«المجلة» تتجول في الأسواق التجارية عشية الأعياد

التجار يصفون الوضع الحالي بالكارثي

* الوافدون ينظرون إلى الأسعار المعروضة بحسرة... ومعظم الماركات العالمية اختفت من المحال والمولات

* وحدها الزينة التي تملأ الشوارع بألوانها وأضوائها تشير إلى أنّه شهر الأعياد

* حركة الأسواق التجاريّة شبه معدومة عشيّة الأعياد، والتراجع لامس الـ90 في المائة في كل المناطق ومن كل الطبقات الاجتماعية

* القدرة الشرائية للمواطن اللبناني انخفضت كثيراً، لأن سعر صرف الدولار ارتفع

بيروت: اعتاد المواطن اللبناني أن يستقبل عيدي رأس السنة والميلاد بحماس وسعادة، إلا أن هذا العام كان مختلفا يحمل في طياته الفوضى والفقر والقهر وفقدان الأمل من هذه السلطة السياسية التي تعيش في كوكب آخر غير مبالية بأوجاع الناس ومشاكلهم، وكل همها التقاتل والتناحر من أجل المقاعد والحصص فارضة الفوضى على أوضاع البلد اقتصادياً ومالياً واجتماعياً.

لن يحتفل معظم المواطنين هذا العام في استقبال عامهم الجديد، هم أصلا لا يشعرون بأنه قادم، لأن معظمهم لم يلتفت إلى أنه أصبح في شهر ديسمبر (كانون الأول)، فمشاكل البلد وجائحة كورونا أكبر من التفكير في الأعياد وفي المستقبل.

فحركة الأسواق التجارية هادئة باستثناء حركة خفيفة تتركّز في فترة بعد الظهر بشكلٍ أساسيّ، إنّما كما يُقال »حركة بلا بركة«. وحدها الزينة التي تملأ الشوارع بألوانها وأضوائها تشير إلى أنّه شهر الأعياد، حيث كانت زحمة المتسوّقين تعيق التجوّل وتقفل الشوارع في السنوات العادية. لكن اليوم المشهد مختلف، فالجمود يخيم على كل الأسواق والوافدين إلى شوارع هذه الأسواق ينظرون إلى الواجهات ويترحمون على الأيام التي مرت حيث كان رب العائلة يصحب أولاده وزوجته لشراء الألعاب والهدايا والحلويات من أجل الاحتفال بالعيد. »المجلة«جالت على الأسواق في المناطق واطلعت من أصحاب الشأن على الأوضاع السائدة فيها.

 



جهاد التنير

نائب رئيس جمعية تجار بيروت جهاد التنير لفت إلى أن »حركة الأسواق التجاريّة شبه معدومة عشيّة الأعياد، والتراجع لامس الـ90 في المائة في كل المناطق ومن كل الطبقات الاجتماعية«.

وأكد أن »الأسواق تعيش مأساةً حقيقيّة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردّية«، مشيراً إلى أن »المحال التجارية غير قادرة على تجديد (الستوكات) الموجودة لديها«، عازياً ذلك إلى »القيود المصرفية في الدرجة الأولى والتي تحول دون تحويل الأموال إلى الخارج لتسديد ثمن البضائع المستورّدة«.

وأفاد بأن »حركة الأسواق معدومة إلى درجة أن أحداً لا يجرؤ على استيراد بضائع جديدة وإدخالها إلى السوق الداخلية، والعامل الثاني الذي يسبّب انعدام الحركة، يكمن في الحالة النفسيّة للمستهلك التي تكبّل اندفاعه إلى التسوّق، يضاف إلى صعوبة سحب الأموال من المصارف وبالتالي تراجع القدرة الشرائية نظراً إلى شحّ السيولة، فبات الصرف يقتصر على الضروريّات فقط«.

واعتبر أن هذا الواقع »لا ينطبق على الأسواق التجارية والمحال فحسب، إنما ينسحب أيضاً على كل القطاعات الاقتصادية بما فيها المطاعم والملاهي وكل وسائل الترفيه«.

ونفى التنير أن تكون نِسَب التراجع متفاوتة بين منطقة وأخرى، بل أكد أن »الحركة تراجعت بالنسبة ذاتها في كل المناطق، حتى إن الأمر ذاته على صعيد الطبقة الميسورة وليس على المتوسطة والفقيرة فقط«.

واعتبر »أن القطاع التجاري يمر بمرحلة صعبة جداً وهي مرحلة تهدد القطاع برمته بالإفلاس، لأن الحركة التجارية انخفضت ما بين 80 و90 في المائة، وهناك مئات الشركات صرفت موظفيها لأنها تريد الإقفال، وشركات أخرى خفضت عدد موظفيها حتى تستطيع الصمود والبقاء في السوق، ناهيك أن القدرة الشرائية للقسم الأكبر من اللبنانيين قد انخفضت بشكل كبير ولم يعد رب العائلة لديه الإمكانية حتى لشراء الضروريات أو المواد الأساسية، فالسلع المصنفة كسلع كماليات انخفض بيعها أكثر من 95 في المائة.

اليوم الحلول التي يتم البحث فيها إن من قبل الدولة أو المصارف لاتأخذ بعين الاعتبار الوضع الصعب الذي يمر به التجار، مع أن التجارة تشكل نحو 34  في المائة من الدخل القومي ويعمل في هذا القطاع أكثر من 300 ألف شخص والقسم الأكبر منهم أقفل مؤسسته أو أعلن إفلاسه.

نحن كقطاع تجاري نحاول من خلال الاتصالات التي نجريها مع بعض النواب لفت نظرهم إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه القطاع منذ اندلاع الثورة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وهذا الوضغ تفاقم بعد جائحة كورونا بسبب الإقفالات التي فرضت على الأسواق التجارية، وكانت الطامة الكبرى انفجار المرفأ في 4 أغسطس (آب) الماضي، إذ أصيب البلد بالهلع والضياع وبتنا كقطاع لا نعلم إلى أين نسير.

 



رشيد كبي

 

أسوأ الأعوام

ووفق رئيس جمعية تجار بربور، رشيد كبي، هناك حركة خفيفة بحيث يتجوّل بعض الناس في الأسواق، ويشاهدون واجهات المحلات  لكنّ حركة الشراء شبه معدومة مقارنة مع الفترة التحضيرية للأعياد، بحيث في السنوات العادية يتهافت الناس للتسوّق وشراء الثياب والهدايا منذ بداية ديسمبر (كانون الأول).

ويقيّم كبي وضع العام 2020، مشيراً لـ«المجلة» إلى أنه من أسوأ الأعوام، بحيث يمكن القول إنّ الحركة التجارية تراجعت نحو 80 في المائة مقارنةً مع السنوات الماضية، لافتاً إلى انّ عشرات المحال التجارية اضطرت الى الإقفال خلال هذه السنة، بسبب تدهور الوضع التجاري والحركة الضعيفة وبسبب انهيار العملة الوطنية وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، حيث بات المواطن لا يهمه سوى شراء المواد الضرورية  لعائلته إضافة إلى ذلك أدى احتجاز المصارف أموال المودعين والإقفالات المتتالية للأسواق بسبب جائحة كورونا إلى شل الحركة الاقتصادية بشكل عام، وساهم في تفاقم الوضع أكثر ارتفاع سعر الدولار فوق الثمانية آلاف ليرة، فهذا الارتفاع أفقد الرواتب قيمتها ولم يعد رب العائلة قادراً على تأمين احتياجاته الضرورية وطبيعي أن ينعكس هذا الواقع على الحركة التجارية.

 

تجار الحمرا

المشهد ذاته ينسحب على سوق الحمرا، حيث لا شيء يشير بأنّ العيد قريب إلاّ الأضواء والزينة، فالحركة التجارية عادية جداً، كما يقول تجار التقتهم «المجلة»مجمعين على أنّ العام 2020 كان الأسوأ على الإطلاق، إذ إن معظم رواد الشارع ينظرون إلى الأسعار المعلقة على الملابس ويتحسرون على الأيام الماضية حيث كانت القدرة الشرائية متوفرة لمعظم المواطنين، أما اليوم ومع انهيار سعر صرف العملة الوطنية وانقطاع التحويلات من الخارج فقد ضرب القطاع التجاري في الصميم وأدى إلى إقفال مئات المؤسسات والمحال في هذا الشارع الذي كان يضج بالحياة ليلاً نهاراً واليوم تحول ليلاً إلى منطقة أشباح ولم تعد تسمع في الليل سوى سيارات الإسعاف المتجهة إلى المستشفيات، وحتى المصارف التي كانت تضع أشجار الميلاد أمام مراكزها باتت أبوابها مقفلة بالحديد والدروع خشية اعتداء المواطنين المحجوزة ودائعهم.

 

تحسن طفيف في «مار إلياس»

حال سوق مار إلياس التجاري في بيروت كان  كحال معظم الأسواق التجارية قبل أسبوع إلا أنه تحسن خلال الايام القليلة الماضية رغم الوضع الاقتصادي الصعب.

يقول مدير المبيعات في أحد محال الملابس النسائية، نبيل بدور، إن الحركة انتعشت في السوق منذ منتصف الشهر بعد أن عمدنا على عرض ملابس الاسبور مثل البلوز والجينز وبأسعار معقولة، لأن الطلب على ملابس السهرة شبه معدوم بسبب الإقفالات المفروضة على الملاهي والنوادي الليلية وانعدام الحفلات والأعراس في الفنادق، كما أن معظم التجار أوقفوا استيراد الملابس من الخارج بسبب الشح الموجود في العملات الأجنبية وعدم قدرتهم على سحب ودائعهم من المصارف.

ويقول مالك متجر للأحذية النسائية في السوق: «إن العمل انخفض في المتجر بنسبة 80 في المائة، والآن تدخل الزبونة تسأل عن السعر ومن ثم تهرب، فرق سعر صرف الدولار على اللبناني أثر كثيراً على الزبائن، ومن لديه دولار لا يتأثر ولكن من يتقاضى راتبه بالليرة اللبنانية صعبة عليه».

وبدوره، يؤكد مالك متجر آخر أن القدرة الشرائية للمواطن اللبناني انخفضت كثيراً، لأن سعر صرف الدولار ارتفع، مضيفاً: «أرباحنا كلها راحت، نفتح استنزافا، وإلى متى سنستمر لا نعلم، ولكن كلما ارتفع سعر صرف الدولار أصبحت لدينا مشكلة كبيرة، والزبون لا يتقبل فرق العملة، قطعة الـ10 دولارات سعرها وصل 110 آلاف ليرة لبنانية، وهذا الأمر غير منطقي، كانت قطعة الـ10 دولارات تسعر بـ30 ألف ليرة لبنانية، وإذا ارتفع الدولار أكثر لا نعلم ما الذي سيحدث».

 

 



سامي العيراني

هجرة العلامات التجارية 

بدوره توقع رئيس جمعية تجار جونيه وكسروان، الفتوح سامي العيراني، في حديث مع «المجلة» أن يشهد القطاع التجاري مزيدا من الإقفالات والإفلاسات العام المقبل، بسبب استمرار تردي الوضع الاقتصادي، موضحاً أن «أسواق جونيه وكسروان الفتوح شهدت حركة لا بأس بها، والتاجر الذي كان يبيع في السابق بمليون ليرة يبيع اليوم بمليون أيضا إنما بخسارة، بسبب انخفاض سعر الصرف، ولأن التاجر يريد بيع المخزون الموجود حتى يستمر بالصمود، مشيرا إلى أن معظم الزبائن يشترون اليوم ألعاب الأطفال والملابس والإكسسوارات.

وأفاد بأنه «من عوامل الانهيار، فقدان السيولة وارتفاع سعر الدولار وشح المداخيل بسبب تدني الأجور لدى العمال والموظفين باعتماد الحد الأدنى للأجور على سعر الصرف الرسمي للدولار 1500 ليرة لبنانية ولمشتريات السلع على خلافها بسعر الصرف 8300، يؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية لدى المواطن بشكل مخيف وإفقار السواد الأعظم من اللبنانيين».

وأوضح العيراني أن «من العوامل المؤدية للانهيار أيضاً توجه المستهلكين لشراء المواد الغذائية والضرورية واستغنائهم عن الكماليات التي أصبحت الأقل طلبا، لا سيما المستوردة منها والمدفوع ثمنها بالعملة الصعبة، حيث أصبح التوجه نحو السلع الأقل ثمنا وكلفة». وأكد أن «الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى انهيار سعر الصرف وإغلاق المصارف على أموال المودعين وتوقف الاستيراد والانهيار الحاصل على صعيد كل القطاعات الإنتاجية، مما نتج عن ذلك نقص في مخزون البضائع في المحال التجارية التي بمعظمها ظلت تعرض وتبيع بضائعها من مخزون الموسم الماضي، ولكن البعض ممن حالفهم الحظ اعتمد تعويض فرق النقص من بعض المستوردات ومن المنتجات الصناعية المحلية، ما جعل قسما كبيرا من المحلات تفتقد إلى السلع ذات الجودة العالية مما جعلها تتخلف عن مواكبة الموضة العالمية لانخفاض القدرة الشرائية».

وأشار إلى «هجرة العلامات التجارية المفضلة على قلوب اللبنانيين، والتي كانوا يتهافتون على شرائها وأصبحت اليوم في متناول الطبقة الميسورة جدا فقط نظرا إلى أسعارها المرتفعة». ولفت إلى «أزمة كورونا التي ساهمت في القضاء على الدورة الاقتصادية من خلال إعلان التعبئة العامة وإغلاق الأسواق مرات عدة باعتماد السلطة المزاجية في التعاطي مع هذا الملف لسوء تقديرهم وعدم مهنيتهم لواقع الأمر، حيث إن قرارات الإغلاق لم تعط أي نتيجة على صعيد خفض الإصابات وبشهادة أنفسهم سوى تدمير الاسواق»، موضحاً أن «عدم المخالطة بين الناس وتقييد الاجتماعات والزيارات والمناسبات الاجتماعية، أضاف قيودا على حركة الأسواق، إذ بات التسوق يقتصر بمعظمه على السلع الضرورية والغذائية دون الكماليات».

 



إبراهيم الضهر

 

انهيار جميع القطاعات

أما رئيس جمعية تجار محافظة عكار، إبراهيم الضهر، فقال إن «ما آلت إليه الأوضاع في لبنان منذ بداية سنة 2020 بعد فقدان الناس مدخراتهم في المصارف من خلال سرقة ودائعهم من قبل المصارف بتغطية من الطغمة الفاسدة التي تحكم البلد تنذر بانهيار جميع القطاعات خاصة في المناطق البعيدة عن العاصمة والتي تعد مناطق فقيرة حتى باتت معدومة نهائيا وعكار جزء لا بتجزأ من الخارطة اللبنانية وتنطبق عليها هذه التسمية، فقد بات جزء من المؤسسات مقفلا والجزء الآخر على طريق الانهيار والإقفال نتيجة هذه السياسات الخاطئة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ سنة 1990 حتى تاريخنا هذا. الخوف الأكبر لدى المواطن العكاري هو الانهيار الحاصل للعملة جراء ارتفاع سعر الصرف للدولار حيث لامس 8500 ليرة لكل دولار أميركي وبالتالي لم يعد معاش الموظف كافيا لتغطية احتياجاته العائلية... انهيار الاقتصاد يشكل هاجسا لدى التاجر والموظف والعامل على حد سواء من فلتان في الوضع الأمني، إذا ما تفاقمت الأزمة أكثر عبر مزيد من الانهيار للعملة الوطنية أمام الدولار... نحن في جمعية تجار محافظة عكار لدينا هاجس كبير من انفلات الوضع إذا ما بدأ الجوع يدق أبواب الناس، عندها لم يعد يستطع التاجر حماية أرزاقه ومؤسساته.

 

الحركة التجارية صفر

حركة الأعياد في أسواق البترون كارثية: زبون واحد كل ساعتين.. «لا يختلف وضع الحركة التجارية في البترون عما هي عليه في الأسواق اللبنانية في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية والضائقة المالية التي يعيشها اللبنانيون. فالجمود يخيم على الأسواق التجارية وحالة ركود لم تعرفها محلات البترون سابقا، في حين أن التجار كانوا ينتظرون بفارغ الصبر حلول الأعياد لكي تتحرك العجلة الاقتصادية في الأسواق إلا أن الوضع العام في البلد انعكس سلبا على القدرة الشرائية لشريحة كبيرة من المواطنين.

وككل عام ينتظر التجار موسم الأعياد لكي تحل البركة على الجميع فيرتفع منسوب المبيعات ويطغى النشاط على الجمود الذي يشل الحركة، إلا أن الأمور لم تعد كما هي والظروف الاقتصادية والمعيشية تبدلت على أمل أن تتحسن الحركة في الأسبوع الأخير قبل حلول الأعياد.

ويصف صاحب عدة محلات لبيع الملابس والأحذية الوضع بـ«الكارثي»ويقول: «الحركة التجارية في محلاتنا تساوي صفرا ما لم نشهده في السنوات السابقة»لافتا إلى«أن هناك 46 زبونة دخلت إلى محل الأحذية خلال 10 أيام ما يعني أن نسبة دخول الزبائن تساوي 4,6 سيدة يوميا وأنا أفتح محلي لمدة 10 ساعات يوميا ولا أستقبل إلا زبونة واحدة كل ساعتين والكل يريد بضاعة رخيصة من بضاعة المخزون ولا يطلبون الجديد. ما نلمسه اليوم في الأسواق هو انهيار نتيجة تراجع حجم الزبائن الذين يدخلون إلى المحلات».

ويشير إلى أن «عدد الذين يدخلون لا يتجاوز عدد أصابع اليد وهذا لا يعني أن من يدخل يشتري كما أن 90 في المائة من الذين يشترون يطلبون بضاعة رخيصة، وقد حاولنا أن نتجنب هذا الشلل وقررت تخفيض كمية المشتريات إلا أن هناك تكدسا للبضاعة منذ العام الماضي وحال الأسواق في البترون هي حال كل الأسواق اللبنانية».