الشيخ بشار لوك

* أخطر ما قاله رئيس النظام السوري بشار الأسد وهو يلبس تارة عباءة الشيخ وتارة أخرى رداء الفيلسوف، هو اعتبار المؤسسة الدينية رديفة للجيش، شيء ما يشبه العلاقة بين الولي الفقيه والحرس الثوري؟

يكاد لا يخلو خطاب لبشار الأسد من محاولات الأستذة والتعالي، فحتى لو أراد الحديث عن الشجرة تسمعه يقول «دعونا نعرف ما هي الشجرة أولا»، بالنسبة له الجمهور، أي جمهور، إن كان من الشعب أو العلماء أو كبار القادة، هو جاهل وبحاجة لشرح مفصل حتى لبديهيات الأمور.
عادة ما تكون خطاباته طويلة ومملة وتحتاج لالتقاط أنفاسك وأنت تسمعه، يعطي في كل مرة يتحدث فيها مادة للتهكم كما يعطي مادة للتأويل، ولكنه هذه المرة أطل علينا بجديد، لتحسب نفسك مرة أنك تسمع «الشيخ»بشار الأسد يتحدث ويلقي خطبة في الدين، ليعود ويكمل بعدها الكلام «الفيلسوف»بشار ويفيض بشروحاته وتفسيراته لمصطلحات كنا نظن أنها من البديهيات التي لا تحتاج لتفسير.
«الشيخ»بشار غاضب أن ردة الفعل على ما حصل ويحصل في فرنسا مؤخرا من كلام للرئيس الفرنسي ونشر للصور المسيئة للنبي اقتصرت على الغضب دون التصدي، فـ«الغضب»وفقا لكلامه، «هو رد فعل طبيعي لكن عندما لا يُضبط بالعقل يتحول إلى مجرد تنفيس وبالتالي يعرف الأعداء أن هذه المجتمعات لا تستطيع أن تقوم بشيء إلا بالغضب»، متهما الرئيس الفرنسي بأنه «يريد أن يستقطب المصابين برهاب الإسلام قبيل انتخابات العام القادم». بشار الأسد نفسه الذي وعلى مدى نحو عشر سنوات وهو يكذب ليستقطب ليس فقط المصابين برهاب الإسلام في الشرق والغرب، بل هو من كان يدعي ليلا نهارا أن كل القتل الذي ارتكبه وجيشه وحلفاؤه في سوريا إنما كان لمحاربة الإسلاميين والإرهابيين وحماية «الأقليات»، ها هو يستل سيفه للدفاع عن العروبة والإسلام، ها هو يسخر ممن يستغلون الأحداث لغايات انتخابية، كيف لا وهو من ورث الحكم بتعديل دستوري لم يستغرق سوى دقائق، وربح «الانتخابات»مجددا فوق أشلاء آلاف السوريين.
أبدع بشار الأسد، فنفى أي علاقة بين العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وشرح لنا «مشكورا»أن العلمانية تعني «حرية الأديان واحترام الأديان، وهذا في صلب ممارسات الرسول الكريم احترام الآخرين وحرية الأديان.. فلذلك العلمانية في مكان آخر لا علاقة لها بالليبرالية ولا فصل الدين عن الدولة ولا كل هذه الأشياء». يا لسوء حظ كل من الفيلسوف الإنجليزي جان لوك، والرئيس الأميركي السابق توماس جيفرسون، أنهما ماتا قبل ان يسمعا هذه النظرية.
فبعد عقدين من المتاجرة بالقضية الفلسطينية واسطوانة الممانعة والمقاومة، يبدو أن بشار بدأ باسطوانة الدفاع عن العروبة والإسلام، العروبة لا بمعناها الحضاري والثقافي بل بمعناها «البعثي القومي»، والإسلام لا بمعناه الديني والفكري بل كانتماء لدين القائد الرمز ومعتقداته، فلا دين صحيح إلا ما يراه هو صحيحا.
لقد أعطى بشار الشيخ والفيلسوف أكثر من فرصة للمعارضة بكلامه. فرصة لفتح حوار وطني حقيقي وصريح بين جميع مكونات الشعب السوري التي لعب بشار ونظامه لعبة «فرق تسد»كي لا يتحاوروا أو يتواصلوا، وفرصة تبني خطاب وخطة واضحة تقول فيها المعارضة أي سوريا نريد ولمن نريدها، بعدما وبخطاب علني اعترف بشار الأسد للسوريين وللمجتمع الدولي بأنه كان يكذب ويسوق لدعاية كاذبة منذ عشر سنوات، عن علمانيته وحمايته للأقليات.
ولكن يبقى أخطر ما قاله رئيس النظام السوري بشار الأسد وهو يلبس تارة عباءة الشيخ وتارة أخرى رداء الفيلسوف، هو اعتبار المؤسسة الدينية رديفة للجيش، شيء ما يشبه العلاقة بين الولي الفقيه والحرس الثوري؟