بعد شهرين من العلاج بألمانيا... تبون أخيراً في الجزائر

غيابه فتح المجال واسعاً لحرب الإشاعات

* أعاد غياب تبون إلى ذاكرة الجزائريين الغياب الطويل بداعي العلاج للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إثر إصابته بجلطة دماغية عام 2013. وفي ذلك الوقت، أمسك شقيقه، السعيد، زمام الحكم وسعى مع فريقه الرئاسي إلى فرض ولاية خامسة
* يتعرض الرئيس إيمانويل ماكرون في الأيام لانتقادات جزائرية حادة، لكن المفارقة أنه بات هدفاً للمتخاصمين في المشهد السياسي الجزائري
* ليست فرنسا وحدها، التي تتعرض لحملة في وسائل الإعلام الجزائرية، فالمغرب الذي يصنف تقليدياً في القاموس الإعلامي الجزائري ضمن «الجهات المعادية»، بدوره يتعرض لانتقادات على خلفية دوره مؤخراً في واقعة الكركرات
 

الجزائر:بعد شهرين من مغادرته الجزائر نحو ألمانيا للعلاج، بعدإصابته بكوفيد-19، حسبما أكده بيان الرئاسة الجزائرية، عاد أخيراً ليلة الثلاثاء الرئيس عبد المجيد تبون إلى بلاده، ليضع بذلك حداً لحرب إشاعات وتكهنات بشأن قدرته على مواصلة مهامه كرئيس، انطلقت منذ الأيام الأولى من رحلة علاجه، وإلى تاريخ رجوعه.

ومع عودته سليماَ معافى، ثمة تساؤلات كبيرة في الشارع الجزائري بشأن ما ينتظر الرئيس من ملفات ساخنة، أبرزها الوضع السياسي والاقتصادي المحلي للبلاد، مثل التوقيع على الدستور الجديد، الذي جرى الاستفتاء عليه في ظل انقسام واسع بين الجزائريين، إلى جانب الإفراج عن قانون الانتخابات الجديد، يليه حلّ مرتقب للمجالس المنتخبة، بداية من البرلمان، وصولاً إلى المجالس المحلية البلدية، وكذا مواجهة وإيجاد حلول للوضع الاقتصادي المقلق الذي زادت كورونا من تعقيداته.

وبدا تبون الذي احتفل خلال تواجده بالمشفى في ألمانيا بعيده الخامس والسبعين في صور بثها التلفزيون الحكومي بحال أفضل من آخر ظهور له قبل ثلاثة أسابيع، لكن قدمه اليمنى كانت مضمدة دون تقديم أي توضيح بالخصوص. وكان تبون مرفوقا برئيس مجلس الأمة صالح قوجيل ورئيس المجلس الشعبي الوطني سليمان شنين ورئيس الوزراء عبد العزيز جراد ورئيس أركان الجيش الفريق سعيد شنقريحة ورئيس المجلس الدستوري كمال فنيش.

وبث التلفزيون في نشرة أخبار الثامنة (19,00بتوقيت غرينتش) التي تأخرت عدة دقائق، تصريحا مقتضبا للرئيس من مطار بوفاريك العسكري، قال فيه: «البعد عن الوطن صعب، وهو أصعب على من يتحمل المسؤولية». وتابع: «الحمد لله على العودة الميمونة، ولم يتبق إلا القليل، القليل جدا» من فترة العلاج. وقدم تهانيه للشعب الجزائري بمناسبة حلول السنة الجديدة.

قصة الرئيس تبون مع المرض بدأت حينما تم الإعلان ودون سابق إنذار عن إلغاء مجلس للوزراء كان مبرمجاً تحت رئاسته في الثامن عشر من أكتوبر )تشرين الأول(الماضي، حينها تواترت معلومات على أن السبب يتعلق بالتزامات عائلية للرئيس، ليصدر بعد ذلك بيوم بيان لرئاسة الجمهورية جاء فيه أن السبب يعود لكثافة برنامج الرئيس، لكن اتضح بعد ذلك أن الأمر ليس كذلك، حينما أعلن بيان آخر للرئاسة يوم24  أكتوبر)تشرين الأول(أن تبون دخل «طوعيا» في حجر لخمسة أيام عقب الاشتباه في إصابة مسؤولين كبار في الرئاسة والحكومة بفيروس كورونا المستجد. ولم يتم إعلان إصابته بكوفيد-19سوى في الثالث من نوفمبر )تشرين الثاني(في بيان جاء فيه: «يُواصل رئيس الجمهورية(...)  تلقيه العلاج بأحد المستشفيات الألمانية المتخصصة عقب إصابته» بالوباء.          

وأعاد غياب تبون إلى ذاكرة الجزائريين الغياب الطويل بداعي العلاج للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إثر إصابته بجلطة دماغية عام 2013. وفي ذلك الوقت، أمسك شقيقه، السعيد، زمام الحكم وسعى مع فريقه الرئاسي إلى فرض ولاية خامسة للرئيس السابق، ما دفع الجزائريين إلى الاحتجاج والتظاهر بدءا من فبراير (شباط) 2019. وبعد ذلك، استقال عبد العزيز بوتفليقة يوم الثاني من أبريل (نيسان)2019 تحت ضغط الشارع والجيش.

استمرار غياب تبون لعدة أسابيع أطلق موجة من الإشاعات في الشارع الجزائري، وتعالت أصوات سياسية تطالب بتطبيق المادة 102 من الدستور وإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية بداعي المرض. ولكن في الذكرى الأولى لانتخابه كرئيس في13  ديسمبر )كانون الأول(، سُجل أول ظهور له منذ مغادرته الجزائر، من خلال خطاب عبر «تويتر»نقله التلفزيون الحكومي، قال فيه إنه يتعافى من المرض وسيعود في مدة تتراوح بين أسبوع وثلاثة أسابيع. ولفت تبون الذي بدا نحيلا في ذاك التسجيل إلى أنه يتابع «يوميا وساعة بساعة كل ما يجري في الوطن، وعند الضرورة أسدي تعليمات إلى الرئاسة».

وخلال عودته الثلاثاء عقد تبون أول اجتماع رسمي له مع نائب وزير الدفاع وقائد الأركان الفريق السعيد شنقريحة، وحسب بيان لرئاسة الجمهورية  فإن «الفريق شنقريحة جدّد لرئيس الجمهورية ارتياحه بعودته إلى أرض الوطن، وقدم له تقريرا عن الوضع الداخلي والمستجدات بالنسبة لما يجري في دول الجوار وعلى مستوى الحدود».

وبينما عبّر كثير من الجزائريين عن سعادتهم برجوع رئيسهم، فإن الأسئلة الهامة لا تتعلق بصحة الرئيس بقدر ما تتعلق بطريقة إدارته لمجموعة ملفات ساخنة كانت تنتظره على مدار الشهرين الماضيين، وفي مقدمتها ملف التوقيع على الدستور الجديد الذي جرى الاستفتاء عليه في شهر نوفمبر )تشرين الثاني(الماضي، وهي التعديلات الدستورية التي جرت وسط نسبة مقاطعة مرتفعة، حيث كانت عملية التصويت هي الأضعف في تاريخ مختلف الاستحقاقات الانتخابية التي شهدتها البلاد بنسبة لا تتجاوز 23.7 في المائة. 

ورغم أن النظام السياسي الذي يمثله الرئيس عبد المجيد تبون يعتبر وثيقة الدستور الجديد بمثابة خارطة طريق نحو بناء الجزائر الجديدة، وإحداث القطيعة مع نظام بوتفليقة، وكمخرج للأزمة السياسية التي شهدتها البلاد منذ انطلاق الحراك الشعبي في الثاني والعشرين فبراير (شباط) 2019، إلا أن الحراك ينظر بعين أخرى لهذا المشروع، ويعتبره مجرد محاولة من النظام الالتفاف على الحراك، والدليل على ذلك وفق رأيهم استمرار النظام في عمليات التضييق على نشطاء الحراك باعتقالهم وتكميم أفواههم.

هذه الاعتقالات وضعت الجزائر في مرمى سهام منظمات حقوقية ودولية أبرزها البرلمان الأوروبي الذي أصدر لائحة دان فيها ما سماه الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان عبر محاكمة العشرات من نشطاء الحراك والتضييق على حرية الصحافة. الانتقادات نفسها صدرت عن منظمة «مراسلون بلا حدود»على أثر قيام السلطات بحملة حجب لمواقع إعلامية مستقلة. فيما تنتظر الطبقة السياسية الجزائرية إصلاحات في قوانين تنظيم الأحزاب والجمعيات والإعلام.

ويكمن الخلاف بين نظام الحكم وقوى المعارضة والحراك الشعبي، في أن ما يعتبره نظام الحكم تطبيعا للوضع السياسي بعد انتخاب الرئيس والاستفتاء على التعديلات الدستورية، لا يتجاوز، برأي المعارضة، كونه محاولة من النظام لاحتواء مطالب الحراك الشعبي، التي ما تزال مفتوحة، رغم «هدنة الشارع» التي فرضتها جائحة كورونا. ويطالب الحراك بتغييرات جذرية في النظام والاتفاق على عملية انتقال ديمقراطي تمهيدا لإقامة الجمهورية الثانية.

سفيان جيلالي رئيس حزب «جيل جديد»والمرشح الأسبق للانتخابات الرئاسية، وفي حديثه لـ«المجلة» يعتقد أن «المصادقة على الدستور من ضمن الأولويات التي تنتظر الرئيس تبون إلى جانب المصادقة على موازنة 2021»، والرهان الثاني حسبه هو «الذهاب إلى تجديد  المؤسسات السياسية» الرهان برأيه أن «يكون لدينا برلمان حسب المعطيات الجديدة التي أفرزها الحراك الشعبي، كون هذه الخطوة ستساهم في إنعاش وتجديد الحياة السياسية، وتمكّن للتغيير الحقيقي  الذي يمرّ عبر صناديق الاقتراع، ثم الذهاب إلى بناء اقتصاد حقيقي، وإعادة النظر في الكثير من الإصلاحات الضرورية لإنعاش اقتصاد البلاد».

وفي معرض رده على سؤال يتعلق بأزمة الثقة القائمة ما بين السلطة والحراك، وأن أزمة الثقة هذه قد تعيق وتعصف أية إصلاحات سياسية مصدرها السلطة، أكد سفيان أنه «مع دعوات الحوار التي تطالب بضرورة فتح نقاش جدي بين النظام وكل الشركاء السياسيين بمختلف توجهاتهم، للوصول إلى توافق وطني، يمكّن من بناء مؤسسات تحظى بالشرعية والمصداقية، وتمكّن من بناء الجزائر الجديدة قولاً وفعلاً» لآنه يتابع: «في غياب عامل الثقة بين السلطة والمعارضة عموماً، والشعب لا يمكن بناء مؤسسات لها مصداقية، ولا يمكن أن تنجح الإصلاحات المعلن عنها».

وعبر صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي، كتب البرلماني الأسبق ومنسق )الفضاء الجزائري للحريات حالياً(فاتح ربيعي: «عودة ميمونة للرئيس، نتمنى له القوة والقدرة على تصحيح الأخطاء والجرأة على مباشرة حوار جاد ومسؤول، لبناء اللحمة الوطنية على أساس الشرعية الشعبية، والتوافق الوطني».

اقتصاديا يستقبل الجزائريون عامهم الجديد2021  بخيارات صعبة، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة ومعقدة بسبب تأثيرات أزمتي تراجع عائدات النفط، ووباء كوفيد-19، الذي أدخل البلاد في شلل اقتصادي غير مسبوق، حيث شهد النشاط الاقتصادي للبلاد تراجعاً بنسبة تتجاوز5  في المائة، وفق البيانات الحكومية، كما عرفت العديد من الأنشطة توقفاً تاماً أو جزئياً منذ بداية إقرار إجراءات الحجر في مارس (آذار)الماضي، وتشير أرقام جمعية التجار والحرفيين إلى توقف نحو 50 ألف تاجر عن النشاط، كما شهدت قيمة الدينار المحلي تراجعاً كبيراً أمام مختلف العملات الأجنبية.

وتشير أرقام الديوان الوطني للإحصاء، وهو مؤسسة حكومية إلى ارتفاع نسب البطالة لتصل إلى20 في المائة بعد أن كانت لا تتجاور 11.4 في المائة نهاية العام الماضي 2019، وبالمقابل تسببت إجراءات الحجر المفروضة منذ تسعة أشهر في تكبد الشركات الحكومية لخسائر كبيرة بلغت نحو 4.5 مليار دولار حسب ما أعلن عنه سابقاً وزير المالية أيمن بن عبد الرحمن، وبالمقابل أعلن رئيس الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين الحاج الطاهر بولنوار عن توقف أكثر من 50 ألف تاجر وحرفي عن النشاط منذ بداية الجائحة، مبرزاً في تصريحات أدلى بها للإذاعة الحكومية الرسمية، أن «التجار لجأوا إلى هذا الخيار الصعب بسبب الخسائر التي يتكبدونها بسبب الغلق الجزئي للمحلات مع عزوف الزبائن على الشراء خوفاً من تفشي الوباء».

وبالمقابل عرفت قيمة الدينار المحلي تراجعاً كبيراً أمام مختلف العملات الأجنبية، واللافت أن هذا التراجع مسّ أسواق العملية الرسمية وغير الرسمية، ففي السوق غير الرسمية التي تستقطب نحو 30 مليار دولار حسب بعض التقديرات، قفزت فيها قيمة ورقة الـ100 يورو إلى أكثر من200 ألف و300 دينار، في حين بلغت قيمة العملة الأميركية أكثر من17  ألفا و200 دينار جزائري، فيما عرفت العملة المحلية تهاوياً قياسياً في التعاملات الرسمية مقابل اليورو مسجلة156.01 مقابل كل يورو، في حين تجاوز الدولار نقطة 130  مقابل الدولار الواحد. 

ويعدُ إنعاش اقتصاد البلاد، ومواجهة التداعيات المباشرة لوباء كورونا على يوميات الجزائريين أحد الرهانات الصعبة للرئيس الذي أقرّ في أغسطس (آب( الماضي خطة إنعاش اقتصادي من ثلاثة محاور كبرى ونحو عشرين بنداً إصلاحياً، خصص لها نحو14  مليار دولار من موازنة2021  لإعادة تقييم المشاريع الحكومية المجمدة بسبب كورونا في مجالات الصحة والإسكان والأشغال العامة والري. لكن هذه الخطط برأي خبراء اقتصاد قد تصطدم بمعضلة نقص الموارد المالية، فغالبا ما تلجأ إلى عائدات النفط واحتياطي النقد الأجنبي لتنفيذ المشاريع الحكومية، إلا أن المعطيات الآن تغيرت، فمداخيل النفط في تهاوٍ مستمر، كما أن احتياطي النقد الأجنبي يتآكل بسرعة، ويرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول أن «الحكومة بحاجة إلى تمويلات استثنائية لرفد موازنة2021».

ودولياً تعيش الجزائر في محيط مضطرب، بداية بالوضع في ليبيا وعدم استقرار سياسي في تونس، والتصاعد الحاصل بين المغرب وجبهة البوليساريو في أزمة الكركرات، كلها ملفات تستدعي تحركاً وحضوراً دبلوماسياً قوياً، وإلى جانب ذلك يتحدث النظام الجزائري عن مؤامرات تستهدف الجزائر، فقائد الأركان الفريق السعيد شنقريحة تحدث عن «مؤامرة» تتعرض لها الجزائر. وقال الفريق الأسبوع الماضي، إن بلاده تواجه «حملات مسعورة من قبل جهات معادية معروفة»، داعيا إلى بذل أقصى الجهود لتوحيد الصف الداخلي وإفشال كل «المخططات الخبيثة».

وعادة ما يُشار بصفة «جهات معادية» في القاموس الإعلامي والسياسي الجزائري، إلى المستعمر السابق فرنسا. ويتعرض الرئيس إيمانويل ماكرون في الأيام لانتقادات جزائرية حادة، لكن المفارقة أنه بات هدفا للمتخاصمين في المشهد السياسي الجزائري، فالموالاة للحكم يهاجمونه بسبب انتقاده للنظام الجزائري وانتهاكات حقوق الإنسان وتحذيره من سيناريو دولة جزائرية فاشلة، بينما تهاجمه المعارضة الجزائرية بسبب إشادته بالرئيس تبون وثنائه على «شجاعته»، في الوقت الذي لا يزال فيه الرئيس الجزائري يلقى معارضة في الشارع. واتهمت أحزاب معارضة ونشطاء في الحراك الجزائري، ماكرون بـ«التدخّل» في شؤون البلاد وباتّباع سياسة «نيوكولونياليّة» وبأنّه يظنّ نفسه مخوّلاً توزيع شهادات شرعيّة. وليست فرنسا وحدها، التي تتعرض لحملة في وسائل الإعلام الجزائرية، فالمغرب الذي يصنف تقليديا في القاموس الإعلامي الجزائري ضمن «الجهات المعادية»، بدوره يتعرض لانتقادات على خلفية دوره مؤخرا في واقعة الكركرات.