السودان ... فرص اقتصادية وتحديات سياسية

يستعد لقطف ثمار الإزالة من القائمة الأميركية السوداء

* تقلب علاقات السودان مع مؤسسات التمويل الدولية على مدار ستة عقود يشير إلى استخدام القروض والمعونات الدولية لخدمة المصالح السياسية والاستراتيجية للقوى الكبرى
عملية التحول التي تحدثها إعادة علاقات السودان الاقتصادية والسياسية مع العالم، تتطلب أيضا إصلاحات داخلية
* تجاوزت نسبة التضخم في السودان 254 في المائة لشهر نوفمبر الماضي، وتعاني البلاد من نقص حاد في العملات الأجنبية، ما تسبب في عجز الحكومة الانتقالية على توفير طحين الخبز والوقود
 

الخرطوم: يستعد السودان لحصد ثمار جهود طويلة ومضنية استمرت لأكثر من عقدين لرفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، حيث تتيح الخطوة للسودان العودة إلى السوق المصرفية العالمية والانفتاح نحو الاستثمار الأجنبي وفرص التمويل الخارجي، بيد أن هذه القفزة الهائلة تتضمن ضرورة إصلاحات اقتصادية كبيرة وتحديات سياسية أكبر بالنسبة للسودان الذي لا يتبنى حتى الآن فلسفة اقتصادية بشكل واضح  مثل سياسات الاقتصاد الحر أو الاقتصاد المركزي أو المختلط، كما أن فك العزلة الاقتصادية تواجه بمخاوف سياسية كبيرة تتعلق بصراع المصالح والنفوذ الدولي خصوصا في عدم وجود استراتيجية سودانية للتعامل مع منظمات التمويل الدولية.
ومنذ أكتوبر (تشرين الأول) 2017م أعلنت الخارجية الأميركية قرارا برفع للعقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان من جانب الولايات المتحدة، إلا أنَّ ذلك القرار لم يعط أي تأثير يذكر في تخفيف الضائقة الاقتصادية والمالية التي ظلَّ يعاني منها الاقتصاد لفترات طويلة، ولم يستطع السودان الاندماج مع المجتمع الدولي كما هو متوقع، ويعود ذلك في الأساس إلى ضعف التأثير وصعوبة الاندماج في استمرار إدراج السودان كدولة راعية للإرهاب في القائمة   الأميركية.
وأبرمت الخرطوم وواشنطن اتفاقا مهد لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مقابل دفع 335 مليون دولار كتعويضات لأسر ضحايا الهجوم على المدمرة كول في سواحل اليمن عام 2000، وأُسر ضحايا تفجير السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام في 1998.
وعلى الرغم من التعويل الكبير على فرص السودان في الحصول على تمويلات خارجية خصوصا بعد التفاهمات مع صندوق النقد الدولي على إصلاحات اقتصادية من بينها رفع الدعم عن المحروقات البترولية، إلا أن تقلب علاقات السودان مع مؤسسات التمويل الدولية على مدار ستة عقود يشير إلى استخدام القروض والمعونات الدولية لخدمة المصالح السياسية والاستراتيجية للقوى الكبرى، وهو أمر يثير مخاوف قوى سياسية مؤثرة في الحكومة الانتقالية الحالية في السودان.
ويقدَر حجم الدين الخارجي للسودان في حدود 60 مليار دولار بسبب التأخير في الدفع وهو ما ترتب عليه فوائد وتأخير في السداد، وهو يعرقل الاستفادة من العون الخارجي أو التعامل الطبيعي مع الدول ما يتطلب من السودان بدء حملة عالمية وعلاقات من أجل إعفاء هذه الديون، خاصة ديون البنوك والمؤسسات العالمية أو إلغاء الفوائد على الأقل إذ لا يتجاوز أصل الدين الخارجي 25 مليار دولار بينما تتجاوز الفوائد عليه  حوالي 35 مليار دولار.
وحسب الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم فتحي فإن أمام السودان فرصة المطالبات بالإعفاء من الديون الخارجية.
ويقول فتحي لـ«المجلة»إن السودان بإمكانه الاستفادة من مبادرة «هيبيك»لرفع ديون دول العالم الثالث والدول النامية، كما يمكنه الاستفادة من صندوق النقد والبنك الدوليين للحصول على قروض من المؤسسات التمويلية الدولية بشروط ميسرة.
ويتفق كثير من المحللين على أن العلاقات السياسية الخارجية هي المحك في قضية إعفاء الديون بالنسبة للسودان، وفي هذا الصدد يقول فاروق كمبريسي إن العلاقات السياسية المتوازنة والقائمة على المصالح المتبادلة هي المفتاح للحصول على تقدم في مسألة إعفاء الديون، وإتاحة الفرصة للسودان من أجل الاستفادة من التمويل بشروط ميسرة من المؤسسات المالية والدولية وينصح بالاستفادة في هذا الشأن من آخر تجربة في المجال، وهي تجربة الصومال في 25 مارس (آذار) 2020، حيث حصلت على إعفاء للديون وفق مبادرة (هيبيك)، وكان لرئيسها دور حاسم في ملف الديون.
لكن عملية التحول التي تحدثها إعادة علاقات السودان الاقتصادية والسياسية مع العالم، تتطلب أيضا إصلاحات داخلية، إذ صرح رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك في مقابلة تلفزيونية بأن السودان سيحتاج لتطوير نظامه المصرفي والخدمة المدنية، لمواكبة العودة للعالم مرة أخرى، بعد رفع اسم السودان من القائمة الأميركية للإرهاب.
ويرى الخبير الاقتصادي هيثم فتحي أن الإصلاحات التي تشمل تحرير سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني وتحرير أسعار المحروقات ستكون نتائجه قاسية على المواطنين قبل أن تمتلك الحكومة احتياطيات نقدية من العملة الحرة.  
لكنه يشير أيضا إلى أن الاستثمارات الأحنبية من أهم متطلباتها الاستقرار في سعر الصرف ومعدلات التضخم.
وتجاوزت نسبة التضخم في السودان 254 في المائة لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وتعاني البلاد من نقص حاد في العملات الأجنبية، ما تسبب في عجز الحكومة الانتقالية من توفير طحين الخبز والوقود.
ورأى فتحي أن وجود السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب شكل عقبة في أداء الاقتصاد من نواح عدة مباشرة وغير مباشرة، فمن الناحية المباشرة حرم من التعامل عبر النظام المصرفي الإقليمي والدولي سواء ما يتعلق بالمقاصة الدولية بالدولار، ومنع التحويلات النقدية والتدفقات المالية إلى داخل البلاد وخارجها، بالتالي يلحق أثراً وضرراً بالغين في الاقتصاد، إلى تأثيره في الاستثمار الأجنبي المباشر لأن معظم الشركات والمؤسسات المالية والتمويلية الكبرى في العالم تضع حساباً كبيراً لواشنطن خوفاً من العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها في حال التعامل مع السودان.
ويدعو فتحي الحكومة الآن لعمل سياسات وخطط على المستويين الاقتصادي والسياسي لتهيئة المناخ الملائم للاستثمارات الأجنبية عموماً، والأميركية تحديداً، بخاصة أنه لم تكن هناك استثمارات أميركية متعددة أو كبيرة في السودان باستثناء الاستثمار في مجالي النفط والصمغ العربيين. 



واعتبر أن القرار الجديد يعطي الحكومة الانتقالية فرصة معقولة لإجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية وفي تحسن الأوضاع الاقتصادية تكون الحكومة أكثر قدرة على الوفاء بالتزاماتها اليومية تجاه المواطن السوداني.
أما الاقتصادي والأكاديمي السوداني الدكتور على الله عبد الرازق على الله، فقد تحدث لـ«المجلة»موضحا أن إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، قد مثل تحديا كبيرا فى حرمان السودان من الاستفادة الاقتصادية من الأسرة الدولية، خاصة فى جانب تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتعاملات المصرفية والمالية، هذا فضلا عن الأثر الكبير فى عدم الاستفادة من برنامج تخفيف الديون الدولية المعروفة بالهيبيك.
وأشار إلى أن الإدارة الأميركية كانت قد اصدرت أوامر تنفيذية  تمنع السودان من كافة التسهيلات المصرفية والمالية والقروض والمساعدات المالية الدولية، خاصة التسهيلات التى يوفرها البنك وصندوق النقد الدوليين باستثناء المساعدات الإنسانية  الطابع.
لكن خلال الفترة القصيرة وتواصلا مع الجهود السابقة انخرطت حكومة الفترة الانتقالية فى محادثات ثنائية مع الإدارة الأميركية، وبموجبها التزمت الحكومة السودانية بدفع مبالغ مالية كتعويضات لأسر الضحايا المتضررين من الجرائم التي قام بها السودان في السابق.
وتوقع عبد الرازق أن تساعد جهود الحكومة السودانية بعد الإزالة من قائمة الدول الراعية للإرهاب في تحسين السجل الاقتصادي للسودان، إذ ينبغي على الإدارات الاقتصادية وغيرها الإسراع في تبني وصياغة سياسات اقتصادية جاذبة في مختلف القطاعات الاقتصادية الاجتماعية، خاصة السياسات المتصلة بالسياسة النقدية، لاعتبار أن تعددية أسعار الصرف تشكل تحديا كبيرا ومؤثرا على متغيرات الاقتصاد الكلي، أما جانب السياسات فينبغى إصلاح المالية العامة.
وأضاف أن إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب تمكن القطاع المصرفي والمالي، لاسيما ان المؤسسات المصرفية والمالية العالمية كانت حذرة فى إجراء التعاملات مع القطاع المصرفي والمالي السوداني، ومن المتوقع أن يمكن ذلك من اندماج هذا القطاع مع المؤسسات المالية الدولية مما يساعد على إعادة الثقة لهذا القطاع وبالتالي الاستفادة من التقنية المصرفية المتطورة لمواكبة التحولات الحديثة في وسائل الدفع مما ينعكس في تقديم خدمات مصرفية بجودة عالية..
أما في جانب تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة مع إمكانية دخول مصارف عالمية للسوق المصرفية السودانية بأن يساعد ذلك فى اجتذاب استثمارات أجنبية، فهنا ينبغي على المؤسسات الاقتصادية أن تهيئ البيئة الاستثمارية الجاذبة من سن تشريعات وقوانين صديقة للاستثمار.
ويدعو حكومة الفترة الانتقالية للقيام بمهمات عديدة في إطار السجل الجيد لأداء السياسات الاقتصادية، علما أن هناك جهود مبذولة من صندوق النقد الدولي، ينضاف لذلك تهيئة بيئة صديقة للنمو تمكن من تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وخلق مناخ أعمال جاذب من أجل تحسين حياة المواطنين خاصة الجوانب المعيشية منها.
وفي جانب مسار ديون السودان الخارجية، يقول الدكتور عبد الرازق إن إمكانية الاستفادة من مبادرة الدول المثقلة بالديون (الهيبيك) تكون أعظم، لذلك ينبغي على الجهات  الحكومية المختصة تجهيز كل الوثائق المتصلة بجهود الحكومة السودانية فيما يلي الديون، علما أن الإدارة الأميركية ممثلة في وزارة الخزانة التزمت بمساعدة السودان في سداد متأخراته المالية في غضون فترة متوسطة الأجل.