بديع أبو شقرا لـ«المجلة»: أنا «فِكْسر» حياتي... وفي لبنان نعمل بين الألغام

قال إن شخصيته جدلية ومعقَّدة في مسلسل «خرزة زرقا»
أبو شقرا لـ«المجلة»: «لا بد من المحاولة في الفن، نجرّب ونرى النتيجة ونتعلّم ونفشل، فالفشل هو جزء من النجاح».

*بلدنا منهار ووصلنا للأوسكار
* سياسيّو لبنان احتلّونا وعملُنا في بلدنا «نضال»
* لا بدّ من التوجّه إلى جمهور «تيك توك» بأعمالنا
* أنا متمسّك بالأمل... والتغيير في لبنان آتٍ لا محالة

بيروت: الفن سلاحه السحري في صراع البقاء. هو الذي أحيا نبض الثورة اللبنانية وكان نجم تظاهراتها وتحركاتها الشعبية.
استطاعت أعماله أن تخرج من عنق الزجاجة في عام القيود والكوارث والأزمات، عامٌ سار فيه بين «الألغام»، في بلد منهار، منهار ولكنه وصل لـ«الأوسكار».
يثمِّن مشاركته في أعمال عصرية تجسّد الشكل الدرامي المنشود في العالم العربي، في محاولة لمجاراة تطور العمل الدرامي وأدواته على مستوى العالم. ويؤكد أن تجربتَي «العميد» و«فِكْسر» نقطتَي تحول في مسيرة الدراما العربية، لخروجهما من القالب الدرامي التقليدي.
من كواليس أحدث أعماله التمثيلية مسلسل «خرزة زرقا»، يحدَّثنا الممثل اللبناني بديع أبو شقرا في هذا الحوار...
 



* تتابع مع حلول العام الجديد تصوير مشاهدك في المسلسل العربي المشترك «خرزة زرقا»، حدّثنا عن دورك فيه ومتى سيبصر النور؟
- المسلسل اجتماعي عائلي، ينقل واقعا يعيشه لبنان بين عائلتين لبنانية وسورية تجمعهما الحياة في ظروف قاسية، انتهينا من تصوير أكثر من نصف مشاهده، وهو يتألف من 60 حلقة تولّت شركة «صبّاح إخوان» إنتاجه وكتبته كلوديا مرشيليان ويُخرجه جوليان معلوف. يجمعني العمل بمعتصم النهار وجهاد سعد ورولا بقسماتي وكارمن لبّس وطوني عيسى ووسام صليبا وسواهم، ويُبصر النور في 18 كانون الأول/ يناير على قناة OSN.
أؤدي في «خرزة زرقا» دور مركّب، إذ إن طبيعة الشخصية جدليه ومعقّدة جدًا، تتأثر بالظروف التي تحيط بها، فالعمل يروي قصة تدور داخل قرية لبنانية تعيش فيها عائلة سورية، وهي قصة قديمة تنعكس مفاعيلها على الحاضر وتؤثر عليه، بعد الظن أنها انتهت وتم تخطّيها.
 
* تحاول إصلاح حياة المشاهير في مسلسل «فِكْسر»(Fixerالذي يجمع ما بين الكوميديا والحركة والتشويق ويُعرض عبر منصة «شاهد» الإلكترونية. كيف تم ترشيحك لبطولة العمل وما الذي يميّزه عن سواه برأيك؟
- طرحنا الفكرة منذ فترة ولكن تأثرًا بالظروف الراهنة، أرجأنا تنفيذها. ميزة المسلسل أنه مشغول بطريقة عصرية لم يعتدها المُشاهد ولكنها تجذب، يتألف من عشر حلقات ويتضمّن أحداثا كثيرة وأكشن، وقد أجرينا تمارين على جميع مَشاهده قبل البدء بتصويرها، فالمسلسل مكثَّف جدًا وأحداثه متسارعة، وخالٍ من التطويل، وأنا أحب هذه المسلسلات، وذلك لأننا عندما نقدّم أعمالًا درامية تقليدية طويلة، رغم أنها مطلوبة ومهمة، لا نجذب أحيانًا الجمهور اليافع الذي يرغب في مشاهدة ما يشبهه ويشبه تفكيره، فربما لا تُحاكي الدراما تطلعات هؤلاء الشباب، لذا يميلون إلى مشاهدة المسلسلات الأجنبية. وباعتقادي، يُحاكي «فِكْسر»هذا الجمهور، وقد أيقنت ذلك من خلال ابنتي، ابنة الـ15 عامًا، فهي تشاهد الأعمال الدرامية كنوع من التسلية،إنما تميل إلى مشاهدة أعمال مسلية تُحاكي سنّها، كشباب جيلها جمهور السوشيال ميديا و«تيك توك» Tiktok تحديدًا.. بات سقف هذا الجيل عاليًا ولا بدّ من التوجّه لهم بأعمالنا.

 

مسلسل «فِكْسر»
 


 
* كيف ترى التحوّل في المشهد الدرامي؟
- تشهد الدراما ولادة جديدة بفضل المنصات الرقمية، بات لنا مركزنا وأهميتنا على خريطة الصناعات الدرامية في المنطقة ولم يعد الاعتماد على التلفزيون وحده، بل إن المنصات الإلكترونية المدفوعة دخلت هي الأخرى على خط المشاهدة، وقد عملتُ مؤخرًا في مسلسلين يحملان هذه النفحة، أولهما «العميد» الذي جمعني بتيم حسن وكاريس بشار وأنجو ريحان وسواهم، وهو من إنتاج Kingset Production  وكتابة وإخراج باسم السلكا، وثانيهما «فِكْسر»، وهما عملان اقتربا خطوات من هذا الاتجاه الذي أشجّع سلوكه، فمشاهدته تمتعني ويهمّني التمثيل به.
لا بد من المحاولة في الفن، نجرّب ونرى النتيجة ونتعلّم ونفشل، فالفشل هو جزء من النجاح. فأنا أضع آمالًا كبيرة على هذه الأعمال العصرية التي تتألف من مواسم ولا يتعدى موسمها الـ10 حلقات، إذ يستطيع الشخص أن يطوّر بها ويفتح أمامه أبوابًا جديدة ويُحاكي من خلالها شريحة أوسع من الجمهور.
تمنح المنصات الرقمية المُشاهد حيّزا من الحرية، فلم يعد الناس ينتظرون عرض المسلسل بعد النشرة الإخبارية كما في السابق، يشاهدون الأعمال وفق مزاجهم، فوجود هكذا منصات تدفع الشخص الذي لا يُشاهد مسلسلات تلفزيونية في العادة، إلى المشاهدة، إذ يحمّسه أن يرى أمامه مسلسلا كاملا، فيه نفَس عصري، ومحظوراته أقل.
 
* هل الخطورة في الإنتاج الرقمي أقل برأيك؟
- صحيح، فإن أراد الممثل أن يقدّم فكرة جديدة عصرية غير متناولة من قبل، مؤلفة من 6 حلقات تقريبًا، ربما يفشل، لكن عندها لن تكون خسارته فادحة، وذلك لأن المسلسل يكون صغيرًا وتكلفته أقل، فإن لم ينجح عمله لا يقدّم منه أجزاء أخرى، وإن فعَل، يتابع في أجزاء متتالية.
 
* ينتمي مسلسل «خرزة زرقا» إلى نوعية المسلسلات الطويلة إذ يتألف من 60 حلقة، فهل تقارن بينه وبين «العميد» و«فِكْسر»؟
- للنوعين أهميتهما ولكن لكلّ منهما جمهوره.
 
* من هو الـ«فِكْسر» في حياتك؟
- أنا الـ«فِكْسر» في حياتي... بعض الفنانين يقعون أحيانًا في مشاكل جدية يحتاجون فيها إلى «فِكْسر» يعالج مشاكلهم، ولكنني أحلّ مشاكلي بنفسي إذ إنني إنسان مبدئي وهو ما يبعدني عن المشاكل.

 

مع كاتب ومُخرج مسلسل «العميد»باسم السلكا
 


 
* عرفت نجاحات مهنية عديدة عام 2020، فقد برزت في المسلسل العربي المشترك «من الآخر» كما شاركت أيضًا في مسلسل «العميد» إلى جانب تيم حسن، ورُشِّح فيلمك «المفاتيح المكسورة» (Broken Keys) لنيل جائزة «الأوسكار»، إضافة إلى تألقك في مسلسل «بالقلب» وفيلمَي «فيك بوك» و«بالصدفة» الذي جمعك بالفنانة كارول سماحة.كيف استطعت تقديم كل هذه الأعمال في هذه السنة الكئيبة؟ وكيف تصف عام 2020 مهنيًا؟

- نشعر بأننا لا نعمل فقط لمراكمة التجربة والظهور، بل إن عملنا في لبنان مثابرة ونضال لتحسين البلد ورفع اسمه عاليًا، فالفن أثاث الثورات الحقيقية، ولهذا السبب تُفرض عليه رقابة. والمسرح أساس الحرية برأيي، وللأسف هو مقيَّد اليوم بسبب انتشار فيروس «كورونا». 
نعمل في هذا البلد ولا نلقى أي دعم من الجهات الرسمية، لا ننتظر دعمهم، إنما «يهدّوا البال وياخذوا منّا ما يدهشهم»، فلدى الفنانين اللبنانيين خزّان هائل من الموهبة والأفكار، فتصوّري أن بلدنا منهار وقد وصلنا إلى «الأوسكار»، بلد منهار وممثلوه يلقون الشهرة والانتشار في العالم العربي والعالم، ويحصد مسرحه الجوائز العالمية... الطاقة موجودة لدينا ولكننا محتلّون ومكبّلون، مقموعون بظروفنا السياسية والطائفية والاقتصادية، فقد احتلّوا أفكارنا...
نناضل طوال الوقت في لبنان دون إمكانيات أو دعم من المؤسسات الرسمية لأن الدولة غائبة، ليهدأ البال ويحصل نوع من الازدهار في البلد ويرون منّا ما يدهش العالم.
 
* حدّثنا عن دورك في فيلم «مفاتيح مكسورة» (Broken Keys) الذي رُشِّح لـ«الأوسكار»..
- الفيلم من إخراج جيمي كيروز، شاركت فيه بمجموعة مشاهد، وأحرص دائمًا على المشاركة بهكذا أفلام بغضّ النظر عن حجم دوري فيهم. أعتبرهم تجربة مهمة للفنان و«بيفشّوا الخلق». لم أتمكّن من مشاهدة الفيلم في عرضه الخاص لالتزامي بتصوير أحد أعمالي، ولكنني أتوقّع أن يكون له وقع عالمي، ويكفي وصوله إلى الجائزة الأضخم عالميًا، بغضّ النظر عن النتيجة.
أجسّد في الفيلم دور مالك متجر لبيع أدوات الموسيقى تدمّر في الحرب، وأضيء من خلال الدور على فظائع الحرب والأطفال المشرّدين، وصولا إلى إبراز الشغف بالموسيقى رغم سوداوية المشهد الإنساني.
 
* فرض فيروس كورونا قيودًا كثيرة على الجميع، ولكن وسط كل هذه العقبات، استطاعت أعمالك أن تخرج من عنق الزجاجة، ما هي الصعوبات التي واجهتك؟
- نعمل بين الألغام، فبلدنا منهار برمّته... لا نشعر بالاستقرار لكي نقدّم كل ما لدينا، بل نهدر طاقاتنا في مواجهة مشكلات وأزمات تصادفنا في يومياتنا، ولكننا نتحلّى بالإصرار ولن نيأس. سنتابع أعمالنا كما سنتابع تحركاتنا لإصلاح البلد، فالفن جزء من الإصلاح.
 
* كنت في الصفوف الأمامية في الثورة اللبنانية، كما قدّمت أغنية وطنية حملت عنوان «​ساحة الشهداء». هل ما زال لديك أمل في لبنان؟
- أنا متمسّك بالأمل، فالمخاض العسير الذي لازمنا منذ أيام المتصرفية، وتلك الانتصارات الوهمية التي لطالما تغنّينا بها، وصلت إلى تضخّم، لا يعقل أن لا يحدث التغيير، الحذر من أن يحدث شيء مؤذٍ، والصحي أن يحصل التغيير الحقيقي. بالتأكيد لديَّ أمل في لبنان، فقد برهنّا أن باستطاعتنا «خربطة المعادلة» القائمة منذ عشرات السنين، أربكناهم ونجحنا في هزّ عروشهم والتغيير آتٍ لا محالة.
 
* لا تعتمد على عواطف الجمهور لكي يتابعك، فتارًة تكون الرقيق، وتارًة أخرى تكون الوحش. كيف تتحضّر لتأدية أدوارك؟
- حسب الدور،فهو الذي يفرض نفسه على الفنان.على الممثل عادًة أن يقوم بأمور غير متوقعة، أن يصوّر المألوف بطريقة غير مألوفة، كما عليه التحلّي بوجهة نظر وانفتاح مطلق وحرية مطلقة، قبل أن يكون جميل المظهر ومتمكِّن الأداء، فالفنان مثل المعجونة، عدا عن ذلك، لا يستطيع أن يُعطي ما لديه وينوّع في أدائه، يجب أن يحاول وعليه التحلي بالشك والقلق، يومًا يخيب ويومًا يصيب.

 

مع الفنانة كارول سماحة في فيلم «بالصدفة»
 


 
* في أي نوع من الأدوار تجد نفسك أكثر؟
- لا يجد الممثل نفسه في الدور بحدّ ذاته بل في المجموعة، فإن أدّى دور عمره ضمن مجموعة غير متناسقة، ولم يتحضّر للدور بشكل جيد، فلن يفلح. 
الممثل مشاركة بين نفسه وفريق العمل، ومهما كان الممثل موهوبًا، إن لم يعمل في مكانه الصحيح، فلن يترك أي أثر.
 
* ضمن أي مجموعة شعرت بأنك في قمة الحرية؟
- في مجمل الأعمال التي قدّمتها، وإلا لما عملت بها، فالجو الفني الحقيقي مريح جدًا ويحضن الإنسان ويشعر فيه الممثل بالأمان.
 
* ما الشخصية التي أتعبك تجسيدها؟
- شخصية باسم في «بردانة أنا» أتعبتني جسديًا إلى حدٍّ بعيد، فكمية كبيرة من المشاهد تطلّبت مني جهدا جسديا كبيرا، إضافًة إلى الجهد النفسي والتحضير، والقلق من النتيجة. لقد أجهدتني فعلًا... وتعرض قناة «MBCدراما» حاليًا المسلسل، كما أن حلقاته أصبحت متاحة على تطبيق «شاهد».
 
* ما الدور الذي تحلم بتأديته؟
- ما من دور حلم بالنسبة إليَّ، فأنا أحب المفاجآت، أحيانًا تُعرض عليَّ أدوار لا أتحمّس لها كثيرًا، وحين أؤدّيها تبهرني، لهذا السبب شدّدت على أن الفنان يجب أن يكون في قمة الانفتاح والقبول، لا أن يأخذ مواقف حتمية مغلقة، فالعمل الفني مليء بالمفاجآت.
 
* ماذا تحضّر من أعمال تمثيلية؟
- أحضّر لمشروعين تمثيليين، لأحدهما علاقة بحدثٍ راهن، فيما  يتناول الآخر التكنولوجيا والخيال العلمي. ما زلنا في بداية التحضيرات، في المراحل الأولى، وآمل أن نتمكّن من تنفيذهما.
 
* ما هي أمنيتك للعام 2021؟
- أن نرتاح في لبنان، أن نقول أخيرًا أصبح لدينا قوانين تطبَّق وتحترم نفسها، وأن يتسلم المناصب العليا من هو جدير بتسلمها، وأن نتخطى لعبة الأسماء، فأنا ضد فكرة القيادة وأعتبر أن القيادات والأسماء الكبيرة ما هي إلا تدمير ممنهج لمبدأ المؤسسات. ولهذا السبب بالتحديد شدّدت على أن يكون ثوّار لبنان بلا قائد.