أفريقيا... هل تصبح مركزاً عالمياً للإرهاب؟

* استفادت التنظيمات الإرهابية من جملة عوامل مكنتها من تعزيز نفوذها في أفريقيا؛ سواء من حيث الأوضاع الداخلية في القارة أم السياسات الدولية ومصالح الأطراف الفاعلة
* القارة الأفريقية بقدراتها الواعدة ومقدراتها المتزايدة وإمكاناتها المتعاظمة، أضحت الساحة الأكثر جذباً للتنافس الدولي والإقليمي للفوز بحصة من هذه الإمكانات وتلك القدرات
* مع بداية الاستفاقة لشعوب القارة وأبنائها، تواجه أفريقيا اليوم تهديدا أكثر خطورة مما سبق، فلا يقتصر الأمر على عودة الاستعمار القديم بأشكاله وأساليبه الجديدة

القاهرة: أفريقيا... قارة واعدة للمشاركة في بناء السلام والاستقرار في العالم... ذلك هو الهدف الذي يعمل من أجله الاتحاد الأفريقي الذي تأسس في يوليو (تموز) 2002، خلفا لمنظمة الوحدة الأفريقية، إلا أن كثيراً من التحديات والأزمات التي كانت تعيشها القارة منذ جلاء الاستعمار المباشر عنها لم يمكن الاتحاد من تحقيق ذلك الهدف، إذ انتقلت القارة إلى شكل جديد من الاستعمار عرف بالاستعمار غير المباشر، وقد تباينت آلياته مع دخول مستعمرين جدد دوليين وإقليميين. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل واجهت القارة على مدار العقود الماضية تهديدا جديدا ارتبط بوجود بعض التنظيمات الإرهابية مستغلة أزمة الدولة الوطنية وفشل الحكام الجدد في إدارة التباينات الداخلية وتحقيق الطموحات المجتمعية، لتجد لها ملجأ مناسبا في بعض دول القارة، ذلك الملجأ الذي يتحول رويدا رويدا إلى مقر تتنافس على التواجد فيه مختلف التنظيمات الإرهابية، خاصة تلك التي واجهت دحرا في أماكن تأسيسها ويقصد بها تحديدا تنظيمى القاعدة وداعش، فالأولى تأسست في أفغانستان والثانية قامت في أرض العراق وسوريا، ولكن تحت ضغط الضربات العسكرية والتقاربات الدولية والإقليمية واجهت هذه التنظيمات تضييقا كبيرا على استمرارها وتمديد أطرافها، فوجدت في القارة الأفريقية ساحة ملائمة ومواقع مناسبة لتمكينها من الحصول على مصادر لتمويل أنشطتها التدميرية من ناحية، ولكسب مزيد من الأتباع والمريدين من ناحية أخرى. 
وفى خضم ذلك، أضحت القارة الأفريقية في مواجهة خطر داهم يزيد من أزماتها ويعقد من مشكلاتها، إذ يمكن أن تصبح ملاذا عالميا للتنظيمات الإرهابية، وهو ما يطرح تساؤلين مهمين؛ الأول: ما العوامل أو الأسباب التي يمكن أن تجعل من القارة الأفريقية ملاذا عالميا جاذبا للإرهاب؟ والثاني: ما المقاربات التي يمكن أن تحمي القارة من هذا المصير المحتوم إذا ما صمت الجميع؟ وهما التساؤلان اللذان يجيب عليهما هذا التقرير من خلال محورين على النحو الآتي: 

 

جندي أفريقي يمسك ببندقية هجومية نصف آلية من طراز كلاشينكوف(غيتي)


 
أولاً: أفريقيا... ساحة جاذبة للإرهاب
لقد استفادت التنظيمات الإرهابية من جملة عوامل مكنتها من تعزيز نفوذها وتواجدها في القارة الأفريقية؛ سواء تعلقت هذه العوامل بالظروف والأوضاع الداخلية في القارة أم تعلقت بالسياسات الدولية ومصالح الأطراف الفاعلة. وعليه، يمكن تفسير موقف التنظيمات الإرهابية في رؤيتها للقارة الأفريقية كساحة جاذبة لعملها المستقبلي في ضوء عدة عوامل، أبرزها ما يأتي: 

  1. غياب الدولة الوطنية في كثير من دول القارة: إذ منحت الانقسامات والصراعات الداخلية في كثير من دول القارة الفرصة للتنظيمات الإرهابية أن تشغل مساحات غياب الدولة وأجهزتها. بل أكثر من ذلك واجهت الدولة الوطنية في حالات عدة صعوبة في مواجهة هذه التنظيمات، بهدف تجفيف منابع تمويلها وإضعافها، إذ إنه في حالات كثيرة ترتب على سياسات الحكومة في مواجهة هذه التنظيمات تعريض سبل عيش المواطنين في المناطق التي تتواجد فيها هذه التنظيمات للخطر، الأمر الذي شجع هؤلاء المواطنين إلى البحث عن طرق تمكنهم من التحايل على القيود الحكومية، وفى مقدمة هذه الطرق التعامل مع هذه التنظيمات التي لجأت إلى أساليب التجارة غير المشروعة مثل تجارة المخدرات والاتجار بالبشر للحصول على التمويلات المطلوبة، الأمر الذي أسهم في تعقيد الأوضاع بصورة أكبر. 
  2.  تفشي الفساد، والتهميش الاقتصادي والاجتماعي للسكان المحليين: وهو ما أدى إلى تعاظم مستويات السخط العام والإحباط وخاصة بين جيل الشباب الذي أصبح وقودا سهلا لتلك التنظيمات الإرهابية. 
  3. الانقسامات العرقية والدينية والمذهبية داخل المجتمعات الأفريقية، إذ إن السمة الغالبة على معظم دول القارة الأفريقية التنوع البشري، حيث تحتضن القارة آلاف الإثنيات، وآلاف اللغات، والكثير جدًا من الأديان ومن المذاهب داخل الدين الواحد، فنجد داخل الدولة الأفريقية طيفا واسعا من التعدد: مئات القبائل، ومئات اللغات، وعشرات الأديان، والمذاهب. وإذا كان صحيحا أن هذا التنوع قد يمثل مصدرا لإثراء المجتمعات وتنميتها إذا ما أحسن توظيفه، فإنه من الصحيح أيضا أنه قد يعد مصدرا لتفتت المجتمعات إذا فشلت الحكومات الوطنية في بناء التوافقات المجتمعية، وهو ما جرى في كثير من دول القارة، ومما زاد من التأثيرات السلبية لهذا التنوع والتعدد ما خلفه الاستعمار من تخطيط متعمد للحدود السياسية بين هذه الدول لتصبح بمثابة قنابلَ موقوتةً في كل مكان، ترتب عليها تقسيم للمجتمعات، وتأجيج للنزعات الانفصالية، وهو ما زالت تعاني منه كثير من دول القارة حتى اليوم. 
  4. الانقسام الفكري بين المدارس الإسلامية، وخاصة مع بروز جملة من المفاهيم والأفكار الأكثر توظيفا من جانب هذه التنظيمات منها على سبيل المثال: 
  5. فكرة الخلاص من المجتمع الفاسد، الذي تنتشر فيه المفاسد والنقائص والشرور، والسعى نحو إقامة مجتمع الكمال الذي يحقق العدالة والمساواة والرخاء لكافة مواطنيه. مع الأخذ في الحسبان أن فكرة الخلاص لم تقتصر على أنصار التنظيمات الإسلامية فحسب، بل استخدمتها كذلك أدبيات جيش الرب للمقاومة في أوغندا ‏مستندة في ذلك إلى فهم معين للتقاليد المسيحية. 
  6. مفهوم الجماعة ‏المختارة، أو الناجية، وهو ما يعطي لها الشرعية في عدم التسامح مع بقية الجماعات المسلمة الأخرى، فعلى سبيل المثال قامت «‏بوكو حرام»باغتيال أمير جوزا المسلم، وأحرقت عددًا من المساجد بحجة أنها تابعة لجماعة إسلامية أخرى لا تعترف بها. 
  7. مفهوم التجديد في إطار الشرعية، إذ غلبت على كثير من أفكار هذه التنظيمات الإرهابية رؤية أن الواقع يحتاج إلى تطوير المبادئ الدينية بما يتفق مع متطلباته الراهنة. ورغم منطقية هذه الفكرة بل وصحة دلالاتها، إلا أن توظيفها أو تطبيقها حمل انحرافا كبيرا من خلال وضع مبادئ دينية بديلة تبرر الأفعال غير المشروعة وتضيف إليها المشروعية والشرعية الدينية تحت حجج واهية ومنطلقات مغلوطة. الأمر الذي مثل تحديا بل انقلابا على الفكر الصوفي المستنير الذي كان سائدا في تلك المجتمعات لعقود طويلة. 
  8. انتقائية الاستراتيجيات الدولية لمكافحة الإرهاب: وتضارب مصالح الأطراف المشاركة فيها، الأمر الذي يدفع باتجاه أن تتخذ التنظيمات الإرهابية كافة من أفريقيا ملجأ وملاذًا آمنًا، مستفيدة في هذا الخصوص من عاملين: الأول، بعد المسافة بين المصالح المباشرة للأطراف الدولية الفاعلة وأمنها القومي (يقصد بهم تحديدا روسيا والصين والولايات المتحدة) وبين التهديدات القادمة من هذه التنظيمات إذا ما اتخذت القارة الأفريقية مقرا لها. بمعنى أكثر تحديدا ترى هذه الأطراف الدولية أن إبعاد التنظيمات الإرهابية عن جوارها الجغرافي المباشر وانتقالها إلى القارة الأفريقية يحمي أمنهم القومي، فعلى سبيل المثال وجود تنظيم القاعدة في أفغانستان يهدد الأمن القومي الروسي والصيني بسبب القرب الجغرافي في حين أن انتقاله إلى القارة الأفريقية يقلل من تهديدهم المباشر. الثاني، يرتبط بمدى قدرة الأطراف الدولية على توظيف هذه التنظيمات الإرهابية داخل القارة الأفريقية بما يحقق مصالح حلفائها المحليين، فعلى سبيل المثال حينما يسعى أحد الأطراف الدولية إلى إسقاط نظام حكم في دولة أفريقية يمكنه من توظيف هذه الجماعات ودعمها ورفدها بالمال والسلاح، وهو ما يمكن أن يمكّن ذلك الطرف من توسيع حجم حلفائه في مواجهة حلفاء الأطراف الأخرى المنافسة، الأمر الذي يجعل من القارة الأفريقية ساحة للحرب بالوكالة بين تلك الأطراف من خلال توظيف التنظيمات الإرهابية.
    المشتبه به بالإرهاب محمد أحمد عبدي (إلى اليسار) وشريكه المتهم حسن حسين مصطفى (وسط) بعد الحكم في قضاياهم التي تتضمن اتهامات بمساعدة المسلحين المتورطين في هجوم ويستجيت مول في سبتمبر 2013، في نيروبي ، في 30 أكتوبر 2020(غيتي)
     
     
ثانيا- أفريقيا وحمايتها من الإرهاب... مقاربات جديدة
في ضوء تلك التهديدات التي تتعاظم داخل القارة الأفريقية، ثمة ضرورة مهمة للبحث عن مقاربات جديدة تسهم في الحد منها ومعالجة تداعياتها، ومن أبرز المقاربات المطروحة ما يأتي
  1. ضرورة إعداد دراسات تفصيلية ومستفيضة وموسعة وشاملة عن كافة التنظيمات الإرهابية في القارة الأفريقية، إذ كثيرا ما يتم إعداد هذه الدراسات عن التنظيمات الكبرى مثل: بوكو حرام، وتنظيم شباب المجاهدين وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. صحيح أن مثل هذه الدراسات تقدم رؤية شاملة عن أبرز التنظيمات الإرهابية وأكثرها خطورة، سواء من حيث أسباب ظهورها ومقومات وجودها وعوامل استمرارها، بما يسهم في فهم ما يجري في القارة الأفريقية خاصة وأن هذه التنظيمات قاصرة في وجودها على بعض الدول الأفريقية، إلا أنه من الصحيح كذلك أن قصر الدراسات والتحليلات المستفيضة على هذه التنظيمات الكبرى فحسب، يجعل ثمة قصورا في الرؤية بشأن الخريطة المستقبلية لحركة هذه التنظيمات وفروعها وأتباعها في مختلف مناطق القارة، وهو الامر الذي يستوجب إعداد دراسات مستفيضة عن خريطة التنظيمات الإرهابية في القارة الأفريقية، ترسم خلالها كافة التفاصيل المتعلقة بها بغض النظر عن حجمها وثقلها السياسي أو الاقتصادي أو الإرهابى. وجدير بالذكر أن أهمية مثل هذه الدراسات تزداد في ظل التقدم التكنولوجي الذي يمكن هذه التنظيمات من التحرك بسهولة لكسب مزيد من الأتباع عبر شبكة الإنترنت دون الحاجة إلى التواجد الفعلي داخل حدود الدولة، وهو ما يستوجب بدوره أن تكون هذه الدراسات في تحديث مستمر لمتابعة ما تشهده من مستجدات أو تطورات، بما يجعل استراتيجيات الدول في مواجهة هذه التنظيمات ملائمة مع تطوراتها وتحولاتها. 
  2. تعزيز مكانة الإسلام ذي النزعة الروحانية الصوفية، إذ كان في الماضي يمثل حائط سد منيع ضد أفكار الغلو والتطرف. ومن ثم فتعزيز مكانته وتوسيع دائرة تحركه يمكنه من استعادة دوره كحائط صد في مواجهة الأفكار المتشددة. 
  3. الاستفادة من الاستراتيجيات المستخدمة لمكافحة فيروس كورونا (كوفيد-19)؛ تلك الاستراتيجيات القائمة على نهج تتبع المخالطين، إذ يمكن من خلال هذا النهج رسم خرائط تطور وانتشار التنظيمات الجهادية العنيفة في أفريقيا، كخطوة أولى تمكن حكومات هذه الدول من الحد من انتشار أفكارها وحركتها. 
  4. ضرورة مراعاة التباينات الموجودة بين الأقاليم الأفريقية ودولها عند وضع الاستراتيجيات لمواجهة التنظيمات الإرهابية، إذ إنه من الأهمية بمكان لكي تنجح الحكومات الوطنية في مواجهة هذه التنظيمات أن تتفهم واقعها ومنطلقاتها الفكرية وسياسات تحركاتها وارتباطاتها الدولية والإقليمية، لأنه من دون هذا الفهم تصبح هذه الاستراتيجيات استنزافا لموارد الدولة المحدودة وتدميرا لقدراتها وإمكاناتها. فعلى سبيل المثال ثمة تباين بين بيئة عمل التنظيمات الإرهابية في الصومال عنها في نيجيريا سواء من حيث الدوافع والعوامل أو من حيث أساليب العمل والسياسات المنتهجة. صحيح أن ثمة قواسم مشتركة بينهما إلا أن التفاصيل وفهمها أمر في غاية الأهمية إذا ما كنا نسعى إلى اجتثاث الإرهاب من جذوره قبل أن يستفحل في كافة أنحاء القارة. مع الأخذ في الحسبان أن ما سبق يستوجب أهمية التنسيق المشترك بين دول القارة في مواجهة خطر الإرهاب واستفحاله.
طالبات في مدرسة إسلامية في نيجيريا (غيتي)
 

غاية القول إن القارة الأفريقية بقدراتها الواعدة ومقدراتها المتزايدة وإمكاناتها المتعاظمة، أضحت الساحة الأكثر جذبا للتنافس الدولي والإقليمى للفوز بحصة من هذه الإمكانات وتلك القدرات، إلا أنه بأزماتها المعقدة وبصراعاتها المتشابكة وبحروبها الممتدة أضحت كذلك ساحة للتنظيمات الإرهابية ترى فيها ملجأ أكثر أمنا ومقرا أكثر رخاء، وهو ما يستوجب دق ناقوس الخطر الذي يتهدد أمن القارة واستقرارها وتنميتها بعد عقود من الاستعمار الذي نهب ثرواتها وشرد أبناءها. ومع بداية الاستفاقة لشعوب القارة وأبنائها، تواجه أفريقيا اليوم تهديدا أكثر خطورة مما سبق، إذ لم يقتصر الأمر على عودة الاستعمار القديم بأشكاله وأساليبه الجديدة، وإنما تستقبل وافدا جديدا أكثر فتكا وتدميرا وهلاكا للقارة وشعوبها، فهل تظل منتظرة مصيرها المحتوم أم تتحرك سريعا لمواجهة هذه التهديدات؟