المركز اللوجستي في السودان ... عودة روسية للقارة الأفريقية

الاتفاق الروسي السوداني... مصالح متبادلة

* لم يكن توقيع الاتفاق البحري بين روسيا والسودان مفاجأة لكنهعكس ما شهدته علاقات البلدين من تطورات مهمة تعود إلى عام 2014، حينما صوتت الخرطوم لصالح موسكو ضد قرار الأمم المتحدة بشأن ضم شبه جزيرة القرم
* السياسة الروسية تولي أهمية خاصة للتعاون الثنائي بين روسيا والدول الأفريقية كل على حدة، وهو ما برز جليا في التعاون الروسي السوداني
* الاتفاق البحري الجديد الموقع بين البلدين يمثل حلقة جديدة في مسلسل تعزيز التواجد الروسي في القارة الأفريقية بصفة عامة وفي السودان على وجه الخصوص

القاهرة: في السادس عشر من ديسمبر (كانون الأول) الحالي (2020)، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوما أعلن فيه مصادقته على مقترح حكومته الخاص بتوقيع اتفاق مع السودان بشأن إنشاء مركز إمداد مادي فني لقوات الأسطول الحربي البحري الروسي في الأراضي السودانية، مطالبا حكومته بالتوقيع النهائي على هذا الاتفاق الذي تم إبرامه في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 مع الحكومة السودانية، الأمر الذي أثار جدلا واسعا حول دور هذا المركز اللوجستي الروسي على البحر الأحمر، سواء من حيث أهدافه بالنسبة للطرفين، أو من حيث توقيت توقيع هذا الاتفاق، أو من حيث انعكاسات هذا الوجود الروسي على الأوضاع في منطقة البحر الأحمر بصفة خاصة ومنطقة الشرق الأوسط على وجه العموم، وهو ما يستعرضه هذا التقرير من خلال المحاور الآتية:
 
أولا: مضمون الاتفاق الروسي السوداني
نصت الوثيقة الأولية المؤلفة من ثلاثين صفحة والتي نشرت على موقع الحكومة الروسية على اتفاق البلدين لإنشاء مركز دعم لوجستي في الضاحية الشمالية لمدينة بورسودان على البحر الأحمر، على أن يقدم هذا المركز مجموعة من الخدمات للقوات البحرية الروسية، تتمثل فيما يأتي:

  • تأمين تصليحات وعمليات التزويد بالوقود واستراحة أفراد طواقم البحرية الروسية.
  • إمكانية استقبال 300 عسكري وموظف مدني كحدّ أقصى. 
  • إعطاء الجانب السوداني الحق في استخدام منطقة المرسى بالاتفاق مع الجهة المختصة من الجانب الروسي، وإمكانية بقاء أربع سفن حربية كحد أقصى في القاعدة اللوجستية البحرية، بما في ذلك السفن البحرية المزودة بنظام الدفع النووي بشرط مراعاة معايير السلامة النووية، على أنه يتعين على روسيا إخطار الجانب السوداني قبل 12 ساعة من دخول سفنها و3 ساعات قبل مغادرتها من هناك. 
  • إعطاء الحق لروسيا في أن تنقل عبر مرافئ ومطارات السودان أسلحة وذخائر ومعدات ضرورية لتشغيل هذه القاعدة البحرية.
  • يكون الاتفاق نافذاً لمدة 25 عاماً، بعد تجديد تلقائي بعد مرور عشر سنوات إذا لم يطلب أي من الطرفين إنهاءه مسبقاً.
 
ثانيا: الاتفاق الروسي السوداني
لم يكن توقيع الاتفاق البحري بين البلدين مفاجأة بقدر ما أنه عكس ما شهدته علاقات البلدين من تطورات مهمة تعود إلى عام 2014، حينما صوتت الخرطوم لصالح موسكو ضد قرار الأمم المتحدة بشأن ضم شبه جزيرة القرم، إذ مثل هذا الموقف تقاربا بين الطرفين، عززته زيارة الرئيس السوداني المعزول عمر البشير عام 2017، وطلبه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حماية السودان من الولايات المتحدة، بل ودعا إلى تعزيز التعاون العسكري مع موسكو، حيث وصف البشير السودان بأنه «مفتاح روسيا لأفريقيا»كما طرح فكرة القاعدة البحرية، وقد لاقى هذا المطلب صدى واسع المدى لدى القيادة الروسية التي وضعت ضمن خططها الاستراتيجية العودة الجيوسياسية إلى أفريقيا ليس فقط من خلال المجال العسكري كما كان عليه الحال خلال خمسينات وستينات القرن المنصرم، وإنما من خلال العديد من المشاريع في المجالات النووية المدنية وكذلك مجالات التدريب المشترك. ولعل قمة سوتشي الروسية الأفريقية الأولى 2019 مثلت نقطة انطلاق رئيسية في تنفيذ الاستراتيجية الروسية حيال القارة الأفريقية، تلك الاستراتيجية التي يبدو تبنيها لمنهج التعامل الجمعي مع دول القارة إلا أن الواقع يؤكد على أن السياسة الروسية تولي أهمية خاصة للتعاون الثنائي بين روسيا والدول الأفريقية كل على حدة، وهو ما برز جليا في التعاون الروسي السوداني، حتى ما قبل هذه القمة حينما وقع السودان مع شركة «سيبيريان»الروسية عام 2015 اتفاقا يقضي بتعهد الشركة باستخراج ذهب قيمته 1,7 تريليون دولار من الأراضي السودانية، ويعد هذا الاتفاق الخطوة الأكثر أهمية في تعزيز علاقات البلدين، ثم يأتي عام 2018 ليشهد اتفاقا اقتصاديا جديدا بين البلدين بشأن بناء مصفاة لتكرير النفط في بورسودان، كما بزر هذا التعاون كذلك خلال الأزمة السياسية التي واجهها السودان حينما أعلن الكرملين في يناير (كانون الثاني) 2019 عن أن هناك مدربين روسا يتواجدون منذ بعض الوقت إلى جانب القوات الحكومية السودانية، وهو ما ترسخ بشكل أكبر بمقتضى توقيع البلدين لاتفاق تعاون عسكرى في مايو (أيار) 2019 مدته سبع سنوات كانت من بين نصوصه تبادل الآراء والمعلومات حول القضايا العسكرية والسياسية وقضايا تعزيز الثقة المتبادلة والأمن الدولي، وتبادل الخبرات في عمليات حفظ السلام تحت رعاية الأمم المتحدة، والتفاعل في البحث والإنقاذ في البحر وتنمية العلاقات في التدريب المشترك للقوات، ليؤكد كل ذلك على أن الاتفاق البحرى الموقع مؤخرا بين البلدين يمثل حلقة تستكمل بها موسكو تواجدها المباشر والمهم في الأراضي السودانية، وهو ما يحقق لها مجموعة من المصالح، منها: 
  1. مجاراة الوجود العسكري الأميركي والصيني في القارة الأفريقية، إذ أرادت موسكو أن لا تغيب عسكريا عن القارة الأفريقية التي تشهد تنافسا أميركيا صينيا، صحيح أن الوجود العسكري الأميركي مركز بشكل رئيسي في غرب القارة إذ تظهر الخرائط وجود أكثر من 29 قاعدة أميركية في 15 دولة ومناطق مختلفة تتركز في دول الساحل الغربي للقارة الأفريقية، فضلا عن قاعدتها في جيبوتي إلى جانب القاعدة الصينية التي لا تملك الصين غيرها في القارة الأفريقية، وهو ما يجعل التوجه الروسي شرق القارة أسهل مقارنة بالتواجد في غربها في ظل هيمنة أميركية وغربية واسعة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى ترى موسكو في وجودها على البحر الأحمر استكمال لمنظومة وجودها في شرق المتوسط (الوجود العسكرى الروسي في سوريا)، فضلا عن تمكنها من مواجهة النفوذ التركي الذي نجح خلال فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير من توقيع اتفاقية تركية سودانية بشأن ميناء سواكن على البحر الأحمر والتي لا يزال مصيرها مجهولا حتى الآن. ملخص القول إن الوجود العسكري الروسي في السودان يعطيها نقطة انطلاقة عبر محورين مهمين: الأول، أفريقيا إذ يعد المركز اللوجستي بمثابة نقطة مهمة لتوسيع حضورها البحري في منطقة القرن الأفريقي، وأفريقيا بصفة عامة، بما يفتحه من آفاق رحبة لتنمية التعاون العسكري الروسي الأفريقي، بل ويفتح الأسواق الأفريقية للسلاح الروسي. والثاني عربيا، إذ يمنح المركز روسيا حضورا استراتيجيا في المنطقة العربية والشرق الأوسط، في ضوء مثلث القواعد البحرية الروسية في سوريا – السودان – ليبيا، وما لذلك من تداعيات استراتيجية هامة.
  2. الأهمية الجيواستراتيجية التي يشغلها البحر الأحمر باعتبارها ممرا حيويا لمرور النفط والتجارة الدولية، وهو ما كان محل اهتمام متزايد من القوى الدولية والإقليمية، خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان أن التواجد في هذه المنطقة كان حلما يراود موسكو منذ الحقبة السوفياتية، حيث سعى الاتحاد السوفياتي للحصول على موطئ قدم فيها  عبر محاولات في الصومال، ثم إثيوبيا، إلا أنها لم تكلل بالنجاح. صحيح أن لروسيا اليوم تواجدا ضعيفا في المحيط الهندي ممثلا بسفينتين فقط إلى جانب عدد من الغواصات، إلا أنه من الصحيح أيضا أن وجود مركز لوجستي في هذه المنطقة يعد بمثابة أول تشكيل بحري روسي في البحر الأحمر، يمنحها موطئ قدم مهما يمكنها من تحقيق حزمة من الأهداف مجتمعة، كما أشار إلى ذلك بوضوح المدير التنفيذي للجنة التنسيق للتعاون الاقتصادي مع أفريقيا ستانيسلاف ميزينتسيف، الباحث في معهد الدراسات الأفريقية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، وذلك بقوله: «إن السودان هو مفتاح للبحر الأحمر، وبالتالي حوض المحيط الهندي للسفن الحربية الروسية... نظرا لأن السودان هو البلد الذي يسيطر على ساحل البحر الأحمر وهو ثاني أكبر ناقل للبضائع... وأن التواجد في المنطقة يضمن مشاركة روسيا في جميع العمليات الإقليمية، وإذا كان للأسطول الروسي قاعدة بحرية هناك فإنه سيعزز المواقع الاستراتيجية الروسية للجغرافيا السياسية».
  3. حماية المصالح الروسية في البحر الأحمر وتحديدا بعد قيامها ببناء مصفاة للنفط في بورسودان، وهو ما أشار إليه الخبير الروسي بمجلس الشؤون الدولية إيليا كرامنيك بقوله: «من الطبيعي أن تكون إحدى مهمات قاعدتنا العسكرية حماية هذه المنشأة الهامة (مصفاة النفط)».
ميناء بورسودان على البحر الأحمر حيث تقيم روسيا قاعدتها العسكرية بالقرب منه

على الجانب الآخر، يرى السودان أن توقيع هذا الاتفاق في ذلك التوقيت تحديدا يحقق له مجموعة من الأهداف أبرزها: 
  • إمكانية الحصول مجانا على أسلحة ومعدات عسكرية، وهو ما تحتاجه الحكومة السودانية في هذا التوقيت الذي تواجه فيه تحديات عدة داخليا وخارجيا، إذ إن الدفاعات التي ستحمي المركز من شأنها مساعدة السودان في حماية بوابته الشرقية من خلال إمدادها بمنظومات دفاعية حديثة ومتطورة، على غرار تسلم قيادة البحرية السودانية في قاعدة بورسودان البحرية سفينة تدريب حربية مهداة من روسيا والتي تعد إضافة حقيقية لقدرات القوات البحرية السودانية. هذا فضلا عن مساعدة السودان كذلك في تنمية قدرات عناصرها البشرية العسكرية والبحرية من خلال توفير فرص للتدريب داخل القاعدة على منظومات متطورة. 
  • مساعدة السودان في إقامة علاقات متوازنة مع الفواعل الدولية والإقليمية بما يحرره من السيطرة الأميركية الكاملة على شواطئه وموانيه، مستفيدة في ذلك من أمرين:الأول، توجهات السياسة الروسية في عدم ربطها بين التعاون المشترك مع مختلف الدول دون التدخل في شؤونها الداخلية. الثاني، عدم وجود تاريخ استعماري للدولة الروسية في القارة الأفريقية، وهو ما يفتح المجال أمام العودة الروسية وإن كانت بمقاربات مختلفة عما كان عليه الحال في زمن الاتحاد السوفياتي. ولكن التساؤل الرئيسي هنا، إلى أي مدى يمكن أن تنجح السودان في تحقيق هذه العلاقة التوازنية بين الوجود الروسي الجديد والتقارب السوداني الأميركي ما بعد الاتفاق السوداني الإسرائيلي الخاص بالزراعة كخطوة أولى لتطبيع علاقات البلدين؟ إذ إنه من المنتظر في ظل السياسة الأميركية الجديدة تجاه السودان ورفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، من شأن ذلك تعزيز التقارب الأميركي السوداني، الأمر الذي يستوجب من القيادة السودانية التحرك بحرفية عالية في كيفية ضبط عقارب علاقاتها مع الطرفين، وهو ما قد يجد صعوبة في تلك الأوضاع الراهنة التي يواجه فيها السودان عديد المشكلات الداخلية والأزمات الخارجية.

 
ثالثا: الاتفاق البحري... حلقة في مسلسل تعزيز التواجد الروسي
لن يكون مبالغة القول إن الاتفاق البحري الجديد الموقع بين البلدين يمثل حلقة جديدة في مسلسل تعزيز التواجد الروسي في القارة الأفريقية بصفة عامة وفي السودان على وجه الخصوص، وذلك في ضوء الوحدات الروسية العاملة في السودان والبالغ عددها خمس وحدات تشمل كلا من: الوحدة العسكرية التي تعنى بالعلاقات العسكرية الخاصة بالأسلحة والتدريب. الوحدة الأمنية التي تعمل في المجالات الأمنية سواء كان ذلك من ناحية حماية المنشآت أو الأفراد. الوحدة التعدينية وهي تضم عددا من الشركات العاملة في مجال تعدين الذهب أو اليورانيوم أو الكروم والمعادن الأخرى. الوحدة العقارية التي تعمل في مجال البناء وغيره. الوحدة الزراعية العاملة في مجال التنمية الزراعية والحيوانية.
ومن ثم، فتأسيس هذا المركز يمثل خطوة أولى في سبيل إقامة قاعدة عسكرية روسية في السودان. صحيح أن تصريحات المسؤولين في البلدين تؤكد على أن الهدف من تأسيس هذا المركز هو الحفاظ على السلم والاستقرار في المنطقة، كون أن هذا المركز يحمل طابعا دفاعيا وليس موجها ضد دول أخرى، إلا أنه من الصحيح كذلك في ظل الخبرة السابقة للوجود الروسي في سوريا يؤكد على أن هذا المركز يمثل مرحلة أولى في سبيل إقامة قاعدة عسكرية. وجميعنا يعلم الفارق بين المركز اللوجستي والقاعدة سواء من حيث عدد السفن التي يمكن استضافتها، وحجم الأطقم العاملة فيها، حيث تتسع القاعدة عادة لتشمل ورش صيانة ومراكز اتصالات ونظم دفاع جوي، ما يضاعف من عدد الأفراد العاملين فيها مقارنة بالأعداد المحدودة في حالة وجود مركز دعم لوجستي. يؤكد على ذلك ما جاء على لسان رئيس أركان البحرية الروسية السابق فيكتور كرافتشينكو في مقابلة مع وكالة أنباء «إنترفاكس»بشأن أهمية تأسيس هذا المركز في تلك المنطقة الموسومة بأنها: «منطقة متوترة... وأن وجود البحرية الروسية هناك ضروري. وفي وقت لاحق يمكن أن تتطور منه قاعدة كاملة»، وذلك على غرار ما حدث في سوريا، إذ إن روسيا كانت تملك مركزا مماثلا في ميناء طرطوس السوري حتى سنوات قليلة إلى أن حصلت موسكو على حق إقامة قاعدة بحرية كاملة هناك قبل عامين.