ما سيناريوهات الأزمة الليبية الأقرب: الحرب... أم المصالحة؟

* تمديد البرلمان التركي مهام قواته في ليبيا... ودخول قوات حفتر مدينة أوباري وتحذيره للأتراك... وتهديد خلوصي أكار لحفتر باستهدافه... وزيارة وفد مصري رفيع لطرابلس للقاء مسؤولين بحكومة الوفاق 
* تحديد أقرب السيناريوهات التي قد تحدث في ليبيا سيكون رهينة بما تسفر عنه المباحثات الجارية بين أطراف الأزمة
* الرفض الليبي لوجود أي قوات أجنبية على أراضية ورفض إقامة أي قواعد عسكرية تركية هو ما دفع حكومة الوفاق للتقارب مع مصر، إضافة إلى الأزمة التي حدثت بين العناصر المكونة لهذه الحكومة والقوات التابعة لها
* رغم تعاطف مصر مع خليفة حفتر إلا أنها رغبت في فتح المجال للعمل السياسي والدبلوماسي مع حكومة الوفاق بحيث نصل إلى توافق يكون عنوانه البارز بالنسبة للدولة المصرية هو عدم السماح بإقامة قواعد عسكرية تركية في ليبيا 
* تركيا تريد الخروج من المأزق الليبي ولكنها تريد تحقيق أي انتصار تحفظ به ماء الوجه أمام الشعب التركي والحصول على أي مكاسب لتغطية تكلفة تواجد قواتها في ليبيا 
* المؤتمرات التي عقدت الفترة الأخيرة بين العسكريين الليبيين في جينيف والمغرب وتونس كلها ترمي لفكرة خروج جميع القوات الأجنبية من الأراضي الليبية 
* تباطؤ وتراخي حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج في تنفذ ما اتفق عليه العسكريون في اجتماعات جنيف وغيرها أعطى قراءة للجانب المصري أن هناك شيئا يتم تدبيره
* زيارة الوفد المصري رفيع المستوى إلى طرابلس وتباحثه مع قيادات من حكومة الوفاق يأتي في إطار التنسيق ضد أي عمل فجائي أو لترتيب الإجراءات حال تعرض الهلال النفطي لأي عمل مفاجئ 
* لا زال الخط الأحمر الذي أعلن عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي من سرت إلى الجفرة هو الخط الفاصل بين «الحرب واللاحرب»ولا أعتقد أن هناك من يحاول أن يغامر في هذه المرحلة بتجاوز هذا الخط والدخول في صدام مباشر مع القوات المسلحة المصرية
* ما زال الهلال النفطي والأطماع في حقول البترول الليبية والاحتياطات الضخمة من البترول مطمعا من القوى الدولية وكل هذه المعطيات سوف تصاغ بشكل مختلف مع تولي جو بايدن منصب الرئاسة خلفا لدونالد ترامب 




القاهرة: أحداث دراماتيكية متسارعة طرأت على الساحة الليبية، خلال الأيام القليلة الماضية، فتحت المجال للتساؤلات حول مسارات الأزمة الليبية ومآلاتها، ما بين سيناريوهات متفائلة تشير إلى إمكانية حلحلة الأزمة تجاه التوافق والمصالحة الليبية-الليبية، وعودة الوفاق بين الفرقاء الليبيين، وإتمام المصالحة، وتسليم البلاد إلى مجلس رئاسي منتخب، وبرلمان منتخب، وسيناريوهات أخرى متشائمة ترجح حدوث صدام مسلح، وعودة الحرب من جديد بين أطراف الأزمة، في الداخل الليبي، وداعمي هذه الأطراف، خاصة تركيا التي تدعم حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، وداعمي الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وذلك في ضوء معطيات جديدة طرأت على الساحة الليبية، يأتي على رأسها تمديد البرلمان التركي مهام قواته في ليبيا لمدة 18 شهرا إضافية. 
وذلك بناء على مذكرة تقدم بها رجب طيب إردوغان، على أن تبدأ فترة التمديد اعتبارا من الثاني من يناير (كانون الثاني) الجاري، إضافة إلى تمكن الجيش الوطني الليبي من دخول مدينة أوباري والسيطرة الكاملة عليها، واستعراض المشير خليفة حفتر لقواته بتنفيذ مناورة عسكرية بالذخيرة الحية، حاكى فيها هجوما عسكريا تركيا مفترضا على مدينة بنغازي شرقي البلاد والتي تسيطر عليها قواته. 
كما هدد خلال عرض عسكري احتفالا بالذكرى 69 لاستقلال ليبيا، باستخدام القوة العسكرية ضد القوات التركية إذا لم تتوقف تركيا عن التدخل في الشأن الليبي، وأنه لا خيار أمام العدو التركي إلا مغادرة ليبيا سلما وطوعا أو بقوة السلاح. 
ليرد عليه وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الذي زار طرابلس على رأس وفد كبير التقى بحكومة الوفاق، محذرا من أن قوات الجيش الوطني الليبي وداعميه سيكونون هدفا مشروعا في جميع الأماكن إذا ما تم الاعتداء على القوات التركية في ليبيا. 
زيارة وزير الدفاع التركي إلى طرابلس وبرفقته رئيس الأركان، وقادة الجيش، أعقبتها زيارة وفد مصري رفيع برئاسة وكيل عام جهاز المخابرات، ضم مساعد وزير الخارجية، ومسؤولا أمنيا بارزا، لبحث عدد من الملفات المشتركة التي تتعلق بالأزمة الليبية، والتباحث حول إعادة فتح السفارة المصرية في طرابلس.
التغيرات التي طرات على مواقف أطراف الأزمة الليبية هو ما دفع «المجلة»لطرح التساؤلات مع عدد من الخبراء والمتخصصين حول ماهية السيناريوهات الأقرب إلى التحقق في الأزمة الليبية، وهل تندلع الحرب بين الأطراف الليبية، وداعميهم من جديد؟ أم أن المعطيات الجديدة التي طرأت على الساحة الليبية، خاصة في ظل التقارب المصري مع حكومة الوفاق، سوف تغلب سيناريو تحقيق المصالحة السياسية بين الفرقاء الليبيين؟ وعودة الحياة إلى طبيعتها من جديد في ليبيا وتسليم البلاد إلى مجلس رئاسي، وبرلمان منتخبين؟

 

زير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية فتحي باشاغا يجتمع بوفد مصري دبلوماسي في طرابلس


 
الوفاق تتقارب مع مصر للخروج من المأزق 
في البداية، قال الخبير العسكري والاستراتيجي، ومستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا اللواء محمد سلمان في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: تحديد أقرب السيناريوهات التي قد تحدث في ليبيا سواء السيناريو الذي يرجح فكرة نشوب صراع عسكري جديد، أو سيناريو تحقق المسار السلمي والمصالحة بين الفرقاء الليبيين، سيكون رهينة بما تسفر عنه المباحثات الجارية بين أطراف الأزمة، وأصبح الآن هناك رفض ليبي لتواجد أي قوات أجنبية، على أراضية، ورفض إقامة أي قواعد عسكرية، وهذا الرفض دفع حكومة الوفاق للتقارب مع مصر، إضافة إلى الأزمة التي حدثت بين العناصر المكونة لهذه الحكومة، والقوات التابعة لها، لأنهم في النهاية عبارة عن ميليشيات، وهناك صدام بعضه غير معلن والآخر معلن وهو ما حدث بين الرئيس فايز السراج ووزير الداخلية فتحي باشاغا، حيث اكتشف السراج ضعف موقفه أمام الميليشيات المتناحرة، والمتصارعة فيما بينها، وهو ما دفعه لإعلان استقالته في وقت سابق، مما دفع الأطراف لإجباره على عدم إتمام هذه الخطوة لأنه في النهاية يشكل غطاء سياسيا لهذه المجموعات، مما جعل الجميع يعيد حساباته، خاصة في ظل التنافس المصري التركي على التواجد والتأثير في الساحة الليبية، حيث أعلنت مصر وبوضوح على لسان رئيس الدولة أن «سرت- الجفرة»خط أحمر، ولا يمكن لأي دولة إطلاق مثل هذا التصريح إلا إذا كانت قادرة على تنفيذه، والكل يعلم أن مصر قادرة، كما أن مصر تركت باب المناورة مفتوحا، وفي انتظار ما سوف يحدث من قلاقل داخل نظام حكومة الوفاق، حيث توقعت مصر ما حدث من صدام بين أطرافها، وكي يخرج السراج من هذه المعضلة لم يكن أمامه سوى فتح قنوات اتصال مع الدولة المصرية، ومصر رغم تعاطفها مع خليفة حفتر، إلا أنها رغبت في فتح المجال للعمل السياسي والدبلوماسي مع حكومة الوفاق بحيث نصل إلى توافق يكون عنوانه البارز بالنسبة للدولة المصرية هو عدم السماح بإقامة قواعد عسكرية تركية في ليبيا، وعدم السماح باستمرار تواجد الميليشيات المسلحة، ويندرج ذلك تحت عنوان أشمل وهو خط أحمر بالنسبة للدولة المصرية وهو وحدة التراب الليبي، وكانت تلك الخطوة فرصة للطرفين سواء لمصر، أو حكومة الوفاق لتحقيق أهدافهما المشتركة، حيث ترغب حكومة الوفاق في الخروج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه بوجود ميليشيات مسلحة غير ليبية تنكل بالشعب الليبي وتستفز القومية الليبية، وتواجد تركي لن يتسامح الليبيين مع أي قيادة شاركت في السماح بتواجده، وفي نفس الوقت وجدت مصر أن التوافق على إنهاء هذا الأمر يصب في الصالح العام، ووجود سفارة مصرية ودبلوماسيين متواجدين في طرابلس سوف يسهل أمور التواصل لتحقيق الأهداف المشروعة للطرفين، واستمرار فتح سفارة واستمرار التواجد المصري في طرابلس سيعطي الأمل للشعب الليبي الذي تربطه بمصر أواصر صداقة ودم ونسب ومصاهرة، وسوف تثبت الأيام القادمة صحة وجهة النظر المصرية وتنتهي الأزمة الليبية وتسليم التراب الليبي لحكومة واحدة، ومجلس نيابي واحد، وفشل جميع المخططات التركية في إقامة قواعد لها على الأراضي الليبية، وجلب المرتزقة المسلحين من الخارج للتواجد على الأرض الليبية.
وقال اللواء سلمان: لا بد أن ننوه بأن الجانب التركي عرض مرارا وتكرارا، التواصل والتباحث مع القيادة المصرية بخصوص الشأن الليبي، وقوبلت كل العروض التركية بالرفض، والإنكار وعدم الرد من الجانب المصري، وتركيا تريد الخروج من المأزق الليبي، ولكنها تريد تحقيق أي انتصار تحفظ به ماء الوجه أمام الشعب التركي، والحصول على أي مكاسب لتغطية تكلفة تواجد قواتها في ليبيا، لكن في النهاية سيكون سيناريو الحل السياسي هو الأقرب من السيناريو العسكري.

 

وزير الدفاع التركي خلوصي أكار


 
الحرب ليست السيناريو الأقرب
من جانبه، قال الخبير العسكري والاستراتيجي بأكاديمية ناصر العسكرية العليا اللواء حمدي بخيت في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: الليبيون ينظرون بعدم ارتياح للتواجد التركي على أراضيهم، والأهم من ذلك أن المؤتمرات التي عقدت الفترة الأخيرة بين العسكريين في جنيف، والمغرب، وتونس، اجتماعات (5+5) كلها ترمي إلى فكرة خروج جميع القوات الأجنبية من الأراضي الليبية، وبالتالي فإن وجود الأتراك في ليبيا هو بمثابة جيش غريب، والمطلوب أن يتم اتخاذ إجراء حياله، وهذا يعني تباطؤ وتراخي من حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، في تنفيذ ما اتفق عليه العسكريون في اجتماعات جنيف وغيرها، وبالتالي كان هناك قراءة من الجانب المصري أن هناك شيئا يدبر، أو عملا قد يعرضنا، أو يعرض الموقف الليبي لمفاجأة، خاصة أنه تم رصد تدريبات خاصة لعدد من الميليشيات في ليبيا، وهذا يعد ضمن القرائن الدالة على أن هناك شيئا يخطط له، وزيارة الوفد المصري رفيع المستوى إلى طرابلس، وتباحثها مع قيادات من حكومة الوفاق يأتي في إطار التنسيق ضد أي عمل فجائي، أو لترتيب الإجراءات حال تعرض الهلال النفطي لأي عمل مفاجئ، وحتى الآن سيناريو الحرب ليس هو الأقرب من سيناريو الحلول السلمية، ولكن المطلوب أن تعلو أنشطة المصالحة أكثر وأكثر، خاصة أن العسكريين أبدوا خطوة كبيرة وشجاعة في اتجاه المصالحة، وانتخاب مجلس رئاسي، وانتخاب برلمان جديد، وكل ذلك يعد من الأشياء الإيجابية جدا، ولكن حتى الآن لم تتمثل هذه الخطوات على الأرض، والمطلوب أن يكون هناك عمل إيجابي على الأرض كي تأخذ هذه القرارات منحى التنفيذ، ولكن احتمالية الدخول في عمل عسكري الآن لا تصل إلى القدر الذي يوليه الأطراف لتغليب الحلول السلمية، أو جدية الاتفاقات التي تم التوصل إليها بين الأطراف الليبية المتنازعة.
وقال بخيت: زيارة الوفد المصري رفيع المستوى إلى طرابلس للتباحث مع قيادات حكومة الوفاق يأتي تحسبا لأي عمل مفاجئ قد تقوم به القوات التركية، وما رصد من تدريبات لقوات من الميليشيات المنتشرة في المنطقة غرب سرت والجفرة، كل هذه قرائن دالة ترصدها أجهزة المعلومات، وأعتقد أن هذه الزيارة تأتي للتنسيق على هذا الأساس، وأن يكون مستقبل الدفاع عن هذا الخط لا يتعرض لأي مفاجأة.

 

قوات حفترتدخل مدينة أوباري


 
الخط الفاصل بين الحرب واللاحرب
فيما قال الخبير العسكري، والاستراتيجي اللواء مدحت عواد مصطفى الشريف في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: بشكل عام يمكن وصف المشهد الليبي بأنه شديد التعقيد، ولكن هناك معطيات موجودة في الأزمة الليبية، فمصر تتواصل مع حكومة الوفاق، كما تجري اتصالات مع قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، وتدعم قبائل الجنوب الليبي، وهذا إجراء جديد نادى به الرئيس عبد الفتاح السيسي، والدور المصري يحاول الدفع بعملية السلام في ليبيا، وإيجاد حكومة شرعية تمثل الجميع، ويدفع بآليات معينة لدعم الجيش الوطني الليبي، والتهديدات التي تصدر الآن بين تركيا وقائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، لا أستطيع وصفها الآن إلا أنها تهديدات لا يمكن أن تكون لها تبعات فعلية على أرض الواقع، لأن هناك قوى دولية تعمل حاليا داخل ليبيا لصياغة موقف معين تستطيع من خلاله هذه القوى الدولية أن تضمن مصالحها داخل ليبيا، ولا يجب أن نغفل أن منطقة سرت، والهلال النفطي الليبي مطمع لكثير من القوى الدولية، وتركيا من وجهة نظري هي أداة لتنفيذ هذه المطامع، وزيارة وزير الدفاع التركي تأتي في إطار الزيارة الإعلامية حيث ضم الوفد مجموعة من الفنانين، وإحياء احتفالات رأس السنة مع الجنود الأتراك، هو مجرد زيارة إعلامية، وما زال الخط الأحمر الذي أعلن عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي من سرت إلى الجفرة، هو الخط الفاصل بين «الحرب واللاحرب»، ولا أعتقد أن هناك من يحاول أن يغامر في هذه المرحلة، وتجاوزهذا الخط والدخول في صدام مباشر مع القوات المسلحة المصرية، وبالتأكيد ستكون هناك متغيرات، ويبدو أنه ظهرت بوادرها مع تولي الديمقراطيين الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، وتولي بايدن مقاليد الرئاسة الأميركية، وفريق عمله بدأ العمل الآن، وبالتأكيد سيكون هناك الكثير من المعطيات الموجودة على الأرض قد تكون غائبة من قبل ولم تكن ظاهرة في الواقع، فليبيا لها أموال ضخمة جدا لا زالت مجمدة في بنوك دول غربية، هذه الأموال تشكل مصالح ضخمة لهذه الدول، وحتى الآن لا توجد حكومة شرعية تستطيع أن تمثل ليبيا وتسحب هذه الأموال، وما زال الهلال النفطي والأطماع في حقول البترول الليبية، والاحتياطات الضخمة من البترول لا تزال مطمعا من القوى الدولية، كل هذه المعطيات سوف تصاغ بشكل مختلف مع تولي بايدن الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية واستلامه منصبه بدلا من الرئيس دونالد ترامب.
وقال عواد: أعتقد أن الدور المصري هو دور فاعل في هذه المرحلة، لأنه يحاول أن يقرب وجهات النظر في محاولة للوصول إلى اتفاق (5+5) وهو السلام الذي وقعته كافة القوى المتصارعة في ليبيا وهو الشكل الأساسي في هذا الأمر، ولكن دعنا نقل بوضوح إن ولاء حكومة الوفاق الأول بالتأكيد لا زال حتى الآن لصالح الحكومة التركية، وبعض القوى الدولية الأخرى ولكن الدور المصري على الأرض لا زال هو الأقوى حتى الآن وذلك بالنسبة لجميع دول الجوار الليبي، فمصر لها تواصل مع جميع القبائل الليبية، كما أن لمصر دورا فاعلا مع جميع القوى المتصارعة في جميع أنحاء ليبيا، وكانت منطقة الغرب الليبي بعيدة نسبيا عن التواصل المصري المباشر، خاصة في ظل تحيز واضح من حكومة الوفاق للتواجد التركي في مياه البحر المتوسط، وفي السواحل الليبية، وحتى على الأرض كما رأينا في قاعدة معيتيقة على سبيل المثال، وإرسال وفد مصري رفيع المستوى إلى طرابلس، هو ورقة جديدة تلقي بها الحكومة المصرية والجهات الأمنية المصرية على طاولة الأطروحات الموجودة حاليا، وأنا أؤيد هذا الأمر لأنه يجب أن يكون هناك تواصل بين كافة الجهات المتصارعة، وذلك لصالح ليبيا، ولصالح الأمن القومي المصري في ذات التوقيت.
وقال عواد: أعتقد أن سيناريو الحل السلمي هو الأقرب في ليبيا، وأما سيناريو الحرب فأعتقد أنه ليس مقبولا من جميع القوى الدولية بشكل عام في هذه المرحلة، كما أعتقد أن هناك تحجيما لهذا الدور في هذا التوقيت، ودعنا نقل إن الكثير من الأمور التي تسير في منطقة الشرق الأوسط تتحرك بشكل مختلف عما سبق، فنحن نستعيد مرة أخرى، فكرة «الشرق الأوسط الجديد»ولكن بآليات جديدة، فالحكومة الديمقراطية الأميركية هي التي بدأت الشرق الأوسط الكبير بمعنى إعادة صياغة للقوى الإقليمية في المنطقة، وهذا سيكون موجودا على الساحة مع تولي جو بايدن مقاليد الحكم في البيت الأبيض، وهذا يحتاج من مصر دورا قويا وفاعلا في هذه المرحلة حتى تظل مصر لها القوة الإقليمية الفاعلة في التفاعل مع الجميع، والقوة هنا لا تعني فكرة النظرية الواقعية أي القوة المسلحة فقط، ولكن التواجد السياسي الفاعل، واستخدام القوة الناعمة، والتواصل مع كافة الجهات أي الدولة التي لها تواصل مع كافة الجهات المتصارعة سواء في ليبيا، أو في أماكن أخرى وهذا بالتأكيد يعطي للدور المصري فاعلية أكبر وفي نفس الوقت يعطي ثقلا لمصر كقوة إقليمية في مثل هذا التوقيت، ونحن ننتظر لنشاهد ما سيحدث بعد تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، وهو الأمر الذي تعد له جميع دول المنطقة العدة.
وقال عواد: لا أستطيع القول إن تزامن زيارة وفدي تركيا ومصر لطرابلس سيحدث تفاعلا مستقبليا، فهناك قوى دولية أخرى تعمل على الأرض، ورأينا أن السراج تمت دعوته في فرنسا ثم في إيطاليا وفي أكثر من مكان وإجراء مناقشات معه بشكل مباشر، وتركيا إلى حد ما لها العديد من المشكلات مع الكثير من الدول خاصة في منطقة شرق المتوسط والنزاعات على حقول الغاز والثروات الموجودة في شرق المتوسط، وإلى حد ما يختزل دورها حتى الآن في استخدام القوة المسلحة ودعم الميليشيات الإرهابية وتجنيدها ودفعها إلى ليبيا، وهو الدور الأساسي لها، وتدخل مصر بشكل أو بآخر، أو أن تكون هناك زيارات متعاقبة من الجانب التركي إلى طرابلس، ثم زيارة قيادات أمنية مصرية لا أريد أن أقول إن هناك تواصلا مصريا تركيا مستقبليا على الأرض بخصوص الأزمة الليبية، فلا زالت القوة الفاعلة الأساسية حتى الآن هي قوى غربية، إضافة إلى مصر كقوة إقليمية على الأرض، وتركيا تستخدم فقط لا غير الميليشيات والإرهاب، وزرع خلايا مسلحة داخل ليبيا وتراهن عليهم لتحقيق مكاسب معينة أغلبها مكاسب إقتصادية، أو تناور بهم في عدد من الساحات الأخرى كالساحة العراقية، والساحة السورية.


 
كل الطرق تؤدي إلى المصالحة 
فيما قال المستشار والخبير العسكري بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، اللواء عادل العمدة في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: كل الطرق تؤدي إلى مصالحة رغما عن الجميع، لأن أدوات المصالحة تتحقق هنا، ففكرة الحوار والحوار المتبادل وعرض وجهات النظر، وطرح كل طرف للموضوع يؤدي إلى مرونة، كما أن الجمود يؤدي إلى الصراع، والحوار هو أحد مقومات المصالحة، فعندما نرى زيارة وفد أمني مصري إلى طرابلس، وتواجد الوفاق، والشد والجذب، والحوار المتبادل كل ذلك يؤدي إلى الاقتراب من وضع النقاط على الحروف ويمكن اخذ قرار يتناسب مع الحدث وأعتقد ان ذلك يؤدي إلى المصالحة، وما يحدث من سجال بين قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ووزير الدفاع التركي خلوصي أكار، من شد وجذب، يأتي بعده حوار، فهذا هو ما يولد النتائج، وستكون هناك نتائج مترتبه عليه والتي قد ترمي إلى المصالحة، من خلال هذا الحوار، أو الجدل الدائر بين الطرفين. وأضاف العمدة أن ما حدث بين مصر وتركيا من تزامن وصول وفديهما إلى طرابلس، ليس قصة اتفاق، فالسياسة من مفاهيمها، أن «المصالح تتصالح»، ولكن لا نقول إن هناك اتفاقا لأنه إذا كانت تركيا لها مصالح في ليبيا فإن ذلك واضح ومفهوم من الجانب المصري وهو واع جدا لما يحدث، لذا فأنا أتشكك في حدوث تقارب مصري تركي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وزير الدفاع التركي كان موجودا في طرابلس، إضافة إلى تواجد الوفد المصري في نفس التوقيت، ولكن تختلف الرؤى، لأن التصالح لا يكون في الدم، وقد ثبت تورط الجانب التركي في كثير من الأحداث التي تمت في الدولة المصرية ولذا نستبعد فكرة المصالحة، سواء المصالحة بشكل كامل، أو المصالحة فيما يخص الأزمة الليبية، ولكن قد يكون هناك توافق بين الجانب التركي، والجانب الليبي، وهنا سيقف الجانب المصري على الحياد، ولكن في النهاية الجانب التركي تسبب في أحداث كثيرة في مصر تسببت في إراقة الدماء، ومن تسبب في إراقة الدماء يجب أن يحاسب أولا، ولكن في النهاية يمكن القول إن سيناريو السلم، وإمكانية الوصول إلى مصالحة، هو السيناريو الأقرب في ليبيا، وذلك ما تركز عليه سياسة مصر الأخيرة، وهي سياسة الردع وفرض التوازن الاستراتيجي، وفرض التوازن الاستراتيجي لا يأتي من فراغ، ولكنه يأتي من إرادة حديدية قوية وقدرة على تنفيذه.
 
مساع مصرية لمحاصرة الأزمة
ومن جهة أخرى، قال أستاذ إدارة الأزمات بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، اللواء أركان حرب جمال الدين أحمد حواش في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: سيناريو المصالحة السياسية في ليبيا هو الأقرب من سيناريو الحرب، ومصر تتدخل بطريقة تسعى من خلالها لمحاصرة الأزمة، والتوسط بين الفرقاء كما أنها اتخذت نهجا صارما، وهو عدم خروج جندي مصري للحرب خارج حدود البلاد، ونحن لسنا طرفا مباشرا في الأزمة، ولكن من الممكن مساعدة أحد الأطراف التي ترى مصر أنه قادر على تحقيق مصالح الشعب الليبي، ولكن لن تكرر مصر تجربة اليمن مرة أخرى، كما أن تزامن زيارة وفدي مصر وتركيا للعاصمة طرابلس لها دلالات أبرزها أن الطرفين بدآ الحديث والحوار وقد يصلان إلى حل، وتكرار هذه الزيارة يأتي لإقناع الجبهة الداخلية بضرورة حل الأزمة، ولذلك فإن سيناريو الحل السلمي هو الأقرب، إلا إذا تمت عمليات عسكرية محدودة، على غرار «الحرب الخاطفة»والتي تتم في فترة قصيرة جدا، ولكنها ضربات موجعة، ولن يتم ذلك إلا في حالة الضرورة القصوى، كما أن مساعي الوفاق سوف تأخذنا إلى الحل السلمي، وذلك في إطار الحفاظ على المصالح، لأن ما يحرك جميع الأطراف هو المصالح، وعلى كل طرف أن يدرك أين تكون مصالحه، ومن الممكن أن تكون هناك جبهتان متعارضتان، ولكن تربطهما مصالح مع أحد الأطراف الفاعلة، لذا يمكن التوفيق بين الطرفين لتحقيق هذه المصالح. وفي النهاية لا نستطيع أن نحدد أي الأطراف الليبية سوف يبدأ مشوار خرق وقف إطلاق النار، ولكنه دائما يكون الطرف الذي تنفلت أعصابه، ولكن في النهاية لن يكون سيناريو الحرب هو الغالب، لأنه سيتم الحشد والحشد المضاد، وسيكون ذلك مدعاة لنشوب حرب عالمية ثالثة، لذا ستضغط كل الأطراف لتحقيق المسار السلمي.