الرجل الذي يملك كنوز الشرق الأوسط... الفنية!

عمل في فلسطين والعراق ومصر و«غرم» بالقاهرة
رودني سيرايت أمام بعض لوحاته الثمينة




يعتقد كثيرون أن آلاف الأوروبيين الذين كانوا يسافرون إلى منطقة الشرق الأوسط في الفترة ما بين القرن السادس عشر والقرن العشرين كانوا من التجار والعسكريين والدبلوماسيين. ولكن كان هناك أيضا عدد كبير من الفنانين الذين خلبت لبهم الآثار والعادات والتقاليد في منطقة من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية التاريخية وازدهارا من الناحية الحضارية. 
وعلاوة على ذلك كان التعليم والوعي الفني منتشرين ومرتفعين إلى درجة أن كثيرين من التجار والعسكريين والدبلوماسيين كانوا يستطيعون رسم الصور واللوحات بصورة أفضل مما يستطيع معظم الناس التقاط صور فوتوغرافية في الوقت الحاضر.

 

بعلبك: لوحة قديمة للفنان ديغتون
 


 
مجموعة ضخمة من الفنون
وتكونت نتيجة ذلك مجموعة هائلة من الصور واللوحات التي رسمها أوروبيون للآثار والمشاهد الطبيعية والسكان والعادات والتقاليد والحيوانات والأحداث التاريخية في منطقة الشرق الأوسط . ويمكن مشاهدة هذه الأعمال في عدد من المتاحف وقاعات عرض اللوحات في لندن وباريس ونيويورك. لكن شخصا واحدا استطاع بإمكانياته الخاصة أن يكون مجموعة ضخمة من هذه اللوحات تعتبر، في نظر الخبراء، أفضل مجموعة من نوعها في أوروبا وتعكس لوحات هذه المجموعة انطباعات الأوروبيين عن الشرق الأوسط. هذا الشخص هو رودني سيرايت الذي عمل في شركة «شل»لمده 40 عاما ابتداءً من 1928.
وخلال هذه الفترة، عمل سيرايت في فلسطين والعراق ومصر، وزار معظم الدول الأخرى في المنطقة، ولكنه مغرم بصورة خاصة بالقاهرة. وهكذا تعرف سيرايت على الشرق الأوسط، وعلى معظم سكان المنطقة. كما مر أيضا بتجارب صعبة هناك، فقد كان في العاصمة المصرية عندما شب«حريق القاهرة»الشهير عام 1952، وفي عام 1972 تعرضت الطائرة التي كان يستقلها للاختطاف فوق إثيوبيا، وأصيب في قدمه في ذلك الحادث. وكان سيرايت- الذي يعيش حاليا في بريطانيا- مهتما دائما بالنواحى الفنية، مثله في ذلك مثل الكثيرين من الغربيين الذين زاروا الشرق الأوسط، وكان يستخدم القلم الرصاص في رسم الأشخاص والمعالم التي يشاهدها في جولاته، ومع ذلك لم يبدأ سيرايت ما يسميه «حياته العملية الثانية»إلا بعد مغادرته شركة «شل»في 1966، إذ بدأ اعتبارا من ذلك التاريخ في تكوين مجموعته الفريدة والتي تحظى باهتمام متزايد من قبل جميع المعنيين بالفن. 
ويقول سيرايت: «إن الأعمال الفنية كانت رخيصة الثمن بكل تأكيد في ذلك الوقت».كما أن الاهتمام بهذا الموضوع كان أقل منه بكثير في الوقت الحالي. وعلى سبيل المثال عرض عليه شراء مجموعة من أعمال ديفيد روبرتس، الفنان الشهير الذي كان يرسم مشاهد مصر وفلسطين، وذلك في مقابل 50 جنيها إسترلينيا، ورفض سيرايت شراء هذه المجموعة لأنها كانت ثقيلة الوزن ولا يستطيع حملها إلى الخارج. والآن أصبح ثمن هذه المجموعة يتراوح بين عشرة آلاف و15 ألف جنيه إسترليني.

 

مدينة القسطنطينية لوحة للرسام بربزبوسي
 
 


 
مجموعة سيرايت غنية وثمينة
ومع ذلك تمكن رودني سيرايت من تكوين مجموعة فنية متنوعة ومتباينة تعكس جوانب مهمة من تاريخ الشرق الأوسط نفسه، وذلك بعد سنوات من البحث في قاعات المزاد والمتاجر في لندن وفي بريطانيا بأكملها، وبسبب استعداد الأبناء لبيع القطع الفنية التي جمعها أجدادهم من الرحالة والفنانين. 
وتضم مجموعة سيرايت مئات من اللوحات، والصور المرسومة بالألوان المائية، والإسكتشات، والصور الفوتوغرافية. والصور المطبوعة، والكتب المصورة. وتبلغ ضخامة مجموعة سيرايت حدا يجد معه أن من «الصعب للغاية»تقدير عدد اللوحات والقطع الفنية التي يملكها.


 

الخان الكبير في دمشق: لوحة للفنان سبيرز 
 


 
مجموعة دراسية
ويعتبر سيرايت أن مجموعته عبارة عن «مجموعة دراسية أساسا». فهي ذات قيمة بالغة لأي شخص يهتم بتاريخ الأزياء العثمانية. أو بالتقاليد الفارسية في بداية القرن التاسع عشر، أو بالحملة البريطانية الفاشلة لمساعدة غوردون في الخرطوم. وهناك لوحات كثيرة جديرة بالاهتمام رسمها فنانون هواة مثل غودفري توماس فاين الذي كان رساما طوبوغرافيا ومهتما بالآثار القديمة واللغات، إلى جانب أنه كان يملك «موهبة كبيرة في رسم صور الأشخاص». وتجلت هذه الموهبة أثناء سفره في أفغانستان وشمال غربي الهند في الثلاثينات من القرن الماضي.
وهناك لوحات كثيرة في المجموعة رسمها فنانون محترفون مثل بارتلت، الذي رسم العديد من اللوحات الشهيرة عن فلسطين ولبنان. والذي زار الشرق الأوسط خمس مرات قبل وفاته في عام 1854 عن خمسة وأربعين عاما. ومن بين الفنانين المفضلين لدي سيرايت: «جي إف لويس»الذي عاش في القاهرة «مثل تركي غني»في الفترة من 1841 إلى 1851. ويرى سيرايت أن لويس صهر نفسه في الحياة المصرية وفهم طبيعة الناس هناك أكثر من أي فنان غربي آخر. ومعظم اللوحات في مجموعة سيرايت من أعمال فنانين إنكليز أو فرنسيين، وليست هناك لوحات لفنانين محليين.

 

لوحة قديمة للقاهرة للرسام الشهير روبرتس
 


 
مرجع للباحثين والمعارض
وما زالت المجموعة تنمو، برغم أن سيرايت يعاني الكثير من ارتفاع الأسعار حاليا، وقد اضطر إلى بيع معظم اللوحات التي تتناول اليونان حتى يتمكن من زيادة التركيز على الشرق الأوسط.
وفي أحيان كثيرة يرجع الدارسون إلى هذه المجموعة، كما تتم إعارة لوحات منها إلى معارض مختلفة، ومنها المعرض الممتاز «وحي مصر»الذي أقيم مؤخرا في مانشستر (بريطانيا).ويلجأ الكتاب والمؤلفون أيضا إلى مجموعة سيرايت بحثا عن صور لكتبهم. 
ومن بين أوائل المؤلفين الذين استخدموا المجموعة لهذا الغرض سارة ابنة رودني سيرايت التي يتضمن كتابها «البريطانيون في الشرق الأوسط»صورا ممتازة للحياة في الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر. وتضم المجموعة أيضا مصدرا غنيا للمعلومات يتمثل في البطاقات الملصقة على ظهر كل لوحة، والتي يتم تعديلها باستمرار وفقا لآخر المعلومات المعروفة عن موضوع اللوحة أو الفنان الذي رسمها.
وهكذا تكفي نظرة قصيرة إلى مجموعة سيرايت بلوحاتها التي تصور كل جزء في الشرق الأوسط. من مسقط إلى مكناس، ومن أسوان إلى كابول، لتبين عمق العلاقات بين الشرق الأوسط والغرب، ومدى استمرار هذه العلاقات. ولم يكن الشرق الأوسط يشكل عالما منفصلا عن أوروبا أبدا، حتى في القرن السادس عشر، عندما حاربت الدول الغربية الإمبراطورية العثمانية لفترة طويلة في الخليج العربي، وفي البحر المتوسط، وعلى ضفاف نهر الدانوب. 
ويثبت تاريخ الفنون، تماما مثل تاريخ السجاجيد أو تاريخ منتجات أخرى مثل البن أو التوابل، كيف كانت أوروبا تحتاج باستمرار إلى الشرق الأوسط.
وقد التقت «المجلة» سيرايت وحصلت منه على صور لأفضل اللوحات التي يملكها، وهذه الصور تنشر للمرة الأولى في أي مطبوعة عربية. وتعتبر اللوحات التى يملكها سيرايت كنوزا فنية لجميع المعنيين بمنطقة الشرق الأوسط وتاريخها وعاداتها وتقاليدها.