صائب سلام يتذكر

«المجلة» تنشرها على حلقات

* والدي ذهب إلى حبل المشنقة أكثر من مرة
* أنا مسلم مؤمن ومتمسك بإسلامي

يعتبر صائب سلام اليوم أبرز زعيم سياسي مسلم في لبنان. وهو إضافة إلى دوره المؤثر في الوضع اللبناني الحالي. ذو حضور عربي ودولي. وقد لعب صائب سلام أدوارا مختلفة.في لبنان والمنطقة، خلال 50 سنة من النشاط السياسي.
من هذا المنطلق، عقدت «المجلة»مع صائب سلام جلسات مطولة في منزله في بيروت، كما أجرت لقاءات مع عدد من الذين عرفوه في مختلف مراحل حياته، لتسجيل قصة حياة وذكريات هذا الزعيم السياسي. وستنشر «المجلة»هذه القصة على حلقات مع مجموعة كبيرة من الصور وهنا الحلقة الأولى:
 
منذ الغزو الإسرائيلي للبنان في يونيو (حزيران) 1982، ورئيس وزراء لبنان الأسبق السيد صائب سلام يلعب أدوارا بارزة على الأصعدة اللبنانية والعربية والدولية. فبعد ذلك الغزو الذي استتبع حصار العاصمة اللبنانية بيروت، والحرب الإسرائيلية- الفلسطينية، كان الرئيس سلام صاحب الدور الكبير كوسيط في المفاوضات التي جرت بين القيادة الفلسطينية والدولة اللبنانية من جهة، وبين المفاوض الأميركي فيليب حبيب وبين المقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، وهي المفاوضات التي أدت في سبتمبر (أيلول) 1982 إلى خروج الفدائيين الفلسطينيين من لبنان، وكان فيها الرئيس سلام وسيطا بارعا لفت المراقبين على كل المستويات.
وظهر الرئيس سلام في دور كبير وبارز عندما تعقدت المفاوضات اللبنانية- الاميركية بشأن انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، إذ انتدبه الرئيس اللبناني أمين الجميل موفدا شخصيا له إلى العاصمة الأميركية واشنطن حيث لعب دورا في الضغط على البيت الأبيض لصالح لبنان.
هذان الدوران الكبيران اللذان لعبهما الرئيس سلام لدي حصار بيروت، وفي واشنطن، أعادا رئيس وزراء لبنان الأسبق إلى واجهة الأحداث الجارية في لبنان خاصة والشرق الأوسط عامة. ومن هذا المنطلق رأت «المجلة»أن تروي قصة حياة هذا الزعيم اللبناني البارز من خلال إلقاء الأضواء على محطات مهمة وبارزة في مسيرته السياسية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، عقدت «المجلة»جلسات عدة مع هذا الزعيم اللبناني العربي- الذي يشرف اليوم على الثمانين من عمره، والذي مضى على اشتغاله في الحقل السياسي أكثر من نصف قرن.
فضلا عن كونه سجل أعلى رقم في ترؤسه الوزارات اللبنانية المتعاقبة (سبع مرات). وكانت هذه الجلسات التي عقدتها «المجلة»مع الرئيس سلام تقطع غير مرة بسبب استقباله شخصيات سياسية وإعلامية، لبنانية وعربية ودولية، إلى جانب جدول مواعيده الحافل بلقاءات الصحافيين والمراسلين الأجانب في شتى أنحاء العالم.
ومن خلال هذه الجلسات لا يمكن للمرء أن يصدق كون صائب سلام شارف على الثمانين من عمره، إذ إنه يبدو دون الستين نظرا إلى الحيوية المتدفقة منه. وهو أمر عائد إلى سر ستكشفه وقائع هذه الجلسات.

 

 صائب سلام مع المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود 


 
من هو؟
والجديد بالذكر أن أولى جلسات «المجلة»مع صائب سلام تمت يوم نسف السفارة الأميركية في بيروت، وهو يوم كان صاخبا في منزل الزعيم البيروتي الذي لا يتعب من الاجتماعات ولا اللقاءات ولا التصاريح والأحاديث السياسية للصحافة ما دامت تصب في خانة الوطن وإنقاذ الوطن.
في هذا الجو المتوتر (نسف السفارة الأميركية) يحاول الرئيس سلام أن يعتذر عن عدم متابعة الجلسات معنا، «لأن الوقت ليس في صالح مثل هذه القصة ولا هو يخدم كون صائب سلام يتذكر». لكن الزعيم البيروتي لا يلبث أن يلين أمام إلحاحنا، ونبدأ معه في البيت الذي طلعت منه هذه الشخصية العربية الإسلامية التي خدمت وطنها ودينها في آن واحد. 
فالبيت الذي ولد فيه كان على مر السنين بيتا للنضال الوطني ومقرا للكفاح القومي وملتقى الأحرار من لبنان ومن دنيا العرب،على حد ما يقوله المقربون من آل سلام.. وكم من مرة كان الطفل والفتى والشاب صائب سلام يصحو من النوم على قرقعة سلاح الجنود الأتراك ثم جنود الاستعمار الفرنسي، وهم يحاصرون البيت و يضيقون الخناق على والده أبو علي سلام، مما يزيده حقدا على الاستعمار، وبالتالي تتحول كل طاقاته إلى عمل نضالي، يدفع ثمنه سجنا وتشردا واضطهادا. في هذا الجو لم ينعم صائب سلام بحنان الأبوة، بل أدرك أن حياته في كنف هذا المناضل العنيد لن تكون ترفا وبزخا بل إنها ثورة تلفح مشاعره ولا بد من أن تكون مسيرة حياته شاقة ومرهقة وخشنة.
من هنا صمم صائب سلام على اختيار الطريق الأصعب ألا وهي متابعة مسيرة والده.

 

عائلة سليم علي سلام (العام 1906) ويبدو فيها صائب محمولا من والده 


 
من هو صائب سلام وكيف نشأ؟ 
تروي شقيقته عنبرة سلام الخالدي ذكرياتها عنه فتقول: «أتي صائب إلى الدنيا (الساعة العاشرة من صباح الثلاثاء 17 يناير/ كانون الثاني 1905) بفرحة لم يلقها أحد من إخوته، حتى ولا البكر على ما أعتقد. وكان سبب ذلك أنه جاء بعد شفاء أمي من مرض أشرفت فيه على الخطر الشديد، وأظهر هو أهليته لهذه الحفاوة. فكان محبا لدرسه يكب على المطالعة دون ملل، مهذبا في البيت وخارجه، ويحافظ على كرامته من أن يمسها أحد بأذى وأعتقد أنه لم يضرب كفا في حياته، بل كانت العائلة جميعها تحافظ على مراعاة شعوره. وكان إلى ذلك كريم اليد جسورا في الدفاع عن نفسه وحماية الآخرين، شجاعا في إبداء آرائه التي بدأ يكونها منذ الصغر، فلا يتهيب في إبدائها ولا يخالجه وجل. حتى أصبح أفراد العائلة من الأب والأم والأولاد يمحضونه الحب الشديد ويعلقون عليه الآمال ولم يشب عن طفولته قليلا حتى نشأت بيني وبينه صداقه دائمة هي أشبه بصداقة أختين منها بصداقة أخ وأخت، فكنت أطلعه على أسراري كما كان لا يغيب عني شيء من خفاياه. وكثيرا ما كنا نقضي الأوقات معا في مطالعات أدبية مشتركة نتبعها بمناقشات وانتقادات، وظهرت ميوله السياسية منذ مطلع شبابه فهو يهتم بكل المسائل السياسية، العالمية منها والعربية، عدا عن السياسة اللبنانية. وقد عهدت إليه من قبل العائلة ممارسة الأمور السياسية، فانتخب نائبا عن بيروت ثم أصبح وزيرا فرئيسا للوزراء عدة مرات فزعيما مسؤولا في قومه. هذا مع تمرسه برئاسه جمعية المقاصد الإسلامية، التي يعطيها من وقته ومن قلبه كل ما يملك من عطاء».
 
 

صائب سلام بين الملك فيصل الثاني (ملك العراق السابق) والأمير عبد الاله، ويبدو في الصورة التي التقطت في بيروت عدد من الشخصيات اللبنانية بينها الأمير مجيد أرسلان



الصدق والشجاعة... والسجن
صائب سلام السياسي المحنك ورجل المحبة والتسامح. رجل المواقف ماذا تعلم من والده أبو علي سلام المناضل ضد كله مستعمر دخل لبنان؟
يقول صائب سلام: «يولد الإنسان وتولد معه صفات بيولوجية ونفسية وعقلية معينة. كما أنه يرث أشياء عديدة من أسلافه لكن الإنسان بطبعه يأخذ ما يراه مناسبا من محيطه منذ بدء وعيه وهنا أستطيع القول إن بعض الناس يلتقطون الأشياء عفويا والبعض الآخر يمتصها عفويا وعقلانيا أيضا. بمعنى أن الإنسان مقلد ولا عيب في ذلك. لأن التقليد الذي يقوم به الإنسان يكون بديهيا بحيث ينبع مما حوله أو مما يشاهده. 
ويبدأ ذلك مع الوعي بحيث يحاول الإنسان في هذه المرحله تقليد الأشياء المفيدة. وبالطبع يقلدها أينما استطاع ألتقاطها: «الحكمه ضالة المؤمن أنى وجدها التقطها». فالإنسان العاقل الذي يريد أن يعزز شخصيته ووجوده يأخذ الحكمة أنى التقطها. وهنا تأتي الإمكانات، يأخذها من الأقرب فالأقرب فالأقرب إليه، إذا: يأخذها من حوله. وهنا أستطيع القول إنه من البداهة أن آخذ من والدي الشيء الكثير. وربما كان هذا الأمر شأن كل ابن نحو أبيه. لكن بالنسبة إلي كانت لوالدي منزلة خاصة في نفسي لما كنت أرى فيه من رجولة مبنية على الصدق. الصدق المطلق، إذ لم يكن يهمه- في أحيان كثيرة- أن يرتد عليه هذا الصدق فيؤذيه.أخذت من والدي الصدق والصراحة فالمعروف أن صراحة القول تلازم دائما الصدق. ومن البديهي أن الذي لا يكون صادقا مع نفسه ومع الغير، لا يمكنه أن يكون صريحا وذا مواقف، وبالتالي يأتي دور الشجاعة فأقول إن الإنسان الصادق والصريح لا بد وأن يكون شجاعا، بمعنى أن الشجاع هو من لا خلفيات سيئة لديه يمكن أن تكون مأخذا عليه فيخشاها، إذاً فالشجاعه هي تعبير عن واقع إنسان لا خلفيات سيئة لديه، كما أن واقعه والمواقف التي يتخذها تكون كلها مبنية على صدق مع النفس ومع الغير. كما أن الصراحة تكلف الإنسان الشيء الكثير، قد تسأليني: ماذا تكلفه؟ فأقول أعباء شاقة. فقد كلفت والدي، هذه الصراحة وما لازمها من صدق. الدخول الى السجن مرات عديدة أيام الحكم التركي. كما أن عنقه وصل إلى حبل المشنقة أكثر من مرة. لكن العناية الإلهية لم تشأ أن تتخلي عنه وأبعدت عنه حبل المشنقة، لأسباب كثيرة لا مجال لشرحها الآن. كما أن والدي لم ينج من السجون أيام الاحتلال الفرنسي والسبب؟
التزامه بالصدق مع نفسه وصراحته مع الآخرين. وما كان يتلازم مع ذلك من نضال وطنى تدفعه إليه الغيرة الوطنية. كل هذه الأمور أثرت في بلا شك. وأنا عشت حياتي على حد القول المأثور: «لا خيل عندك تهديها ولا مال..».ولم يكن وضعي باستمرار غير مريح ماديا فقط، بل كان وضعي باستمرار مرهقا إلى أبعد حدود الإرهاق ماليا. ولم يكن لي من سند: لا جيوش ولا قوى مسلحة كما ظهر على الساحة اللبنانية في المدة الأخيرة، بل ربما كانت مواقفي الملتزمة بالصراحة والصدق هي التي ولدت لي الضغوط من هنا وهناك، أي من محليين يخاصمون، وأنا لا أخاصم أحدا، أو من أدوات يعمل أصحابها للخارج فيسرحون ويمرحون في هذا البلد. لكنني والحمد لله بقيت على صراحتي وبقيت على مصداقيتي مع نفسي ومع أبناء بلدي وكذلك عقيدتي».
 
أنا مسلم مؤمن ومنفتح 
 
* صائب بك، هل يمكنك تلخيص هذه المبادئ؟
- أنا مسلم مؤمن، متمسك بإسلاميتي. لذلك يجدني أبناء وطني منفتح القلب، ممدود اليد لإخواني المسيحيين. هنا يعتقد البعض- رغم شدة إسلاميتي- أن ما أقوم به غير صحيح. لكن أغالطهم الرأي. فلأنني مسلم والحمد لله. حقا وحقيقة. لذلك أفتح قلبي لإخواني المسيحيين وأمد لهم يدي. وأعتني بوطني من خلال ما يدعو إليه ديني. وأنا أعتز بأنني ذو عقيدة إسلامية هي التي تعزز وجودي اللبناني في وطني الذي له علي حقوق ولي فيه مصلحة لنفسي ولأولادي من بعدي.ولأبناء وطني الذين لهم معزة في قلبي. وكذلك لعروبتي. هذا ما تدعوني إليه عقيدتي ومبادئي. لذلك فكل هذه الأشياء.ربما يكون لوالدي التأثير الأكبر فيها علي.
 
ويتذكر الرئيس سلام الحادثة التالية: «أذكر يوم وفاة والدي أن الناس- أو حسب ما يقولون الشعب (ولا أحب أن أقول الجماهير، لأن هذه الكلمة أنكرها وأستنكرها وأعتبرها لصيقة ومنبثقة من الجماهير الفالتة عن القواعد والأخلاق). لنعد إلى رواية والدي،  فالناس والشعب افتقدوه كثيرا. وأكثر ما أثر في ما قاله أحدهم يوم وفاته: «ماذا أقول عن سليم علي سلام؟ أصفه شعرا أم نثرا؟ أطيل أو أكون مقتصرا في رثائه؟ سأقول كلمة واحدة تختصر كل حياته من أولها إلى آخرها. حياته كانت نضالا بنضال بنضال، نضالا على الصعيد الفردي، نضال على الصعيد العام، نضال في سبيل الحق والمبدأ والعقيدة».وأنا عشت في هذا النضال:  ماذا حققت من ذلك؟ حققت رضاء لضميري أولا. وهذا شيء هام جدا، وحققت محبة الناس لي وهي رأسمالي الكبير. 
وعندي من أعتز بمحبته من أبناء بلدي. بعيدا كان أم قريبا. وهذا رأسمال أشعر به في قرارة نفسي وهو الذي يمدني بالقوة ويعطيني الدفع لاستمراري في النضال والعطاء وخدمة أبناء بلدي. قلت في بداية الحديث: «لا خيل عندي أهديها ولا مال...»وليس ورائي دول ولا مؤسسات خارجية تدعمني بل أعتمد على هذه المحبة التي أتكل عليها في حياتي.


 
«السياسة مورد الجحيم»
تلقي صائب سلام علومه الثانوية ثم العالية في الجامعة الأميركية في بيروت- قسم السياسة والاقتصاد. وأثناء دراسته الجامعية وقبل انتهائها مر الرئيس سلام بمرحلة الكفاح المرير الشاق إلى جانب والده. ثم اقتحم الساحة السياسية في العام 1943 حيث انتخب نائبا في أول مجلس نيابي استقلالي بالرغم من محاولات السلطتين الفرنسية والإنكليزية لإبعاده عن الساحة.
 هذه المرحلة الشاقة من حياته يرويها صائب سلام فيقول: «مررت بظروف مالية صعبة حالت بيني وبين متابعة دراستي الجامعية. وكان ذلك في العام 1922. لكن عدم حصولي على الشهادة لم يمنعني من الاعتماد على نفسي في متابعة تثقيف نفسي. وهنا تأتي قضية القراءة والاطلاع التي أحث شبابنا عليها طبعا لا أستطيع انكار ما للتحصيل الجامعي من فائدة والدليل على ذلك أنني أنشأت مؤسسة خاصة (مؤسسة صائب سلام للثقافة والتعليم العالي) وعلى نفقتي. ولا أقول من مالي، لأنني لا أملك المال الكافي بل أقول إنني خصصت ربع عقار لي من أجل تأمين الدراسة الجامعية لعدد من أبناء بلدي. وسبب إنشائي هذه المؤسسة عائد لكونى أريد أن أعوض لبعض شبابنا ما فاتني شخصيا. لكن في تصوري أن الثقافة لا تقتصر على الشهادة فقط فكثيرون يضعون ورقة الشهادة في جيوبهم معتقدين أنهم وصلوا إلى أعلى درجة وأنهم أصبحوا مثقفين، هذا هو البعد كل البعد عن الثقافة والمعرفة فالشهادة الجامعية ما هي سوى مفتاح يدخل به الإنسان إلى الحياة العملية والعلمية سواء بسواء. أنا لم أقفل على نفسي ساحة الحياة العلمية بل خضت الحياة العملية وبقيت في نفس الوقت متابعا لحياتي العلمية مع أني أردد دائما أن السياسة هي مورد الجحيم، كنت قبل دخولي عمليا الباب السياسي أقرأ ما معدله خمس كتب في الأسبوع لكن لدى دخولي المعترك السياسي صرت أفتقد قراءة كتاب مهم لأن السياسة تجبرنا- أكثر الأحيان- على قراءة توافه توافه الأمور في بعض المنشورات والمطبوعات، مما يحرمنا متعة قراءة كتاب مهم، لكن يبقى قول المتنبي وهو الأهم بالنسبة إلي: «أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب»،وهنا تأتي قضية أخرى في حياتي، وهي قضية الرياضة التي أتقنتها وأحببتها كثيرا، فقد مارست الفروسية سنين طويله كما أنني مارست كل أنواع الرياضة والبعض يعتقد أن ممارسة الرياضة هي سبب من أسباب امتداد العمر بي وأنا أقول إن للرياضة حقا علي ولكن لا أنسى إيماني الذي يجعلني أقف اليوم على رجلي وبالتأكيد إنه إيماني بالله في الدرجه الأولى.
الأسبوع المقبل الحلقة الثانية