تتم إدارتهم بأفضل طريقة ممكنة، معتقدين أنهم يمكن أن يجدوا الحل الوسط الصحيح، عن طريق مغادرة قاعة البلدية لممارسة طائفة عندما «لا يُسمح بذلك وكان هذا خطأ كبيرا تفاقمت على أثره معضلات كان من السهل تفاديها لو كان رؤساء البلديات ونواب المجالس على دراية بمبادئ العلمانية ومخاطر الإسلام السياسي».
فيما حذرت السيناتورة جاكلين أوستاش برينيو، المشاركة في إعداد التقرير، من «إشكالية إثارة قضية اجتماعية»لأن «كل فرنسا، ما عدا المناطق الغربية، متضررة من الإسلام الراديكالي». وأضافت «اليوم في فرنسا يوضع أناس قيد الإقامة الجبرية باسم معيار ديني. لا يمكننا قبول ذلك. إما أن نبدأ بالتحرك الآن ضد ذلك وإما لن نتمكن فيما بعد من فعل شيء». وأضافت كاتبة النص «يجب التحرك سريعاً»لأن «كل مناطق فرنسا صارت متأثرة اليوم، باستثناء غرب البلاد، وإلا ففي غضون سنوات قليلة، قد تخرج بعض من هذه المناطق والأحياء من الجمهورية».

 




الإسلام الراديكالي  يتغلغل في كل نواحي الحياة الاجتماعية في فرنسا، ويحاول فرض معايير اجتماعية جديدة (غيتي)


 
التجاهل والإنكار سبب تنامي الإرهاب في البلاد
تعتقد لجنة التحقيق أن الرد على الإسلام الراديكالي «لا يمكن أن يقتصر على إجراءات الشرطة»فقط، ولكن برد «سياسي غير حزبي»، قالت إحدى عضوات لجنة التحقيق السيناتورة ناتالي ديلاتر من حزب التجمع الديمقراطي والاشتراكي خلال النقاش: «لقد كان من الضروري عدم الإنكار والتجاهل حيث تخطط مجموعة صغيرة من الأفراد في البلاد لفرض معيار ديني فوق قوانين الجمهورية». لقد أكسبنا استطلاع اللجنة «قناعة بوجود هذه المشكلة الخطيرة ولذلك من الضروري الاستجابة بسرعة وبقوة فالتجاهل والإنكار سبب تنامي الإرهاب في البلاد».
فيما قالت رئيسة اللجنة، السيناتورة جاكلين أوستاش برينيو: «ليست فرنسا، مجموعة من الأقليات بل أمة، لا يمكنها أن تتبنى مذهب إقامة خاص بكل مجموعة». وتابعت أنها تشعر بالقلق من «انتشار السلوكيات التي تضع العيش معاً موضع شك وتؤثر بشكل مباشر على حرية الضمير والمساواة بين الرجال والنساء وحقوق المثليين». وأكدت: «إننا نشهد، خارج الفضاءات الثقافية وفي مناطق وأحياء معينة، على تأسيس نظام وبيئة إسلامية يعيش أفرادها بين بعضهم لبعض فقط».
لم تخفِ المقررة جاكلين برينيو الصداقة الوثيقة التي تجمعها بالصحافية المغربية الفرنسية زينب الغزاوي التي كانت تعمل في مجلة «شارلي إيبدو»ونجت من مذبحة 2015 . وقالت «إنني لست خائفة من البوح بذلك: فالإخوان المسلمون على أبواب السلطة في البلاد»وحذرت من استراتيجية التسلل الإخواني في فرنسا داخل المؤسسات لوضع «آيديولوجيا الإسلاموية لتتجاوز وتعلو- فوق القيم الجمهورية».
واستجوبت جاكلين أوستاش برينيو، وزير الداخلية الجديد، والمكلف أيضاً بشؤون الأديان جيرالد دارمانين، بشأن ما وصفته بـ«المشاركة الطائفية»خلال الانتخابات البلدية التي كان يتابعها كعمدة المدينة قبل توليه الوزارة. وأكد لها أنه أغلق معهد ابن سينا الإسلامي لوجود شبهات حول تلقيه أموالا من الخارج. وأنه يؤيدها بشدة وسيتعاون معها وسيأخذ التقرير ليدرسه بعناية.
وخلال جلسة الاستماع أمام لجنة التحقيق، أشار جان ميشيل بلانكر، وزير التربية الوطنية، إلى «النقاط العمياء»للمدارس الخاصة دون عقد والتعليم المنزلي. في توصياتهم، يرغب أعضاء مجلس الشيوخ في توسيع مجال الاستفسارات الإدارية إلى قرارات التعيين والتكليف المتعلقة بالوظائف الحساسة للقطاعات التي لها صلة مباشرة ومنتظمة بالقصر (المعلمون، الرسوم المتحركة)، ومؤسسة الرقابة بين الخدمات (التعليم الوطني، URSSAF، الخدمات البيطرية، الخدمات المالية والضريبية) والمؤسسات التعليمية غير التعاقدية، ولكنها تأذن أيضاً بالتحكم في هوية جميع الأشخاص الذين يعملون في هذه المؤسسات.
 
الخلاصة
بعد قراءة المشهد الفرنسي نخرج بنتيجة مفادها أن الإسلام الراديكالي يتخذ كل الأشكال في فرنسا حتى التي ليس لها وجود في بلاد العرب، ويتغلغل في كل نواحي الحياة الاجتماعية، ويحاول فرض معايير اجتماعية جديدة، مستفيدا من الحرية الفردية المضمونة في فرنسا، ليتفشى وينخر البلد تحت لافتة الدفاع عن الحريات الفردية .
إن استراتيجية الحكومة الفرنسية تتهم تنظيم الإخوان المسلمين ليس في فرنسا فحسب وإنما في كل عواصم العالم الكبرى وتحذر الجميع من خطورتهم لكونهم دائمي التوغل داخل مؤسسات الدولة، بغرض فرض آيديولوجيا الإسلام السياسي، وقد نجحوا في ذلك نسبيا في دولتي مصر وتونس عقب الربيع العربي، كما يلاحظ الفرنسيون أنهم نجحوا أيضاً في التوغل في مفاصل الدولة الفرنسية فأسسوا مدارس وحتى معهد لتكوين الأئمة.ومع الأسف لا يشير التقرير البرلماني الفرنسي إلى أيه حلول للمسلمين وللإسلام في فرنسا، واكتفوا بالتحذير من الإسلام السياسي لكونه تهديدا مستمرا للمجتمع الفرنسي لكن هذا الطرح لا يصلح مع فرنسا حيث إن الإخوان المسلمين وكل المنظمات الإسلامية في فرنسا عموما لا تسعى لتولي السلطة في البلاد على عكس سعيها في منطقتنا العربية. 
تكمن مشكلة المسؤولين الفرنسيين في تجنب النظر إلى الواقع الموبوء بالإسلام الفرنسي، لأسباب كثيرة أهمها الخوف من تهمة الإسلاموفوبيا الجاهزة، وضغوط منظمات حقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي حتى جاء الرئيس ماكرون الذي سلط الضوء على هذا اللغط الديني.
المفارقة أنه بعد سحب كل من الإمارات والسعودية الاهتمام بمساجد ومنظمات الإسلام في فرنسا وأوروبا وإضعاف الإخوان المسلمين بسبب ما تم ذكره من مؤثرات وتحذيرات ويضاف إليها التنافسية السياسية والخصومة الشخصية بين الرئيسين ماكرون وإردوغان، وإضعاف تركيا ونفوذها؛ وجدت إيران الطريق أمامها واسعا لتستأثر بالفكر الشيعي على الإسلام في أوروبا بعد أن وجد المسلمون في القارة العجوز أنفسهم وحيدين بلا دعم ولا توجهات ولهذا يجب الاهتمام بهذا الخطر القادم بالتوازي حتى لا ينتهز الثعالب فرصة إبادة الذئاب فتخلو بالقطيع.

 




مجلس الشيوخ الفرنسي (غيتي)


 
الحل
نقترح إنشاء كيان إسلامي قوي في باريس على غرار منظمة الكريف اليهودية شديدة النفوذ في فرنسا، يكون فيها صفوة الكوادر والمثقفين والعلماء المسلمين تتبناها جميع الدول العربية بالتنسيق مع الأزهر والتعاون مع فرنسا وتكون هي المحاور الرئيسي للسلطات الفرنسية وتنقذ الجالية الإسلامية التي باتت رهن اختطاف الجماعات السلفية والإرهابية لعقود طويلة وتطرح إسلاما عقلانيا نورانيا مبنيا على المحبة والوئام والسلام بين الشعوب والديانات وقبول الآخر ونبذ العنف والكراهية. ولو استثمر المسؤولون المعنيون بالشؤون الإسلامية هذا الطرح وأخذوه مأخذ الجد لأمكنهم حل كافة معضلات مسلمي فرنسا ففيهم طاقات جبارة ونماذج مشرفة وعدد كبير يمكن استثماره كقوة إضافية لنا كما أن المنظمة الإسلامية الجديدة يمكن أن تتواجد على غرار مركز النور (أكبر مراكز الإسلام في أوروبا والذي أنشأته قطر على مساحة شاسعة قرب باريس) بالاتفاق مع سلطات فرنسا وجلب أبرز العقول الإسلامية النيرة على مستوى العالم بحيث لا يتجاوزون خطوط فرنسا الحمراء وفي نفس الوقت ينتشل المسلمين من الجهل المركب.
إن من يسيطر على مسلمي فرنسا يملك فرنسا ويسيطر على الضواحي المهمشة ويصلح أخلاق وسلوكيات أبنائها الذين انساقوا للعنف والجريمة بعد أن همشتهم الدولة فتمردوا عليها وهؤلاء يمكن احتواؤهم بتعليمهم الإسلام بمبادئ سوية ولكن من علماء عرب وآسيويين وليسوا من علماء الداخلية الفرنسية الذين ينبذونهم على أنهم عملاء.
إن فرنسا مرشحة بقوة لتبني هكذا مشروع لينظم أحوال أكبر جالية إسلامية في القارة نحو 20 مليون نسمة عبر كوكبة من العلماء خصوصا وأن فرنسا تفضل التعامل مع كيان واحد ممثل للمسلمين بعد فشلها في إيجاد هذا الكيان عبر سلسلة من المجالس التي أنشأتها وزارة الداخلية عبر عقود وتفتقد للمصداقية أمام مسلمي فرنسا كون ولاء القائمين عليها الأول لعلمانية فرنسا كما يفتقدون للعلم وللفقه الإسلامي المتوازن وبالتالي بات إنشاء منظومة إسلامية راقية في قلب أوروبا تكون مؤثرة ومسموعة لدى السلطات الفرنسية حيث أصبح المسلمون قوة انتخابية لا يستهان بها بإمكانها أن ترجح كفة على حساب كفة في الموازين السياسية بالانتخابات الفرنسية ولكن للأسف ما زال المسلمون طاقات مبعثرة ومتمزقة عبر العرقية والعنصرية تغذيها الرباط والجزائر وطهران فبات خلق كيان قوي ذي مصداقية يملأ الفراغ وينتشل أبناء المسلمين من أفخاخ الجهلة أمرا حتميا لصالح مسلمي فرنسا، كذلك يكون قادرا على التأثير على الطبقة السياسية الفرنسية على غرار منظمة الكريف اليهودية التي تستدعي بعض وزراء فرنسا حينما تحيد فرنسا ضد سياسة إسرائيل أما لماذا هي قوة مؤثرة رغم كون تعداد يهود فرنسا لا يتجاوز 700 ألف نسمة فلكونهم كتلة واحدة وجميعهم يصوتون في الانتخابات لكونهم موحدين فيما قوة المسلمين مبعثرة تفتقد للقيادة بعد سقوط حفيد حسن البنا الدكتور طارق رمضان الذي كان يتزعم الإسلام في أوروبا لعقود ولكن دون هدف سياسي لصالح الجالية ولا لصالح دولنا حيث عكف فقط على الإرشاد وانتقاد النظم الأوروبية والتنظير للإخوان حتى انطفأ توهجه بسلسلة من الفضائح الجنسية وبات رهينة المحاكم والسجون. وآن الأوان لكي يمسك المسلمين قائد إسلامي يعتبر قطبا مستنيرا يعيد الإسلام إلى مكانته ليغدو نورا بين الأنوار الكبرى التي تضيء قلوب المؤمنين في الأرض.