المصارف اللبنانية لم تعد متمسكة بالسرية المصرفية... وهمها اليوم استعادة ثقة المودعين

«المجلة» تحاور الرئيس السابق للجنة الرقابة على البنوك سمير حمود:


* إدارة البلد تشوبها منذ فترة طويلة أعمال الفساد والعمليات غير الأخلاقية مما أدى إلى ثراء فاحش عند بعض الناس وضياع اقتصاد ومالية الدولة
* في الفترة الأخيرة لم نعد قادرين على تغطية الحساب الجاري، لأن العجز أصبح مستمرًا، وتغطيته تأتي من مصدرين، إما من الاستثمارات المباشرة وإما من الحسابات المالية
* البلد لن يفتح قبل انفتاحه سياسياً على كل بلدان العالم.. والمصارف لن تستطيع النهوض مجدداً قبل أن تستعيد ثقة الناس فيها

بيروت: حين تم تعيين الدكتور سمير حمود رئيساً للجنة الرقابة على المصارف يوم 12 مارس (آذار) 2015، كان لبنان يمر في مرحلة سياسية صعبة نتيجة الفراغ الرئاسي الذي حصل في البلد بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، بتاريخ 24 مايو (أيار) 2014، وعدم اتفاق الأطراف السياسية على شخصية رئيس الجمهورية الذي سيخلفه، وكان القطاع المصرفي لا يزال يعاني من ذيول تصفية البنك اللبناني الكندي الذي اتهمته الخزانة الأميركية بعمليات تبييض أموال لحزب الله، سيما وأن هذا البنك كان من بين أكبر المصارف اللبنانية، وقد وضعت تصفيته القطاع تحت المجهر الأميركي، كما فرضت على لجنة الرقابة على المصارف تفعيل عملها الرقابي على المصارف حتى لا يكون مصيرها مثل البنك المصفى.
واختيار حمود  لهذا المنصب لم يأت من فراغ، بل لأنه مصرفي وحقوقي متمرس وخاض تجربة طويلة في العمل المصرفي، وقد شغل منصب رئيس إدارة معالجة المديونيات في بنك البحر المتوسط، ومدير إدارة المخاطر في بنك المتحد للأعمال، ومدير التسليف في بنك بيروت والبلاد العربية، ومدير تسليف الشركات الكبرى في البنك التجاري الكويتي، ومحاضراً في جامعات أميركية، ولبنانية أميركية، ويسوعية، وهايكازين، ويحمل إجازة في إدارة الأعمال، وإجازة في الحقوق.
قاد حمود اللجنة بصرامة وفاعلية وشدد رقابته على القطاع المصرفي خصوصا بعد الهجمة الشرسة التي شنت على القطاع من بعض الأطراف السياسية المتضررة من تصفية البنك اللبناني الكندي، وكان أبرزها العبوة الناسفة التي وضعت تحت سيارة قرب المبنى الرئيسي لبنك لبنان والمهجر في منطقة الكونكورد وحطمت واجهة المصرف بسبب إقدام هذا البنك على إقفال حسابات لأشخاص مقربين من حزب الله .
ويبدو أن سياسته الصارمة في لجنة الرقابة وانتقاداته الدائمة للطبقة السياسية هي التي دفعت حكومة حسان دياب لعدم التمديد له في شهر يونيو (حزيران) 2020 لأن التعيينات المالية التي حصلت كان مقياسها الأساسي المحاصصة السياسية للطبقة الحاكمة لتطويق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومحاولة تحميله والمصارف مسؤولية الانهيار الذي حصل في القطاع وانهيار العملة الوطنية أمام الدولار الأميركي رغم معرفة الجميع بأن آراء الخبراء المحيطين بحكومة دياب هي سبب الخراب في البلد بسبب أفكارهم الكارثية والإفلاسية وإصرارهم على تحميل الخسائر إلى مصرف لبنان والقطاع المصرفي وكأن مصرف لبنان هو الذي أهدر المليارات على الصفقات المشبوهة في قطاع الكهرباء والبواخر التركية ناهيك عن التهريب على الحدود البرية وفي المرفأ والمطار، وكأن الدولة لم تكن تستدين من المصارف لسد عجز ميزانيتها وتغطية سرقاتها واليوم تحاول الاستيلا ء على أموال المودعين .
من هذه الوقائع والأجواء السائدة في القطاع المصرفي والبلد كان حوارنا مع الدكتور حمود لنسأله:
 
الفجوة و العجز المستمر
 
* ما الهدف الأساسي للتدقيق الجنائي، وهل له علاقة بالصراع السياسي الدائر في البلد، وهل من المنطقي أن تتجاهل الطبقة السياسية الحاكمة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت وترفض التحقيق الدولي وتصر على الاستعانة بشركة أجنبية للتدقيق الجنائي في مصرف لبنان؟
- التدقيق الجنائي مرده أن هناك فجوة كبيرة حصلت على المستوى المالي والنقدي، وهذه الفجوة أدت إلى انهيار القطاع المصرفي وإلى خلل كبير في المالية العامة إذا لم تعد الدولة قادرة على الاستمرارية حتى في مواجهة مصاريفها الأساسية وتريد استعمال أموال الناس والمودعين، وهناك شبهة كبيرة وإجماع عليها من دون أن نعددها بشكل دقيق أن البلد بإدارته وحوكمته منذ فترة طويلة تشوبها أعمال الفساد والأعمال غير الأخلاقية في إدارة شؤون الدولة، مما أدى إلى ثراء فاحش عند بعض الناس وضياع اقتصاد ومالية الدولة، يعني ألم ير أحد أن بلدا مثل لبنان وتاريخه القديم أصبح غير قادر على تأمين موازنة وتوازن لماليته واقتصاده ويصبح بلدا غير قادر على الاستمرار بسبب سوء الإدارة التي يمكن أن تصفها بالفاسدة، وسأذهب أبعد إلى السرقات والنهب التي أدت إلى هذا الخلل الكبير الناجم عن سوء إدارة وحوكمة البلد.. أنا أسأل: ألم يعرفوا على مدى طويل كيف يمكن إدارة البلد؟ إن ادارة البلد لا تأتي دائماً باللغة الإدارية والمالية والنقدية، لأن إدارة البلد تبدأ أولاً بالهوية السياسية والهوية السياسية هي التي تحدد علاقته مع الدول وتحدد هويته الاقتصادية وأين مراكز القوة والضعف في اقتصاده ويعمل على توازن هذا الاقتصاد لخدمة المواطن .
منذ فترة طويلة، وربما تعود إلى ما قبل 1975 حتى لو اختلفت الأرقام والأسباب، فنحن نعلم تماماً أن العجز في الميزان التجاري كبير، كنا في السابق نغطيه من الحساب الجاري ومن إيرادات أولادنا في الاغتراب وأعمال السياحة، لكن في الفترة الأخيرة لم نعد قادرين على تغطية الحساب الجاري لأن العجز أصبح مستمرا وتغطية العجز تأتي من مصدرين؛ إما من الاستثمارات المباشرة أو من الحسابات المالية، يعني المطلوب أن نعمل لاستقطاب ودائع لوضعها في المصارف حتى نتمكن من تغطية الفجوة في الحساب الجاري، وهذه الحسابات دائماً كلفتها عالية لأن الاقتصاد هو الذي يدفع تكلفة هذه الحسابات المالية والمؤسف أننا عشنا فترة طويلة في هذا الخلل الكبير، ولم تكن الدولة تشعر أن السبب الأساسي لهذا الخلل حوكتمها وماليتها والعجز المستمر في ماليتها وتفاقم هذا العجز بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب والإنفاق غير المدروس الذي لا يملك تغطية كل هذه الأمور تدفعك للسؤال لماذا التدقيق الجنائي وهذا التدقيق حتى يكون صحيحاً يجب أن تعمل على تدقيق محاسبي وستجد أن هناك خللا في حسابات غير طبيعية وعليك أن تستفسر عن سبب هذا الخلل وتقول إنني أريد أن أجري تدقيقا جنائيا حتى أعرف سبب هذا الخلل وعندئذ يكون للتدقيق الجنائي قيمة، إنما كما هو معروض اليوم فهو أمر مريب، أي إنك تريد أن تطلع على كل الحسابات في كل الوزارات والإدارات ومصرف لبنان حتى تنجز التدقيق الجنائي، أي إنك وضعت مهمة ضخمة جداً حتى تقوم بهذا العمل، فهل الهدف هو القيام بهذه المهمة أم إن تكبيرها هو لعدم القيام بها.
هناك نوايا مشكوك فيها، صحيح أن لا أحد يريد استمرار الخطأ والفساد والسرقة والنهب، والمواطن يقول عفا الله عما مضى، ولكن يا ترى هل نحن فعلاً نثق بالحوكمة الحالية للدولة؟ وهل فعلاً هناك نية لإجراء تحقيق جنائي وكف يد من أساء إلى هذا البلد باللغة المالية؟
بصراحة أتمنى ذلك، إلا أنه وبعد الذي حصل تم تجميد السرية المصرفية وانتهاء الجدل بين من يقول إنه كشف الحسابات إذا لم يكن هناك قانون لرفع السرية، حتى الإدارات والمؤسسات لا تستطيع أن ترفع السرية عن حساباتها بقرار من الوزير أو مجلس الوزراء إلا إذا كان هناك قانون يرفع السرية، فجاء القانون ليقطع الطريق على التأويلات والتفسيرات، إذ نص على تعليق السرية المصرفية لمدة سنة من تاريخ إصدار القانون، وتستطيع الوزارات والمؤسسات العامة أن ترفع السرية عن حساباتها، وهي التي تحدد الفترة السابقة لتسهيل عملية التدقيق، إنما هذا لا ينطبق حسب القانون الذي أقر على حسابات القطاع الخاص والمصارف بصورة خاصة في مصرف لبنان، فهل بعدم رفع السرية عن حسابات القطاع المصرفي يستطيع التدقيق الجنائي أن يقطع الطريق إلى النهاية ويبين النتائج  بصورة شاملة؟
 
خسائر المرفأ
 
* لماذ تصر الدولة على التدقيق الجنائي بواسطة شركة أجنبية وترفض التحقيق الدولي في انفجار المرفأ؟
- أنا أشاركك التساؤل: لماذا رفضت الدولة التحقيق الدولي في مرفأ بيروت؟ أنا شخصياً كمراقب وكمواطن كنت أفكر أن هناك خسائر في الودائع بحدود 100 مليار دولار، أنا أقول: هل الـ100 مليار دولار أغلى في القيمة المادية وليس العاطفية من خسارة 200 قتيل و6000 جريح و200 ألف مشرد، والعاصمة بيروت ربعها أو أكثر دمر؟ هل تعتقد أن هذه الخسائر لا توازي 100 مليار دولار؟ وإذا اعتبرنا أننا خلال 28 سنة خسرنا أو خسر المودعون، أو إذا استحال على المودعين الحصول على أموالهم فوراً وسريعاً وتحويلها إلى دولار حقيقي إلى الخارج نكون في أسف، ونحن في أسف أكبر، نحن خسرنا 200 قتيل و6000 جريح و200 ألف مشرد وربع العاصمة بيروت مدمر، هذا يتجاوز التدقيق الجنائي وأي تدقيق حقيقي في الأسباب، إذا كنا طوال 28 سنة لم نعرف أن هناك فجوة في الحسابات المالية، واستمررنا في المالية العامة بعجوزات مستمرة، واليوم نريد أن نحاسب، إذن ألا يمكننا أن نقول ونفهم أن هناك قنابل موقوتة في المرفأ منذ 7 سنوات لا يعلم أحد بها، وإذا كانوا يعرفون ولم يتحركوا، فهذا شيء مخيف.
وأخيراَ المصارف، وبعد رفع السرية المصرفية هي غير متمسكة بهذه السرية اليوم، لأنها لم تعد تستفيد منها، وعندها مشكلة أكبر، وهي أن تستعيد الثقة بنفسها وثقة المودعين بها، نحن لدينا مشكلة فقدان الثقة بالمصرف، فأنت تضع مالك أو جنى عمرك في المصرف مقابل ورقة من بنك، هذا نتيجة ثقة، اليوم هذه الثقة مفقودة، والمصارف عندها معركة إعادة الثقة أهم بكثير من استمرارية السرية المصرفية، سيما أن السرية مرفوعة عن المال القذر وباقية على المال النظيف، وهذا يجب الاستعجال فيه لأنه يسيء سلبياً ونفسياً في مرحلة إعادة الثقة، أنا لا أقول إنه يجب أن  نتمسك بالسرية المصرفية،  لكن أرى أننا اليوم نتخذ قرارات برفع السرية كلياً وعلى أي أمر لا يفيد، وربما لم يعد يضر أكثر، لأن الضرر واقع بفقدان الثقة في القطاع المصرفي، فالمصارف لن تستطيع النهوض مجدداً قبل أن تستعيد ثقة الناس فيها، ولكي يحصل هذا الأمر يجب إعادة الرسملة من جديد بعملة أجنبية وإعادة السيولة بعملة أجنبية وإعادة الحوكمة وأن يكون هناك مشوار طويل لإعادة بناء القطاع، لن أدخل كثيراً بكيفية حصول هذا الأمر رغم أن لدينا افكارا، لن أشدد على هذا الأمر إنما أريد أن أقول: كيف نتكلم على المصارف والأموال واستعادتها ودفعها والبلد مغلق، لبنان مغلق على العالم وقبل أن تعيد الثقة إلى مصارفك يجب إعادة الثقة للفنادق التي لا تستطيع استقبال زوار؛ هل من المعقول أن بيروت غير قادرة على استقطاب ألفين أو ثلاثة آلاف زائر لفنادق 5 نجوم؟ هناك بلدان أقل لديها أكثر من مائة ألف غرفة ممتلئة ونحن لا نستطيع استقبال ألفي زائر، نحن نتحدث عن إعادة ثقة وإعادة تكوين القطاع المصرفي وإعادة أموال الناس، وعن توازن مالية... علينا قبل التحدث في هذه الأمور أن نعمل على فتح البلد والبلد لن يفتح قبل انفتاحه سياسياً على كل بلدان العالم، لديك مشكلة مع إسرائيل، مفهوم، لكن لا يجوز أن تكون لديك مشكلة مع بلد آخر، نحن نفتعل المشاكل مع دول العالم، أغلقنا على العالم أغلق علينا، وأصبحنا في غرفة سوداء، أبوابها مغلقة ونوافذها مغلقة، ونحن نتحدث عن الإنعاش، وهذا لن يحصل إذا كانت أبوابك مغلقة ولا تعمل على فتحها .