استحالة تعريب الأسد

* الخطوة الأولى في مشروع وضع حد للتوغل الإيراني وحتى التركي في سوريا تبدأ من عودة العرب إلى سوريا، وعودتهم تكون بدعم حل سياسي في سوريا يضمن أن لا يكون هناك أي دور ومستقبل لأداة إيران في سوريا، بشار حافظ الأسد

 

يخرج علينا البعض بين الحين والآخر بدعوات لإعادة بشار الأسد إلى الحضن العربي، وإعادة نظامه إلى جامعة الدول العربية لإبعاده عن إيران، متجاهلين عن قصد أن هناك عدة محاولات تمت وكان مصيرها الفشل الذريع، وما كان من الأسد في كل مرة إلا أن يساهم أكثربتقوية النفوذ الإيراني في سوريا وحتى في دول الجوار، ويتسبب في زعزعة الأمن في دول عربية لصالح الهيمنة الإيرانية.

ولا ينفك نظام الأسد يرسل رسائل عديدة تؤكد تمسك نظامه بالوجود الإيراني والهيمنة الإيرانية على سوريا، فبعد أقل من شهر من تولي فيصل المقداد مهامه كوزير للخارجية، اختار العاصمة الإيرانية طهران لتكون أول محطة خارجية له. كما أن مستشارة الأسد بثينة شعبان بعد لقاء استمر لساعات طويلة مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكدت أن «إخراج إيران أو حزب الله من سوريا أمر غير مطروح بتاتاً»، ومع ذلك لا يزال البعض يصر على أنه من الممكن إعادة تعويم الأسد مقابل تخليه عن تحالفه مع إيران.

في العام 2009، وبعد أن كان الأسد ونظامه قد أوغلوا بالتدخل ونشر الفوضى في لبنان خدمة لمصالح مشتركة مع النظام الإيراني وعن طريق ميليشيا حزب الله، أطلق الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز قطار المصالحة الشهير والذي تبعه اتفاق السين سين في محاولة يومها لإعادة بشار الأسد إلى الحضن العربي، ولكن لم تأخذ الأسد سوى أشهر قليلة حتى غدر بالعرب ولم يف بأي من الالتزامات التي وعد بها، وعاد مجددا لتنفيذ مشروع إيران في المنطقة.

لاحقا وعندما انطلقت المظاهرات في سوريا عام 2011، حاول العرب مجددا فرادى ومجتمعين عن طريق جامعة الدول العربية احتواء الأسد والعمل على إيجاد حل يرضي الجميع ويوقف آلة القتل التي كان الأسد قد أطلق عجلتها في سوريا ضد المدنيين، ولكن مرة أخرى اختار الأسد الاستمرار بنشر الفوضى والعنف، كما فضل علاقته مع إيران وميليشياتها على أي علاقة تجمعه مع محيطه العربي، بل ودعا إيران وميليشياتها في لبنان والعراق إلى التدخل العسكري في سوريا، ومشاركته بقتل السوريين وحصارهم وتهجيرهم.

في العام 2015 وعندما كان الثوار يسيطرون على أكثر من 70 في المائة من الأراضي السورية، وكانت هزيمة إيران في سوريا ومعها نظام بشار الأسد والميليشيات التابعة لها قاب قوسين أو أدنى، جاء التدخل العسكري الروسي، حينها قيل الكثير عن أن التدخل العسكري الروسي إنما هو للحد من النفوذ الإيراني في سوريا، ولكن وبعد أكثر من خمس سنوات، وبفضل التدخل الروسي أولا، واتفاقيات آستانة وسوتشي بين كل من روسيا وتركيا وإيران، عاد نظام الأسد ومعه إيران وميليشياتها للسيطرة على معظم الأراضي السورية.

توسع الانتشار العسكري الإيراني؛ إن بالمباشر أو من خلال الميليشيات التابعة لها، ليس المعيار الوحيد لسيطرة إيران على أغلب مفاصل الحكم في سوريا وبالموافقة والتعاون مع الأسد، فبين الحين والآخر نسمع عن توقيع اتفاقيات اقتصادية بين البلدين وإعطاء إيران امتيازات حصرية في سوريا تسمح لها باستخدام موارد سوريا لسنوات وسنوات. كذلك اتفاقيات تحت اسم اتفاقيات ثقافية وتعليمية، تعطي الضوء الأخضر للنظام الإيراني لنشر التشيع ليتم لاحقا استغلال الموضوع كما حصل في بلدان عدة. ومن يطلع على كافة الاتفاقيات الموقعة بين البلدين يدرك أن إيران هي الحلقة الأقوى في سوريا. هذا فضلا عن قضية التغيير الديموغرافي الذي ترعاه إيران بمباركة بشار في دمشق وريفها ومدينة حمص ومحيطها.

وإن كان بعض المؤمنين بإمكانية «تعريب»بشار الأسد، كونه أساسا لم يكن يوما جزءا أصيلا من مشروع عربي، ينطلقون من ضرورة وقف التوغل الإيراني والتركي في سوريا، ويرون في قانون قيصر والموقف الأميركي عائقا أمام الإسراع في تعويم الأسد، يروح عن بالهم أنه لولا بشار الأسد لما كان هناك توغل إيراني أو تركي في سوريا، ناهيك عن أن حياة مئات آلاف السوريين والعدالة لا تدخل في حساباتهم.

وإن كان الأسد وهو في عز قوته ونفوذه قد اختار الوقوف مرارا مع إيران ضد العرب، فكيف اليوم وهو مدين لهم ببقائه، وإضافة إلى ذلك، فمن الوهم الحديث عن انسحاب إيران من سوريا دون الحديث عن إيران في العراق ولبنان واليمن، فسوريا بالنسبة لمشروع إيران التوسعي هي نقطة الوصل بين طهران وبغداد وبيروت والمتوسط، ومن يراهن على إمكانية أن يكون بشار الأسد شريكا بإخراج إيران من سوريا كمن  يراهن على تسليم حزب الله لسلاحه للدولة اللبنانية ووضع حد للنفوذ الإيراني في لبنان، أو كمن يراهن على أن يضع الحشد الشعبي مصلحة الدولة العراقية أولا ويرفض أن يكون بندقية مأجورة لصالح إيران.

إن الخطوة الأولى في مشروع وضع حد للتوغل الإيراني وحتى التركي في سوريا تبدأ من عودة العرب إلى سوريا، وعودتهم تكون بدعم حل سياسي في سوريا يضمن أن لا يكون هناك أي دور ومستقبل لأداة إيران في سوريا، بشار حافظ الأسد.