ثلاث ضربات مؤلمة لنتنياهو... وضعف اليسار يعزز مكانة أعدائه من داخل البيت

نتنياهو، هذه المرة، لن يبحث عما يخيف اليمين من العرب، إنما سيواجه اليمين نفسه. سيواجه أبناء بيته الصغير في الليكود وبيته الصهيوني الكبير بين أحزاب اليمين
*لا يختلف اثنان أن الوهن الذي يعاني منه اليسار في إسرائيل كان بمثابة شحنات قوية لليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، ولنتنياهو بشكل خاص
* الحركة الإسلامية، لن تتجاوز نسبة الحسم. وفي المقابل، فإن القائمة المشتركة ستتراجع، واستطلاعات الرأي تشير إلى تراجع شعبيتها، وتفاقم الأمر بعد تقارب الحركة الإسلامية من نتنياهو

 

تل أبيب: صحيح أن كل التوقعات كانت تشير، منذ أشهر عدة، إلى أن حياة الحكومة الإسرائيلية الحالية، بتحالف بنيامين نتنياهو وبيني غانتس، قصيرة وغير مستقرة،وبأنها أسوأ حكومات إسرائيل، كما أجمع الكثيرون. 

وصحيح أيضا أن قادة حزب غانتس، الذين استمروا بدعمه بعد قرار دخوله إلى الائتلاف الحكومي، على الرغم من انشقاق الائتلاف الذي خاض فيه الانتخابات الأخيرة، وغض النظر عن تنازلاته لنتنياهو، لكن ضعف غانتس السياسي، أولا، وخشيته من الوصول إلى ما وصل إليه اليوم، لم تمكنه من حسم موقفه، وهو أمر أدى إلى تمرد ثلاثة من أعضاء الكنيست على قراره بالامتناع عن التصويت على اقتراح تأجيل الميزانية، وهذه الأصوات كانت حاسمة وساهمت مساهمة كبيرة في حل الكنيست.

لكن... ما لم يخطر على بال نتنياهو ولا في أسوأ أحلام مستقبله السياسي والحفاظ على أبرز لقب حصل عليه، خلال فترة رئاسة الحكومة «ملك إسرائيل»، أن يتعرض حزبه لانقلاب داخلي مفاجئ وتُوجه له ثلاث ضربات متتالية حسمت في «معركة كرسي رئاسة الحكومة»، التي خاضها نتنياهو منذ حوالي السنتين وسيُدخل إسرائيل، بعد ثلاثة أشهر، في مارس (آذار) السنة المقبلة إلى انتخابات رابعة، وهو حدث لم تشهده إسرائيل منذ قيامها عام 1948.

-      الضربة الأولى جاءت بانسحاب جدعون ساعر من الحزب وجر الكثيرين معه، ونجاحه في استقطاب دعم قياديين من أحزاب أخرى وتشكيل حزب  سماه«أمل جديد»، وهو اسم يحمل في طياته الكثير من المعاني. ليس فقط «أمل جديد»في تحالفات تشمل اليمين والمركز وربما بعض شخصيات من اليسار، لكن أيضا أمل جديد في أن يعيد حزب اليمين قوته وهيمنته على الساحتين السياسية والحزبية، وفق مبادئه بعيدا عن تحالفات وقرارات مبنية على مصالح شخصية، كما فعل نتنياهو خلال السنتين الأخيرتين، بشكل خاص.

-      الضربة الثانية كانت بالتصويت المفاجئ لعضو حزب الليكود،ميخال شير سيغمان، ضد اقتراح تأجيل الميزانية والإعلان عن انسحابها من الليكود والانضمام لحزب ساعر. وصوتها يضاف إلى الأصوات الثلاثة من حزب غانتس «أزرق- أبيض»، وهو أيضا ساهم بشكل كبير في حل الكنيست.

-      أما الضربة الثالثة ولا تقل ألما على وضعية حزب الليكود، انسحاب الوزير زئيف الكين وانضمامه هو الآخر إلى ساعر.

ثلاث ضربات مؤلمة أثرت بشكل سريع وكبير على شعبية أبناء البيت اليميني الواحد فرفعت شعبية ساعر واحتمال تفوقه على نتنياهو وأدت إلى تراجع كبير في شعبية نتنياهو، ما يشعل أمامه، ولأول مرة، الضوء الأحمر الذي يقترب من نهاية حياته السياسية. 

أما غانتس، الذي ساهم هو الآخر بسياسته، وضعفه، وارتباكه، وتنازلاته لنتنياهو إلى انتخابات رابعة تضاعف ليس فقط الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها  إسرائيل انما ستكلف مكانة تل أبيب السياسية إقليميا ودوليا، ثمنا غير متوقع، فسيدفع الثمن زعيم «أزرق- أبيض»، إذ تشير جميع استطلاعات الرأي إلى تدهور شعبيته إلى الحضيض، إلى حد قد يدفعه إلى التفكير مرتين إذا كان سيخوص الانتخابات مرة أخرى.

 

انتخابات رابعة مختلفة

هذه المرة، يوم 23 مارس (آذار)، بعد ثلاثة أشهر ستكون الانتخابات الرابعة في غضون سنتين، مختلفة تماما. «ملك إسرائيل»لم يعد ملكا. ومن وعد الناخبين بأمل مستقبل أفضل وخاض الانتخابات وسط التفاف واسع من اليمين والوسط، سيغادر الساحة السياسية مهزوما. فغانتس، رئيس الأركان السابق، الذي أنهى حياته العسكرية بتفاخر وكبرياء ودخل حياته السياسية بدعم واسع وأمل كبير، سيغادر الساحة السياسية مهزوما ومخيب آمال الكثيرين الذين وقفوا إلى جانبه حتى الساعة الأخيرة.

أما نتنياهو، فهذه المرة لن يبحث عما يخيف اليمين من العرب ويكرر جملته الخالدة ضدهم لحث داعميه على رفع نسبة التصويت «العرب يتدفقون إلى صناديق الانتخابات»، إنما سيواجه اليمين نفسه. سيواجه أبناء بيته الصغير في الليكود وبيته الصهيوني الكبير بين أحزاب اليمين. هذه المرة سيدخل نتنياهو الانتخابات «برجله اليسرى»سيدخلها وهو على دراية بأن فرص تفوقه غير عالية واليمين الذي دعمه وهلل له على مدار سنوات طويلة، لم يعد ذلك اليمين. فساعر، الذي نجح في استقطاب شعبية من اليمين والمركز، أوصلته إلى توقعات حصوله على حوالي العشرين مقعدا بعد أيام قليلة من انسحابه، بات المرشح الأكثر تهديدا على نتنياهو من داخل الليكود، منذ عقد من الزمن.

فانسحاب الوزير الكين شكل دعما كبيرا لساعر والخطاب الذي ألقاه بعد إعلانه شكل لائحة اتهام سياسية وجماهيرية ضد نتنياهو. فقد توجه الكين إلى نتنياهو مباشرة يقول: «أشعر أكثر فأكثر بأن اعتباراتك الشخصية ونزوات محيطك القريب تحتل مكانا مركزيا أكثر فأكثر في سياق اتخاذ القرارات والتي معناها في أحيان قريبة حرج لدرجة إسرائيل ومواطنيها»، وأضاف: «اعتبارك الشخصي يختلط بالاعتبار الوطني بل ويتغلب عليه أكثر فأكثر».

وربما جملته الأخيرة هي أخطر بنود لائحة الاتهام فقد خاض نتنياهو معركة طويلة من أجل الحفاظ على كرسي الرئاسة وعدم محاكمته، بتهم الفساد والرشوة. وضرب بعرض الحائط الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أدت إلى مليون عاطل عن العمل، دون أن يتمكن من تخفيف الوضع ولا مواجهة كورونا، كل ذلك بسبب صراعاته الداخلية مع غانتس.

 وتغليب نتنياهو مصالحه الشخصية على السكان والدولة استدعاه ليس فقط إلى اقتراح مشاريع قوانين تمس بالقوانين الأساسية في إسرائيل، إنما عبث في جهاز القضاء وكاد يفقد ثقة الجمهور فيه. 

وأما«علاقة الحب»الجديدة بين نتنياهو ومنصور عباس، رئيس الحركة الإسلامية، التي خاضت الانتخابات تحت القائمة «العربية الموحدة»، كواحدة من مكونات القائمة المشتركة لفلسطينيي 48، فقد اخترقت سهامها أكثر من زاوية وألحقت الأضرار دون أن يحقق منصور عباس أو نتنياهو أيا من الأهداف التي وضعاها: 

-      كشف مضامين اتفاقيات نتنياهو مع عباس لم يفاجئ فلسطينيي 48 فقط بل أثار غضبهم، من جهة ودفع ناشطين داخل حزب الليكود ومنافسي نتنياهو إلى التعامل معها كمصلحة شخصية لنتنياهو ولمنصور عباس، وهذا شكل خسارة لنتنياهو تجلت عندما حسمت نائبة من حزبه في التصويت ضد اقتراحه لتأجيل الميزانية الذي أدى إلى حل الكنيست، وبالتالي أضعفت شعبية ومكانة نتنياهو.

-      بالنسبة للحركة الإسلامية، فإن علاقة رئيسها واتفاقياته مع نتنياهو، من دون تنسيق أو تشاور مع القائمة المشتركة، وبالتالي خرق اتفاقية تشكيل القائمة المشتركة أدى إلى زعزعة وضعيتها من الداخل. فبعد اتفاق منصور ونتنياهو على عدم التصويت ضد اقتراح تأجيل الميزانية، وتغيبهم عن الجلسة لدعم رئيس الحكومة، جرى نقاش واسع في القائمة المشتركة وشكلت هذه الخطوة شبه قرار بعدم إبقاء الحركة الإسلامية ضمن مكونات القائمة المشتركة.

هذا يعني أن الحركة الإسلامية، ومهما جرفت أصواتا لن تتجاوز نسبة الحسم وفي المقابل، فإن القائمة المشتركة المتمثلة اليوم بـ15 نائبا ستتراجع، واستطلاعات الرأي تشير إلى تراجع شعبيتها لما أحدثته الخلافات الداخلية على مواقف عدة، وتفاقمت بعد تقارب الحركة الإسلامية من نتنياهو. 

 

ضعف اليسار أكبر دعم لليمين

لا يختلف اثنان أن الوهن الذي يعاني منه اليسار في إسرائيل كان بمثابة شحنات قوية لليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، ولنتنياهو بشكل خاص. فهذا الضعف والوصول إلى وضع شبه غياب له أبقى الساحة السياسية مفتوحة أمام اليمين والى حد ما الوسط.

وبحسب ما وصف اليساري جدعون ليفي، البارز في مواقفه الداعمة للفلسطينيين والعرب والمناهضة للاحتلال وسياسة اليمين الانتخابات الرابعة فهي «لعبة بيتية لليمين، سيتقرر في نهايتها من سيقود الحكومة المقبلة جدعون ساعر أم بنيامين نتنياهو؟».

فضعف اليمين ونزع شرعية اليسار الصهيوني أديا إلى انجراف كبير لإسرائيل نحو اليمين إلى أن وصل الوضع إلى خوض المعركة على رئاسة الحكومة بين اثنين من داخل اليمين دون أن تتوفر الفرصة لأي منافس ثالث.

«هذا واقع محبط، لكنه واقعي للغاية»، قال ليفي مضيفا: «في كل الجولات الانتخابية السابقة كانت تسمع كلمة أخرى، وإن كانت ضعيفة، لكنها أيضا كانت رؤية خاطئة. الآن غابت ومن الصعب معرفة متى ستعود، بالتأكيد ليس في هذه الانتخابات. ما كان يعتبر تيارات عميقة خفية، تحولت إلى واقع جلي: إسرائيل دولة يمينية وقومية متطرفة، ذات آيديولوجيا واحدة سائدة، من المحظور التشكيك فيها. الانتخابات بين نتنياهو وساعر ليست انتخابات حقيقية. والوصول إلى وضع من عدم وجود خيار ليس بالصدفة».

وذهب ليفي إلى أبعد من ذلك: هذا الأمر ليس صدفة؛ فتحولهما إلى متنافسين لهما الفرص الأعلى يعكس روح العصر. إسرائيل تريد شخصا قويا، شخص «يري الجميع»، ويكون «يهوديا»مع كل ما يحمله هذا من معنى، وأيضا يكون أشكنازيا. إسرائيل لا تريد أكثر من ذلك».

ويرى ليفي أن الخطأ الأول كان انضمام اليسار الصهيوني لحكومات الوحدة مع الليكود في بداية الثمانينات، في سعيه عديم الاحتمال لكي يكون هذا وذاك- ليبراليا وأيضا أمنيا، يهوديا وأيضا ديمقراطيا، يساريا وأيضا صهيونيا- والنهاية المحتمة هي أن تكون لا هذا ولا ذاك، وأن تتحول إلى لا شيء. هكذا دخل اليسار إلى داخل فراغ ذاته، أفول أصبح بائسا أكثر فأكثر.

في ذورة هذا النقاش تقف إسرائيل أمام مفترق طرق غير واضحة اتجاهاته. 

في ذات اليوم الذي أعلن فيه عن الانتخابات دخلت إسرائيل إلى إغلاق ثالث بسبب انتشار فيروس كورونا، والأوضاع الاقتصادية تدهورت والسكان يفقدون الأمل.

والسؤال إذا كان نتنياهو سينجح حتى في إعداد حملة انتخابية قادرة على مواجهة هذه الأوضاع وإقناع، ليس فقط اليمين إنما إقناع ناخبيه السابقين، بأنه الأجدر في قيادة هذه الدولة؟

حتى اليوم الجواب القاطع: لا. لكن نتنياهو سيبقى نتنياهو سيبذل قصارى جهوده وتحمل مخاض هذه العملية الانتخابية بأمل أن لا يقضى على حلمه بإنهاء حياته السياسية بإرث تتفاخر به الأجيال الإسرائيلية والصهيونية، برمتها، كما كان يحلم.