قمة العلا السعودية... المكسب للجميع

* وجّه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز بتسمية هذه القمة «قمة السلطان قابوس والشيخ الصباح»
* كلمة ولي العهد السعودي سلطت الضوء بشكل جلي على التهديدات الإيرانية لأمن المنطقة
* قادت المملكة الرؤية الاستراتيجية بضرورة تغليب مصالح الأطراف كافة لمواجهة سياسة التشرذم التي غرستها بعض الأطراف غير العربية بين الأشقاء العرب
* ما ورد في البيان الختامي يعكس طموحات تعزز مسيرة العمل الخليجي المشترك، ويلبي آمال المواطن الخليجي
* رغم التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، فإن المصالحة خطوة رائدة لإعادة اللحمة إلى البيت العربي، والبيت الخليجي على وجه خاص

القاهرة: في لحظة تاريخية، طوت المملكة العربية السعودية بدعم أشقائها، قرار المقاطعة مع قطر، بعد ماراثونات من المفاوضات والجهود الدبلوماسية التي بذلتها الشقيقة الكويت بدرجة كبيرة وسلطنة عمان بمحاولات دؤوبة، وهو ما دفع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلى التوجيه بتسمية هذه القمة «قمة السلطان قابوس والشيخ الصباح»عرفاناً بما قدماه من أعمال جليلة عبر عقود من الزمن في دعم مسيرة المجلس المباركة كما عبر عن ذلك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الكلمة التي ألقاها نيابة عنه.
وقد نجحت هذه الجهود وبدعم من الولايات المتحدة الأميركية في رأب الصدع بين الأشقاء الخليجيين (السعودية والبحرين والإمارات) ومصر من جانب، ودولة قطر من جانب آخر، حيث أدركت الدوحة أن الخلاف مع محيطها وعمقها العربي لن يجدى لها نفعا حتى في ظل التحالفات الإقليمية التي أقامتها مع أطراف لديهم أطماع ومصالح مغايرة لمصالح دول المنطقة وشعوبها، ويقصد بذلك تحديدا تركيا وإيران بأجندتيهما المهددة للأمن والاستقرار في المنطقة.
 صحيح أن البيان الختامي الصادر عن قمة العلا أو ما أطلق عليه اتفاق التضامن على حد وصف أمير الكويت الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح في تعليقه على هذا البيان، بقوله إن «إعلان اليوم سيسمى اتفاق التضامن»، لم يتطرق هذا البيان على وجه التحديد لمواجهة التدخلات الإيرانية والتركية في شؤون المنطقة، إلا أنه من الصحيح أيضا أن كلمة ولي العهد السعودي سلطت الضوء بشكل جلي على التهديدات الإيرانية لأمن المنطقة، مذكرا الجميع بأن الهدف الأساسي من تأسيس مجلس التعاون الخليجي في أوائل ثمانينات القرن المنصرم هو مواجهة التهديدات الإيرانية التي كانت ولا تزال قائمة، إذ ورد في كلمته: «نحن اليوم أحوج ما نكون لتوحيد جهودنا للنهوض بمنطقتنا ومواجهة التحديات التي تحيط بنا، خاصة التهديدات التي يمثلها البرنامج النووي للنظام الإيراني وبرنامجه للصواريخ الباليستية ومشاريعه التخريبية الهدامة التي يتبناها ووكلاؤه من أنشطة إرهابية وطائفية هدفها زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، مما يضعنا أمام مسؤولية دعوة المجتمع الدولي للعمل بشكل جدي لوقف تلك البرامج والمشاريع المهددة للسلم والأمن الإقليمي والدولي».
وفي ضوء انعقاد هذه القمة الخليجية في دورتها الحادية والأربعين وصدور بيانها الختامي الذي أكد على أهمية تحقيق التعاون والترابط والتكامل بين دول المجلس في جميع المجالات، وصولاً إلى وحدتها، وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، والعمل كمجموعة اقتصادية وسياسية واحدة للمساهمة في تحقيق الأمن والسلام والاستقرار والرخاء في المنطقة. يجدر بنا تسجيل ثلاث ملاحظات مهمة:
-        الأولى، تتعلق بالدور السعودي المتميز في إنجاح هذه القمة، إذ إن المملكة هي من قادت الرؤية الاستراتيجية بضرورة تغليب مصالح الأطراف كافة في مواجهة سياسة التشرذم التي حاولت بعض الأطراف غير العربية غرسها بين الأشقاء العرب بصفة عامة والخليجيين على وجه الخصوص، إذ جاءت هذه القمة ترسيخا حقيقيا لرؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لدور مجلس التعاون الخليجي. بل لم تكن مصادفة أن تختار المملكة العربية السعودية مكان انعقاد القمة الخليجية في منطقة العلا التاريخية، إذ يمكن قراءة هذا الاختيار في ضوء الرؤية السعودية المدعومة عربيا بضرورة العلو على الخلافات والتباينات التي حدثت بين الرباعي العربي وإمارة قطر، وذلك مراعاة للظروف الجسام والتحديات المتعاظمة والتهديدات المتزايدة للأمن القومي العربي، بسبب التدخلات الإقليمية المتزايدة والمهددة لاستقرار المنطقة وازدياد نيران التوتر والصراع داخل كثير من الدول العربية بسبب تزايد نفوذ كل من تركيا وإيران على وجه التحديد، حيث استغل البلدان الأوضاع التي شهدتها المنطقة بعد ما يطلق عليه الربيع العربي الذي تحول إلى خريف بل شتاء عصف بطموحات وآمال شعوبها التي خدعت بالشعارات البراقة التي رفعتها جماعات مؤدلجة وممولة بأجندات مدمرة.

 

ولي عهد المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان، يستقبل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني (غيتي)
 


-        الملاحظة الثانية، تتعلق بالدور المصرى، إذ جاءت المشاركة المصرية في هذه القمة وتوقيع وزير خارجيتها سامح شكرى على بيانها، تأكيدا على محورية الدور المصرى ما بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013 في مواجهة التهديدات الإرهابية التي تعاظمت ما بعد 2011، يؤكد على ذلك ما ورد نصا في البيان الختامى للقمة، إذ جاء فيه: «يؤكد توقيع جمهورية مصر العربية على بيان العُلا، توثيق العلاقات الأخوية التي تربط مصر الشقيقة بدول المجلس، انطلاقاً مما نص عليه النظام الأساسي بأن التنسيق والتعاون والتكامل بين دول المجلس إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية»، وهو ما أكدت عليه كذلك الدولة المصرية في بيان وزارة خارجيتها، حينما أشار إلى أن «مصر تُقدّر وتثمّن كل جهد مخلص بُذل من أجل تحقيق المصالحة، وفي مقدمتها جهود دولة الكويت على مدار السنوات الماضية».
-        الملاحظة الثالثة، تتعلق بالدولة القطرية ورؤيتها للمصالحة مع أشقائها، وعودتها إلى محيطها الإقليمي. فإذا كان صحيحا أن الخلاف الذي نشب بين الرباعية العربية وقطر لم يكن خلافا آيديولوجيا أو حدوديا أو وجوديا، وإنما هو خلاف في الرؤى والتوجهات والأفكار، بما يعني أن المصالحة لم تكن تراجعا أو هزيمة لأحد الأطراف على حساب الطرف الآخر، وإنما المصالحة هي تصحيح لهذه الرؤى وتلك الوجهات حينما أدركت الدوحة أن تبني توجهات معينة ربما لا يقتصر ضررها على نطاقها المحلي، وإنما تمتد تداعياتها إلى جوارها الإقليمي الشقيق، بما يستوجب منها تصحيح هذه الرؤى وتلك التوجهات، وهو ما تحقق في جزء كبير منه، ولا تزال ثمة خطوات أخرى تحتاج إلى تصحيح، لضمان أن تؤتي المصالحة ثمارها ونتائجها المرجوة، وهذه هي مسؤولية الأطراف كافة وإن تركزت المسؤولية بصفة رئيسية في الجانب القطري الذي عليه أن يعيد ترتيب أوراقه وتوجهاته بما يتفق واستحقاقات هذه المصالحة التي حققت معادلة المكسب للجميع طبقا لقاعدة  Win …Win.
فى ضوء هذه الملاحظات الثلاث، يمكن قراءة البيان الصادر عن القمة الخليجية في دورتها الحادية والأربعين من خلال محورين رئيسيين، هما:

 

قادة مجلس التعاون الخليجي في صورة تذكارية خلال قمة العلا (واس)


 
أولا: البيان الختامي... ركائز رئيسية لمستقبل العمل الخليجي المشترك
في تسعة بنود تحددت ركائز العمل الخليجي المشترك في الأيام المقبلة في مواجهة التحديات المتزايدة، ويمكن أن نجمل هذه البنود التسعة فيما يأتي:
-        استكمال مقومات الوحدة الاقتصادية، وذلك من  خلال التأكيد على سرعة إنجاز متطلبات الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة، وتحقيق المواطنة الاقتصادية الكاملة، بما في ذلك منح مواطني دول المجلس الحرية في العمل والتنقل والاستثمار والمساواة في تلقي التعليم والرعاية الصحية، وبناء شبكة السكة الحديد الخليجية، ومنظومة الأمن الغذائي والمائي، وتشجيع المشاريع المشتركة، وتوطين الاستثمار الخليجي.
-        استكمال الجهود المبذولة في سبيل بلورةٍ سياسيةٍ خارجية موحدة لدول المجلس بما من شأنه تعزيز الدور الإقليمي والدولي للمجلس، من خلال توحيد المواقف السياسية وتطوير الشراكات الاستراتيجية بين مجلس التعاون والدول والمجموعات والمنظمات الإقليمية والدولية بما يخدم المصالح المشتركة.
-        استكمال مقومات المنظومتين الدفاعية والأمنية المشتركة، من خلال تعزيز التكامل العسكري بين دول المجلس، تحت إشراف مجلس الدفاع المشترك واللجنة العسكرية العليا والقيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون، وذلك كله لمواجهة التحديات المستجدة.
-        ترسيخ منظومة التنمية الإدارية من خلال تنمية القدرات التقنية في الأجهزة الحكومية، بما في ذلك الذكاء الصناعي، ضماناً لسرعة وكفاءة تنفيذ الخدمات والإجراءات، وتطوير المناهج التعليمية والرعاية الصحية والتجارة الرقمية، مع العمل على تعزيز أدوات الحوكمة والشفافية والمساءلة والنزاهة ومكافحة الفساد، وذلك بالاستفادة من مبادرة الرياض التي تمت في إطار مجموعة العشرين بشأن التعاون في التحقيقات في قضايا الفساد العابرة للحدود وملاحقة مرتكبيها.
-        في إطار مواجهة أزمة فيروس كوفيد-19، أكد البيان على أهمية تفعيل دور «المركز الخليجي للوقاية من الأمراض ومكافحتها»، والذي تم تأسيسه في هذه القمة، انطلاقاً مما تضمنته رؤية خادم الحرمين الشريفين في هذا الخصوص، بما يمكن هذا المركز من العمل بشكل سريع من تنسيق العمل الخليجي المشترك لمواجهة الجائحة وغيرها من الأوبئة، وتخفيف آثارها محلياً وإقليمياً ودولياً، بما في ذلك مساعدة الدول الأقل نمواً في المجالات الصحية والاقتصادية.

 

خلال القمة 41 لمجلس التعاون الخليجي في العلا، المملكة العربية السعودية، يوم 5 يناير 2021. (غيتي)
 


 
ثانيا: المصالحة الخليجية والتحديات الراهنة
ليست مبالغة القول إن ما ورد في البيان الختامي الصادر عن قمة العلا الخليجية يعكس طموحات،  تسعى الحكومات إلى تحقيقها بما يعزز من مسيرة العمل الخليجي المشترك من ناحية، ويلبي آمال وتطلعات المواطن الخليجي من ناحية أخرى. ولكن من الأهمية بمكان أن يدرك الجميع أن الواقع الراهن لا يزال مليئا بكثير من التحديات والصعوبات التي تعرقل الجهود الوطنية المبذولة في هذا الشأن، سواء تعلقت هذه التحديات بالداخل أو ارتبطت بتحركات الخارج إقليميا ودوليا. فإلى جانب التحديات الداخلية سواء تلك المرتبطة بضمان تحقيق جميع الخطط التنموية أو تلك المرتبطة بضمان المواجهة الفاعلة للتهديدات الإرهابية، ثمة تحديات خارجية بعضها يتعلق بالأوضاع في المنطقة على غرار التهديدات التي تواجه وجود الدولة الوطنية وسيادتها كما يحدث في ليبيا والعراق وسوريا واليمن، أو تلك التهديدات المرتبطة بتزايد وتيرة تدخلات فواعل إقليمية في تسعير الصراعات والنزاعات. والبعض الآخر من هذه التحديات يتعلق بالتطورات والمستجدات الجارية عالميا سواء تعلق الأمر بالقادم الجديد إلى البيت الأبيض وتوجهاته لشؤون المنطقة وقضاياها، أو تعلق الأمر بالصراع بين الفواعل الدولية سواء كان صراعا غير مباشر عبر وكلاء أو حروب تجارية مباشرة كما هو الحال في العلاقات الأميركية الصينية.
نهاية القول إنه رغم كل التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، وفي القلب منه الأمن القومي الخليجي، تظل المصالحة خطوة رائدة في سبيل إعادة اللحمة إلى البيت العربي بوجه عام وإلى البيت الخليجي على وجه الخصوص، وهو ما يتطلب البناء على هذه الخطوة المتميزة ودعمها في مواجهة أصحاب الأجندات الهادفة إلى توتير العلاقات بين الأشقاء، بما يحقق لها مردودات تعاونها في معالجة أزماتها ومشكلاتها، ولعل الدور التركي هو الأبرز في هذه الحالة، إذ مثل التقارب التركي القطري في مراحل سابقة حالة نموذجية لسعي تركيا إلى حل أزماتها الاقتصادية المتفاقمة من خلال توسيع مجالات تعاونها مع الدولة القطرية التي أدركت الأخيرة أن تقاربها مع تركيا لا يمكن أن يكون على حساب علاقاتها مع جيرانها الخليجيين التي تجمعها علاقات الأخوة بمعناها الضيق والواسع، كما أشار إلى ذلك بوضوح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في كلمته: «تم تأسيس هذا الكيان استناداً إلى ما يربط بين دولنا من علاقة خاصة وقواسم مشتركة متمثلة بأواصر العقيدة والقربى والمصير المشترك بين شعوبنا».
ومن ثم، فالأمر يحتاج من الأطراف كافة إعادة ترتيب أوراقهم في سبيل معالجة باقى نقاط التباين في التوجهات والرؤى والأفكار لضمان عودة مجلس التعاون الخليجي إلى سيرته الأولى التي أكد عليها نائب رئيس الإمارات الشيخ محمد بن راشد في كلمته، من أن: «مسيرة التعاون هي إرث هؤلاء القادة لشعوبهم... واليوم تتعزز المسيرة... وتترسخ الأخوة... وتتجدد روح التعاون لمصلحة شعوبنا»، فهل تنجح دول الخليج في هذا الاختبار الصعب، إذا ما قورن باختبارات سابقة تمكنت من مواجهتها وخرجت منها أكثر صلابة وتماسكا؟ هذا ما سيجيب عنه قادم الأيام.