هل تغيَر حرب إثيوبيا المواقف والتحالفات حول سد النهضة؟

* لاحظ مراقبون صمتًا دوليًا إلى جانب الاتحاد الأفريقي عما جرى في إقليم التيغراي وتأثيراته على المنطقة، ويعزون ذلك إلى مخاوف من تدخل يؤدي إلى إشعال الوضع برمته
في حال فشل الحل التفاوضى الذى ما زالت مصر والسودان حريصتين عليه، فإن ذلك قد يجر الدول الثلاث إلى ما لا تحمد عقباه 
* المرونة من الجانب الإثيوبي مهمة، عبر الاتفاق الملزم والتنسيق والتوافق بين الدول الثلاث 
* التفاوض حول سد النهضة متوقف على منهج جديد وأجندة وجدول زمني محدد، ودور فعال للوساطة الأفريقية.
* انتشرت تقارير عن وجود توتر بين جوبا وأديس أبابا بعد اندلاع النزاع في إقليم تيغراي، بيد أن البلدين نفيا صحة هذه التقارير، وأصدرا تصريحات تنفي إبعاد الحكومتين للبعثات الدبلوماسية
 

الخرطوم: يُثير النزاع المسلح الذي اندلع في دولة إثيوبيا بين الحكومة المركزية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، وجبهة التيغراي، تساؤلات عديدة حول تأثيرات الحرب على مواقف الدول المرتبطة بإنشاء سد النهضة الإثيوبي، ولربما أعادت هذه الأوضاع تقييم التحالفات السياسية التي نشأت عقب البدء في إنشاء السد الذي تعترضه الكثير من المشكلات التفاوضية بين الدول الثلاث إثيوبيا والسودان ومصر.
وتستبعد الحكومة الإثيوبية أي تأثيرات على ملف سد النهضة بأحداث الإقليم وتؤكد تمسكها بمشروع سد النهضة، وأعلنت أنها لن تتنازل عن هذا المشروع القومي، وأكدت أن الحوار هو الطريق الوحيد لحل كل الخلافات بشأن سد النهضة.
وقد بدأت إثيوبيا تشييد سد النهضة على النيل الأزرق عام 2011، وتخشى مصر من تأثير السد على حصتها من المياه، والبالغة 55.5  مليار متر مكعب سنويا، تحصل على أغلبها من النيل الأزرق، بينما تؤكد الحكومة السودانية أنها أيضا تتضرر من إقامة السد، إذا لم يتم التوصل لاتفاق ملزم بينها حول الملء والتشغيل.
ومع اندلاع الحرب في إقليم التيغراي بدا أن الأمور تتغير على صعيد النظر إلى ملف سد النهضة، حيث ظهرت التأثيرات السياسية تطغى بشكل أكبر من الجوانب الفنية التي كانت سائدة في المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الأفريقي.
وعلى الرغم من أن إثيوبيا أعلنت انتهاء المعارك العسكرية في إقليم التيغراي وحسم المعركة وبالتالي لا توجد أي تاثيرات مستقبلية، إلا أن تقريرا أصدره باحثون في المركز الأفريقي للاستشارات في العاصمة الخرطوم، يتوقع أن تلجأ جبهة التيغراي إلى أساليب حرب العصابات التي تمرست فيها لأكثر من 17 عاما في مواجهة جيش نظام منغستو هايلي مريام، وفي ذهنها حدوث بعض التغييرات على الجبهة الداخلية لإثيوبيا تضعف من قوة المركز وقد ظهرت بوادر تمرد في إقليم بني شنقول قمز في الغرب الإثيوبي مثلما طالت الاحتجاجات في وقت سابق إقليم الأرومو الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء عرقيا، وكذلك بعض التغييرات الإقليمية التي تعدل على الأقل من وضع عزلتها الجغرافية وهو ما يظل مرجحا خصوصا بعد التداعيات الإنسانية الكبيرة التي أنتجتها المعارك الأولى مما سيضع المجتمع الدولي في موقف حرج يستدعي التدخل.
وفي هذا الصدد لاحظ مراقبون صمتا دوليا إلى جانب الاتحاد الأفريقي عما جرى في إقليم التيغراي وتأثيراته على المنطقة، ويعزون ذلك إلى مخاوف من تدخل يؤدي إلى إشعال الوضع برمته، ما يعرض امتيازات ومصالح الدول الكبرى للخطر، في إثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي.

 

الجيش المصري ناقش استراتيجية تفعيل التعاون مع دول حوض النيل



بيد أن الوضع على مستوى الإقليم يشهد بعض التغييرات، ويبدو أن الموقف من سد النهضة ليس بعيدا عنها بل هو في الغالب عامل جوهري بشكل خاص لكل من إثيوبيا والسودان ومصر، ولأطراف أخرى ذات صلة بقضية المياه، وما يجري في القرن الأفريقي.
وبالنسبة للسودان، فإن موقفه الحيادي إزاء سد النهضة بدأ يتغير، بل بات يميل إلىى التشدد، بعد الاستمرار في المفاوضات بشكلها السابق للأحداث في إثيوبيا، وترافق ذلك مع تقارير عن توغل الجيش السوداني في منطقة الفشقة الحدودية مع إثيوبيا والسيطرة على أراضيه التي كانت تستخدم من قبل مزارعين مسلحين إثيوبيين لسنوات طويلة.
وعلى الرغم من إعلان السودان إغلاق حدوده مع إثيوبيا بعد اندلاع الحرب في إقليم التيغراي في موقف اعتبر محايدا في الصراع في الجارة الشرقية، إلا أن تقارير عديدة تشير إلى مناوشات عسكرية في نقاط حدودية بين البلدين، وزاد الشكوك حول علاقة البلدين قطع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك لزيارة كانت معلنة ليومين إلى إثيوبيا الأسبوع الماضي ولكنها انتهت بشكل مفاجئ في يوم واحد مما دفع محللين إلى الإشارة لوجود توتر في علاقة البلدين خصوصا بعد أن أعلن السودان رسميا أن إثيوبيا رفضت وساطته لحل النزاع في إقليم التيغراي، وهو ما عده المحللون عدم رغبة إثيوبيا في تدويل أو أقلمة النزاع وبالتالي الضغط على أديس أبابا في محادثات سد النهضة المتعثرة نتيجة الرفض الإثيوبي توقيع اتفاق قانوني ملزم لتشغيل سد النهضة.
بينما قلل المسؤولون في الخرطوم من وجود توترات مع أديس أبابا، واعتبروا ما يحدث هناك شأنا داخليا، وأن زيارة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ركزت على معالجة مشكلات الحدود وتأكيد موقف السودان بشأن مفاوضات سد النهضة.
واتفق رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، ونظيره الإثيوبي آبي أحمد، على استئناف مفاوضات سد النهضة، الأسبوع المقبل، بيد أن المراقبين يرون أن المحادثات هذه المرة قد تشهد تغييرا خصوصا في الوضع الذي تعيشه إثيوبيا والضغط الذي تواجهه جراء الحرب في إقليم التيغراي فضلا عن الحملات العسكرية التي يقوم بها الجيش السوداني لاستعادة أراضيه في المناطق الحدودية، ما يعد ضغطا على أديس أبابا لتقديم تنازلات والاستجابة لمشاغل دول حوض النيل- السودان ومصر خصوصا- فيما يتعلق بتوقيع اتفاق ملزم ومشهود إقليميا ودوليا حول كيفية إدارة سد النهضة.


 

الصراع بين حكومة إثيوبيا وإقليم تيجراي أحد أبرز حلقات الصراع داخل القرن الإفريقي خلال الأشهر الأخيرة


هذه التحولات، يعتبر المحللون أنها تعيد رسم المشهد في منطقة القرن الأفريقي برمتها، وربما تحدث تبدلات في مواقف الدول إزاء قضية المياه التي يتصدرها ملف سد النهضة.
لكن المختص السوداني في العلاقات السودانية في القرن الأفريقي، أمير بابكر، يستبعد في حديث لـ«المجلة»لجوء السودان إلى تحالفات جديدة من أجل تحقيق مصالحه في قضية سد النهضة مع تأكيده على احتمالية استخدام الأوضاع السياسية والأمنية في إثيوبيا للضغط، في المفاوضات، وقال إن مصلحة السودان في الإبقاء على موقفه المحايد، وأن الميل لأي طرف يعرض السودان لخسارة مصالحه مستقبلا سواء في مصر أو إثيوبيا.
بينما يشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة أفريقيا والباحث في القرن الأفريقي الزمزمي بشير عبد المحمود، إلى أن تداعيات الصراع في إقليم التيغراي عمل على تغير خارطة التحالفات الإقليمية، قائلا إن السودان أحدث تغييرا مفاجئا في موقفه من حياد طويل ضد سد النهضة، وصار السؤال: هل عاد السودان لمصر كما عادت إريتريا لإثيوبيا؟
وأوضح الزمزمي أن أسياس أفورقي أصبح حليفا لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في حربه ضد التيغراي، ووصلت لدرجة أن يساعده في حرب داخل دولته ومعروف أن الرئيس أسياس حليف استراتيجي لمصر ومصر ضد إثيوبيا وهي عدو تقليدي حتى قبل سد النهضة، ومن قبل كان أسياس حليف التيغراي وخاضا معا حربا ضروسا ضد الرئيس الإثيوبي الأسبق منغستو هايلا ماريام، وحققا انتصارا معا ضمن تحالف تيغراي في إثيوبيا وإريتريا وعملا على تأسيس دولة تيغراي الكبري ودخلت حربا 1998- 2000م وامتدت الخصومة  2018م قبل المصالحة بينهما، مما يثير تساؤلا مفاده: هل عاد الحلف الإثيوبي الإريتري ضد مصر ومن ثم السودان؟
ويرى الزمزمي أن إثيوبيا لن تتخلى عن مشروعها (سد النهضة) لأنه بغض النظر عن التغييرات التي تحدث في القرن الأفريقي وبداخلها، موضحا أن مشروع سد النهضة  بدأه الرئيس الراحل ملس زيناوي مع وصول الديمقراطيين للسلطة في الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فإن التوقعات تشير إلى أن  اللوبي الأفريقي في الولايات المتحده هو الأقرب لإثيوبيا من مصر، وذلك لدور الكنيسة الحبشية والكنائس الأميركية التي لها نفوذ في جنوب إثيوبيا والتي ينتمي إليها (مناطقيا) رئيس الوزراء آبي أحمد.
وفي هذا الصدد يقول المهندس السوداني عمر البكري أبو حراز لـ«المجلة»إن سد النهضة الإثيوبي أصبح يشكل بؤرة خلاف عميق بين ثلاث دول مهمة في المنطقة، خلاف إذا لم يتم علاجه قد يؤدي إلى عدم استقرار خطير في الدول الثلاث السودان ومصر وإثيوبيا- السودان بحكم موقعه الجغرافي بين دولتي المنبع والمصب للنيل الأزرق، ثم نهر النيل صار المحور الرئيسي ونقطة التوازن بين الدولتين.
في حين يدعو الخبير في قوانين المياه، الدكتور أحمد المفتي، إلى عدم عودة السودان للمفاوضات، إلا بعد موافقة إثيوبيا على أن يكون الاتفاق ملزما، وأن توقف كافة انشطة سد النهضة ، إلى حين الوصول لاتفاق ملزم.
ويقول المفتي لـ«المجلة»،إنه في حال لم توافق إثيوبيا على الشرطين أعلاه، يرفع الأمر، بشهادة الاتحاد الأفريقي، إلى مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، لإيقاف أنشطة إثيوبيا في السد فورا، إلى حين الوصول لاتفاق ملزم، خاصة عدم بدء الملء الثاني، إلا بعد الوصول لاتفاق ملزم، وأعتبر عدم اتخاذ مجلس الأمن ما يلزم ، أو تأخر في ذلك، فإن الخيار في سحب التوقيع علي إعلان مبادئ سد النهضة لسنة 2005، وإعلان عدم مشروعية كل أنشطة سد النهضة ، والتمسك بتنفيذ اتفاقية 1902، واتخاذ ما يلزم لإيقاف كل الأنشطة  في السد، خاصة ايقاف الملء الثاني، لأن الأمر أصبح أمر حياة أو موت للشعب السوداني.

 

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، ونظيره الإثيوبي آبي أحمد


ويفهم من حديث المفتي دعوة السودان إلى مساندة مصر وبالتالي التخلي عن أي اتفاقيات سابقة مع إثيوبيا وحشد العلاقات الإقليمية والدولية لتحقيق مطالب السودان في قضية سد النهضة.
وكان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي محمد قد أعرب في تصريحات صحافية عن أمله في أن تسمح أطراف الأزمة في قضية سد النهضة للاتحاد بتقديم المساعدة في حل الخلافات العالقة بينها.
وأشار إلى أن إثيوبيا والسودان يرغبان في مشاركة أكبر للوساطة الأفريقية في قضية سد النهضة، لكن مصر لديها تحفظات على ذلك بالنظر لوجود عملية بدأت سابقًا في العاصمة الأميركية واشنطن.
ونبه تقرير المركز الأفريقي للاستشارات في العاصمة الخرطوم الصادر حديثا ضمن نشرة «أفريكوم فوكس»إلى تعقيدات الموقف الإقليمي، وأن ملف سد النهضة ذو صلة بتداعيات النزاع في إقليم التيغراي، وأشار إلى أهمية الموقف الإريتري في مستقبل الصراع بين الطرفين في إثيوبيا، فالجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكمة في أسمرا لا ترغب حقيقة في استقرار إثيوبيا وهي ربما أكثر المستفيدين بالإضافة إلى مصر من هذه الحرب، ورغم العداء بين إريتريا وجبهة التيغراي إلا أن عداءها لإثيوبيا أصيل وأن أي استقرار او نماء في إثيوبيا يسبب للنظام الإريتري حرجا أمام شعبه، خصوصا وأن النظام الإريتري يمتلك خبرة في جعل الصراع ملتهبا.
كما يشير التقرير إلى أن الموقف الإريتري يتضمن تعقيدا، لأن لإريتريا علاقة مميزة مع مصر التي تعيش علاقة أزمة مستفحلة مع إثيوبيا بسبب سد النهضة ولكن أسمرا ستقف عاجزة عن مد يد المساعدة لجبهة التيغراي إلا إذا اتجهت إريتريا إلى خيار عدم استقرار إثيوبيا أو إذا كان السودان طرفا في ذلك، لكن السودان قرر الوقوف على الحياد بعد غلق حدوده وباعتباره رئيس الدورة الحالية للهيئة الحكومية الأفريقية للتنمية (إيقاد).  
وكان لافتا التحالف الإثيوبي الإريتري بشأن الوضع في إقليم التيغراي، وهو مرتبط إلى حد كبير بالتقارب الإثيوبي الإريتري منذ وصول آبي أحمد إلى مقعد رئيس الوزراء في إثيوبيا وعقد مصالحة تاريخية بين البلدين في عام 2018م، والزيارة التاريخية للرئيس أسياسي أفورقي إلى أديس أبابا والوقوف على سير أعمال البناء في سد النهضة منتصف أكتوبر (تشرين الأول) هذا العام.
وبالنسبة للباحث الإريتري في شؤون القرن الأفريقي عبد القادر محمد، فإن الدول الأساسية المرتبطة بملف سد النهضة هي مصر والسودان وإثيوبيا، موضحا في حديث لـ«المجلة»أنه قبل اندلاع الحرب كان واضحاً أن هناك خلافاً حول التفاصيل المرتبطة بملء السد طرفاه مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، ولذا لا أرى أن الحرب من الوارد أن تغير مواقع هذه الدول بل الملاحظ أن مواقف الخرطوم أصبحت أشد حدة، إلا إن أرادت إثيوبيا تطمين مصر والسودان بضمانات أو تعهدات معينة لكسب وقوفها على الحياد في حال تطور النزاع.
أما الدول والهيئات الأخرى، فيقول الباحث عبد القادر: أعتقد أن تأثير الحرب مبدئياً سيكون بإبطاء العمل في السد، وعلى سبيل المثال فقد جمد الاتحاد الأوروبي مساعداته السنوية لأديس أبابا، وإن عملت الأخيرة على إكمال السد وحدها فستكون تكلفة ذلك على الخزينة العامة باهظة، وكذلك بالنسبة للدول والمؤسسات الأخرى الداعمة التي قد ترى في حال طالت الحرب في السد مشروعاً في بيئة غير مستقرة، وبالتالي قد لا يكون مجدياً بنظرها مستقبلاً فيضطرها ذلك إلى إعادة التفكير في استكمال التمويل على الأقل.
ويرى الباحث الإريتري أن القاهرة والخرطوم المعنيتين بشكل رئيسي بالسد تترقبان ما يحدث في التيغراي، وما قد يصدر عن أديس أبابا من قرارات مستقبلية ستنبني عليها سياسات الدول المعنية، فإن استطاع آبي أحمد القضاء على التيغراي والاستفراد بزمام السلطة فقدرته على التفاوض «المرن»مع إثيوبيا والسودان ستصبح أكبر ممّا قد يتيح نوعاً من الحل المرضي للجميع وإن كان سلوك أديس أبابا التفاوضي حتى الآن لا يشي بذلك.
ورأى بأن تصلب أديس أبابا في موقفها مع استمرار حرب العصابات في تيغراي، فمن شأن ذلك أن يحول دون تحقق تقدم في التفاوض بين الدول الثلاث، بل ربما يفتح هذا الباب لمصر والسودان لدعم القوى العسكرية المعادية للدولة كجبهة تحرير تيغراي وغيرها، ومن الواضح للمراقبين أن هناك توتراً بين إثيوبيا والسودان الذي بدأ يطوّر علاقاته العسكرية مع مصر بشكل أكبر، كما أن الأخيرة بدأت توسع حضورها في جنوب السودان وأرض الصومال ما قد يتيح لها مستقبلاً توظيف ودعم قوى مسلحة غير حكومية في تهديد إثيوبيا المجاورة للدولتين.


 

جبهة تيغراي الإثيوبية


على جهة دولة جنوب السودان التي لا صلة لها مباشرة بسد النهضة الذي يقام على النيل الأزرق الرافد الرئيسي لمياه النيل، تتعرض جوبا لضغوط مستمرة من الأطراف المختلفة من أجل أن يكون موقفها مساندا للأطراف باعتبارها دولة محاذية لإثيوبيا، وفي ذات الوقت تشترك مع بقية الأطراف في قضية مياه النيل باعتبارها مجرى رئيسيا لمياه الرافد الثاني للنيل وهو النيل الأبيض.
وانتشرت تقارير عن وجود توتر بين جوبا وأديس أبابا بعد اندلاع النزاع في إقليم تيغراي، بيد أن البلدين نفيا صحة هذه التقارير، وأصدرا تصريحات تنفي إبعاد الحكومتين للبعثات الدبلوماسية.
ويقول المحلل السياسي من جنوب السودان أتيم سايمون لـ«المجلة»إن جوبا تتخذ موقفا دبلوماسيا محايدا في ما يحدث في إثيويبا لأن لدى البلدين مصالح اقتصادية وشعبية مشتركة، كما أن للجنوب علاقات وطيدة أيضا مع مصر ولا تريد تخريبها بأي ميول.
ويضيف سايمون أن جنوب السودان تتبنى موقفا محايدا حسب التصريحات الرسمية في ملف سد النهضة، وذلك بحكم المصالح الاستراتيجية المشتركة، والاتفاقات للمشروعات التنموية الموقعة أخيرا مع أديس أبابا، ومن بينها طريق يربط البلدين، ولا تستطيع المجازفة بهذه المشروعات على الأقل في الوقت الحالي رغم ما شاب العلاقات في الفترة السابقة من فتور. 
ويشير إلى أن العلاقة مع السودان اتسمت بالإيجابية بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير، فضلا عن علاقات متوازنة مع مصر، ولا يتوقع أن يحدث فيها تغيير رغم محاولات الاستقطاب.
أما نائبة رئيس تحرير صحيفة «الأهرام»المصرية الدكتور أسماء الحسيني، فقد رأت في حديث مع «المجلة»أن التطورات فى الداخل الإثيوبي فى إقليم تيغراي ومن قبلها مع الأورومو تؤكد أن الدول الثلاث تواجه تحديات ضخمة وأنها يجب أن تحل قضية سد النهضة، حتى تتفرغ لمشكلاتها الداخلية الهائلة.
وأعتبرت الحسيني أن خيار الحل السياسي لأزمة سد النهضة عبر المفاوضات هو الخيار الذي يحقق لشعوب الدول الثلاث الأمن والاستقرار والسلم والتنمية، لكن يجب التأكيد على أن هذا الخيار السلمي التفاوضي لا يمكن أن يتحقق دون توافر إرادة سياسية قوية واضحة تدفع الوفود المفاوضة فى الجولة المرتقبة من المفاوضات إلى تبني المسارات الإيجابية الصحيحة، وكذلك رؤية استراتيجية مفادها أن علاقات شعوب الدول الثلاث بل ودول حوض النيل هي علاقات مصيرية، لا يجب أن تتوقف على خلاف حول قضية هنا أو هناك، ولا يجب أن ترتبط بأجندات الاستهلاك المحلي، فهي علاقات يجب أن تستمر وتنمو وتتجاوز الخلافات السياسية. 
وتوقعت الحسيني بأن تكون وساطة الاتحاد الأفريقي أكثر فاعلية، وأن تأخذ بزمام المبادرة لتوجيه المفاوضات نحو أفق جديد يستطيع أن يتجاوز المماطلة والتسويف وإضاعة الوقت، مسترشدا بالحقيقة الأكيدة أن الخلافات الأفريقية يجب أن تكون لها حلول أفريقية لقطع الطريق على أي تدخلات خارجية.
وقال إنه في حال فشل الحل التفاوضى الذى ما زالت مصر والسودان حريصتين عليه، فإن ذلك قد يجر الدول الثلاث إلى ما لا تحمد عقباه، وأن المرونة من الجانب الإثيوبي مهمة، عبر الاتفاق الملزم والتنسيق والتوافق بين الدول الثلاث لكن الأمر متوقف على منهج جديد وأجندة وجدول زمني محدد، ودور فعال للوساطة الأفريقية.