يهود إيران تحت وطأة التمييز والضغوط والقيود

أعدمت الجمهورية الإسلامية بعد الشاه عددا كبيرا من الشخصيات اليهودية البارزة
السلطة الحاكمة تجبر اليهود على المشاركة في كافة التجمعات والتظاهرات الحكومية المناهضة لإسرائيل
تقدم المسلسلات التي تعرض في القنوات الرسمية الإيرانية والتيارات الدينية المتشددة صورة لليهود على أنهم أشخاص يتسمون بالبخل والخبث والمكر وكراهية المسلمين

ارتبط اليهود بتاريخ إيران منذ 3 آلاف عام وحياتهم مليئة بالصعود والهبوط في البلاد. أعدمت الجمهورية الإسلامية بعد سقوط محمد رضا بهلوي آخر شاه لإيران عددا كبيرا من الشخصيات اليهودية البارزة آنذاك على غرار حبیب القانيان رئيس جمعية یهود طهران، مما أدى إلى هجرة واسعة لليهود من إيران إلى إسرائيل.
وقالت جيلا جملئيل وزيرة المساواة الاجتماعية السابقة في إسرائيل في تصريحات أدلت بها في 2019 إن قيمة الأملاك التي تركها اليهود في إيران بعد قيام الثورة ومغادرتهم للبلاد تبلغ 31 مليارا و300 مليون دولار.
وأجرت «المجلة»حوارا مع مونشيه أمير الصحافي اليهودي حول الظروف التي تمر بها الجالية اليهودية في إيران والانتهاكات بحقها من الممارسات التمييزية والضغوط والقيود المفروضة عليها.
مونشيه أمير: یهودي من أصل إيراني وهو رئيس تحرير إذاعة «صوت إسرائيل»الناطقة بالفارسية ویعمل هناك منذ أكثر من 50 عاما.
 يقول مونشيه أمير إن نحو 80 ألف يهودي اضطروا إلى مغادرة إيران بعد قيام الثورة.
وأضاف أمير أن مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني تبنى خطابا مناهضا لإسرائيل قبل وصوله إلى السلطة وبدأ منذ ذلك الحين حملة دعاية واسعة حول هذا الأمر بأن العقيدة الشيعية ترى أن أتباع الديانة اليهودية وغيرها من الديانات أنجاس ولا يجوز إقامة علاقات اجتماعية واقتصادية معهم. 
وتابع: «لقد بلغ العداء الشديد للسلطة الحاكمة في إيران حيال إسرائيل مستويات غير مسبوقة حتى تستخدم فيها أسوأ العبارات والإساءات المشينة للتعبير عن الصهيونية والقومية اليهودية، وتتهم اليهود وإسرائيل بشرور العالم كافة. وتتهم السلطات الإيرانية الصهيونية بكل ما يقع في بلادهم من أحداث مأساوية، حيث كانت هذه النظرة الرسمية هي السبب الرئيسي الذي دفع العديد من يهود إيران يغادرون وطنهم».
وأشار إلى الأسباب الأخرى التي ساهمت في هجرة اليهود من إيران بعد قيام الثورة، قائلا: «بدأ اليهود يشعرون بالقلق والخوف على حياتهم إثر الدعاية الحكومية المناهضة لليهود، ومنها موضوع النجاسة والضغينة والحقد غير المسبوق تجاه إسرائيل والصهاينة وهذا ما دفعهم لمغادرة إيران. وانطلقت موجة واسعة للغاية لهجرة اليهود بعيد الثورة حيث غادر نحو 30 ألف يهودي من أصول إيرانية البلاد خلال الأشهر الستة الأولى من قيام الثورة وهذا المسار لم يتوقف. بالطبع اختلفت ظروف اللجوء والهجرة في الوقت الراهن وأصبحت الدول تتخذ إجراءات مشددة لقبول طلبات اللجوء ولكن هجرة اليهود من إيران مستمرة... وبناء على تقديراتي فإن عدد اليهود في إيران في الوقت الراهن يبلغ نحو 4 إلى 5 آلاف نسمة أي انخفضت نسبتهم إلى واحد من كل 20 شخصا بشكل عام مما يدل على أن اليهود في إيران على غرار غيرهم من سكان البلاد ليسوا متفائلين حول مستقبل البلاد ومصيرهم هناك فيضطرون إلى المغادرة».
وأضاف: «تحاول السلطة الحاكمة الحفاظ على الشكليات المتعلقة بالديانة اليهودية والإيحاء بأنها تحترم حرية الأديان، وبناء على ذلك فنجد أن الكنائس اليهودية تزاول نشاطاتها في ظاهر الأمر غير أن الحقيقة هي أن كنيستين من أصل ١١ كنيسة في طهران تؤديان مهامهما».
وأوضح أمير أن القيادات الإيرانية بعد قيام الثورة بسطت نفوذها على المدارس اليهودية وقامت بتغيير المديرين وجلبت أتباعها في النظام ليتولوا مهام إدارة المدارس اليهودية. 
وتابع: «يجب على الطلاب اليهود في إيران وبناء على المنهج الدراسي أن يدرسوا ويتعلموا النسخة المترجمة لكتاب التوراة بالفارسية وليس النص الأصلي العبري. تم حظر تدريس اللغة العبرية في المدارس فلذا على الطلاب الراغبين المشاركة في جلسات تدريس خاصة لتعلم لغتهم».


 
اليهود وقمع الهوية الدينية
السبت هو اليوم الأسبوعي المقدس عند اليهود واليهود المتدينون لا يعملون، ويقضون هذا اليوم عطلة. يقول مونشيه أمير: «إن التلاميذ اليهود في إيران مضطرون إلى الذهاب للمدرسة في أيام السبت الذي يعتبر يوم عطلة بالنسبة لهم وتزعم السلطة الإيرانية أنه لا يجوز اعتماد السبت عطلة رسمية إضافة للجمعة. وبالتالي أصبحت الديانة اليهودية والتعاليم الدينية لأتباعها فارغة من مضمونها بسبب سياسة السلطة الحاكمة. يتبنى المنهج الدراسي للطلاب اليهود مجموعة من المعلومات الشرعية دون التعمق في فهم الديانة اليهودية. فهذا تقديم استعراضي لليهودية ولا يمت بأي صلة في الجوهر. اجتماعيا يمكن القول بأن اليهود يتمتعون بظروف آمنة نسبيا غير أنهم يواجهون ضغوطا وقيودا مشددة بشأن إقامة طقوسهم الدينية في المدارس وبقية الأماكن».
وبسؤال مونشيه أمير عن الشق التجاري والنشاط الاقتصادي للجالية اليهودية في إيران، أجاب: «إن النشاط التجاري لليهود في إيران أفضل من غيرهم نسبيا فإنهم يعملون بكد. وقامت السلطات الإيرانية بعد قيام الثورة بإقصاء كل اليهود من وظائفهم في قطاعات الهندسة والتعليم وبقية المؤسسات الحكومية. إن هذه الحملة الإقصائية الواسعة لم تشمل اليهود فقط بل طالت المسيحيين والزرادشتيين والبهائيين. كما أن عدد الطلاب اليهود وأتباع الديانات الأخرى في الجامعات الإيرانية قليل جدا وهذه القلة تتعرض لشتى أشكال التمييز في الجامعات التي تمنح مقاعدها للطلاب المسلمين وخاصة المنتمين لقوات التعبئة. ولا تخصص الجامعات الإيرانية مقاعد كثيرة للطلاب اليهود أو بقية الأقليات الدينية. ومع كل ذلك فإنه في إيران لدينا أطباء يهود بارعون. وينشط اليهود في كافة فروع الطب في إيران وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى المستشفى ومؤسسة الدكتور سبير للأمور الخيرية الواقع في شارع سيروس في طهران والذي يدار من قبل فريق طبي كل أعضائه من أصول يهودية على فكرة هذا المستشفى الحكومي وأغلب المراجعين فيه من المسلمين».
تبلغ ذروة التصعيد والتصريحات والهجمات الحادة التي يطلقها مرشد الثورة والقيادات العليا في النظام بشأن إسرائيل والدعوة لمحوها من الخريطة والترويج للخطاب المناهض لليهود في الفعاليات التي يطلقها النظام الإيراني ومن أهمها يوم القدس في إيران.
 




الحاخام يونس حمامي لالهزار في كنيس أبرشامي في طهران ، حيث توجد ستة أماكن عبادة من هذا القبيل ( غيتي)

ويعتقد مونشيه أمير أن مستقبل الجالية اليهودية في إيران غير جيد، موضحا أن «السلطة الحاكمة تجبر اليهود على المشاركة في كافة التجمعات والتظاهرات الحكومية المناهضة لإسرائيل. على سبيل المثال نلاحظ بأن السلطة الحاكمة تجلب مجموعة من الجالية اليهودية وتضعهم في الصفوف الأمامية في المسيرات الحكومية السنوية في ما يطلق النظام عليها (يوم القدس) ويجب على هؤلاء كغيرهم من المشاركين إطلاق هتافات الموت لإسرائيل. لقد أجبرت السلطات الحاخام الأكبر لليهود في إيران بإطلاق تصريحات مناهضة للصهيونية وأن هناك فرقا كبيرا بين الصهيونية واليهودية لكن السلطات الإيرانية أجبرت هذه الشخصية اليهودية على تكرار شعاراتها. تطلق السلطات الإيرانية حملات دعائية واسعة حول أن اليهود في إيران لا يميلون بتاتا للصهيونية غير أن اليهود وبناء على هدف الحركة الصهيونية يحق لهم أن يعودوا لإسرائيل وهي دولة مستقلة».
وبلغ خطاب الكراهية والتحريض ضد إسرائيل والدعايات الواسعة المناهضة لليهود من قبل النظام الإيراني ذروته بعد وصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة وتصريحاته النارية بشأن محو إسرائيل من خريطة العالم وإنكار محرقة اليهود (الهولوكوست).
ويرى مونشيه أمير أن الرؤساء السابقين قبل تولي محمود أحمدي نجاد كانوا يحضرون الاحتفالات اليهودية غير أن الأوضاع تغيرت منذ وصول أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة، حيث اتخذت الحملات الدعائية والإعلامية المناهضة لليهود منحنى تصاعديا. ونشرت وكالة أنباء «تسنيم»المحسوبة على الحرس الثوري مؤخرا حوارا مع أحد مسؤولي النظام قال فيه: «إن اليهود كانوا منذ زمن بعيد يقتلون العلماء الإيرانيين، وذلك في إشارة إلى حادث اغتيال محسن فخري زاده كبير علماء الجمهورية الإسلامية في المجال النووي والصاروخي».
وأضاف أمير أن الحملات الدعائية والإعلامية المناهضة لليهود من قبل قيادات النظام الإيراني وصلت إلى مستوى تم فيه اتهام اليهود بقتل الأنبياء. 
وقال: «لا يتحمل قادة النظام الإيراني حتى (عيد المساخر) اليهودي والذي يتسم بالبهجة والمرح، زاعمين أن اليهود قاموا بقتل 73 ألف إيراني في يوم واحد ولكن هذه أسطورة وهم صدقوها. والواقع هو أن القتلى توزعوا بين 72 ولاية كانت تخضع لسلطة الإمبراطورية الأسطورية الإيرانية.
وتقدم المسلسلات التي تعرض في القنوات الرسمية الإيرانية والتيارات الدينية المتشددة صورة لليهود على أنهم أشخاص يتسمون بالبخل والخبث والمكر وكراهية المسلمين. 
هذا وتستخدم الجمهورية الإسلامية اتهامات بالتجسس لحساب إسرائيل كسيف على رقاب الجالية اليهودية في إيران وأحدثها هو الإفراج المشروط عن مواطن يهودي إيراني اعتقلته السلطات بعد زيارته لإسرائيل ولقائه بأسرته منذ 3 سنوات.