2020: التغريبة السورية

* بينما يسدل العالم الستار على 2020، يستمر انتظار السوريين لحظة إسدال الستار على مأساتهم... وإلى ذلك الحين سيبقى 2020 رقماً شبيهاً بما سبقه، وبما سيأتي بعده

 
 
ينظر العالم إلى سنة 2020 على أنها الأسوأ في القرن الحادي والعشرين، فالعالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه عانى ولا زال يعاني من فيروس كورونا وما نتج عنه من مصاعب ومآس على جميع الصعد، وخصوصا الاقتصادية، بسبب اضطرار غالبية دول العالم للإغلاق الشامل في محاولة للحد من انتشار الفيروس الذي تسبب في وفاة أكثر من مليون شخص في العالم، وإن كان قد تم التوصل إلى لقاح للفيروس قبل أن ينتهي العام، إلا أن توزيعه وإعطاءه لمئات الملايين من البشر قد يأخذ وقتا طويلا.
أما بالنسبة للسوريين، فقد كانت 2020 كسابقاتها من القرن الحادي والعشرين، مأساة مستمرة ومعاناة تأبى أن تنتهي.
عام بدأ باغتيال قاسم سليماني، مهندس الحرب على السوريين، ولكن اغتياله لم يوقف مأساة السوريين، ولَم يضع حدا للتوغل العسكري والسياسي الإيراني، بل تحولت سوريا إلى مستودع كبير للأسلحة كما المخدرات التي تمول ميليشيات إيران، وصارت المدن والمناطق السورية ساحة لرسائل صاروخية بين تل أبيب وطهران.
عام دخل فيه قانون قيصر الذي انتظره السوريون طويلا عله يحقق لمعتقليهم وشهدائهم بعضا من العدالة، حيز التنفيذ، فتم فرض عقوبات شديدة على نظام الأسد وكل من يحاول أن يساعده بجريمته المستمرة ضد السوريين، وأوقف أي محاولات للتطبيع مع دمشق وأي بوادر لتعويم نظامها، إلا أن ذلك أيضا لم يضع حدا لمعاناة السوريين، فلا المعتقلون خرجوا، ولا الأسد عجز حتى الآن عن الالتفاف على العقوبات بفضل الممر اللبناني للتهريب والتهرب من لبنان إلى سوريا.
وحتى اللاجئون، الذين حاول نظام الأسد ومعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استغلالهم كورقة، يحاولون عن طريقها إقناع العالم بإعادة العلاقات مع دمشق، بل ودعمها مادياً، لتصبح قادرة على إعادة ملايين السورريين المهجرين، كانت معاناتهم مضاعفة، فبين انتشار كورونا وحملات عنصرية ضدهم، واعتداءات عليهم وخصوصا في تركيا ولبنان، تفاقمت بإحراق مخيم للاجئين في منطقة المنية في شمال لبنان وقبلها طردهم من منطقة بشرى. دفع اللاجئون أثمانا جماعية، مرة بسبب جريمة فردية، ومرات بسبب حملات عنصرية لم تتوقف، ولكن زادت وتيرتها مع التدهور الاقتصادي والسياسي في لبنان خصوصا.
سياسيا، أبت المعارضة إلا أن تزيد من عزلتها عن السوريين وثورتهم، فباتوا وكأنهم ممثلون لدول وتنظيمات ليست سوريا من ضمن أولوياتها، ففي حين استمروا بتنفيذ أجندات هذه الدول مرة من خلال بدعة اللجنة الدستورية وليدة مؤتمر سوتشي ومرة من خلال حديث متكرر عن لجنة انتخابات، وكأنهم قبلوا أن يكونوا هم الأداة لإعطاء شرعية للأسد وفك عزلته، والأسوأ من ذلك صمتهم الكامل عن استغلال السوريين وتحويل بعضهم لمرتزقة أرسلتهم تركيا للقتال نيابة عنها في حروبها في ليبيا وأذربيجان.
فالعالم المشغول بكورونا وتداعياته لم يجد نفسه بعد ملزما بوضع حد لمأساة السوريين.
ومع ذلك، كان لنهاية العام عند السوريين طعم مر آخر، إعلان مفاجئ عن وفاة المخرج السوري حاتم علي في مصر كانت كفيلة بأن تذكر السوريين بأحلامهم الأولى وتعيد ثورتهم إلى الواجهة، حزن وألم ومرارة عمت السوريين في كل بلاد الشتات كما في داخل سوريا، منذ سنوات لم يلتف السوريون حول شخص كما التفوا حول حاتم علي، الطفل النازح من الاحتلال والرجل الذي اختار المغادرة بسبب رفضه لعنف النظام، كما المخرج الذي أبدع فترك بصمات على الدراما السورية والعربية.
مات حاتم علي، فعادت للسوريين ذكرياتهم، كانوا عائلات وأصدقاء قبل أن يتحولوا لمجرد لاجئين مشتتين، كان حاتم يجمعهم في سهرة تلفزيونية قبل أعوام طويلة، وأعاد جمعهم اليوم في جميع أصقاع الأرض. من يقرأ كيف رثوه وبكوه يدرك أن السوريين كانوا يرثون أنفسهم ويبكون أنفسهم أيضا، حاتم ابن الجولان المنسي الذي طلب أن يدفن في دمشق، ذكرنا أن الوطن الذي حلم به السوريون لا يزال بعيد المنال، وما قد يكون متوفرا حاليا من هذا الوطن هو بضعة أمتار ندفن فيها إن كنا من المحظوظين.
فبينما يسدل العالم الستار على 2020، يستمر انتظار السوريين لحظة إسدال الستار على مأساتهم، وإلى ذلك الحين سيبقى 2020 رقما شبيها بما سبقه وبما سيأتي بعده.