الحرب الإيرانية الأميركية

* إظهار سليماني على أنه أسطورة أممية يهدف إلى إعطاء الجمهور الشيعي شيئاً من رومانسية رمزية تشد أواصرهم من إيران إلى بغداد إلى لبنان إلى كل أماكن وجودهم. هو بمثابة أمل في ظل انهيار تلك المنظومة، على عكس ما يقوله قادتها

 
انبرى إعلام الممانعة، في الآونة الأخيرة، للحديث والترويج لحرب وشيكة تنوي الولايات المتحدة الأميركية شنها على إيران بالتوازي مع مواجهة عسكرية بين حزب الله وإسرائيل. وانتشرت إشاعات على مواقع التواصل الاجتماعي عن توقيت الضربة الأميركية قبل رحيل ترامب عن البيت الأبيض. وازداد منسوب التوتر والخوف من إمكانية تحقيق إيران لوعد الرد على مقتل سليماني مع قرب الاحتفال بالذكرى الأولى لاغتياله.
القيادة الإيرانية وملحقاتها في لبنان ساهمت في إشاعة هذا الجو من خلال تصاريح نارية من قبل قادتها العسكريين يشعر المتابع لها أن الولايات المتحدة الأميركية تعيش أيامها الأخيرة كقوة عظمى. 
تتحدث تلك القوى الظلامية وكأنها في القمة عسكريا واقتصاديا وماليا واجتماعيا أو كأنها ند للولايات المتحدة الأميركية. وتحذر وتهدد. ولكن نظرة سريعة على أوضاع البلدين- إيران أو لبنان- تفضح وضعهم الاقتصادي والمالي المزري والذي يترهل تحت ضربات الحصار الأميركي وعقوباته المتعلقة بأنشطة البلدين الإرهابية وذلك على نطاق واسع يتعدى مناطق نفوذهم وشعوبهم ليشمل الأميركتين وأوروبا أيضا. فالعملة في البلدين تنهار قيمتها بشكل كبير جدا يوميا لتحد بشكل كبير القدرة الشرائية لأكثرية مواطنيهم كما تدفعهم إلى العيش على حدود الفقر أو أدناه حتى. 
أما من الناحية الأمنية أو العسكرية، فالخرق المستمر للأمن القومي للبلدين يعتبر فضيحة، وإن دل على شيء فعلى هشاشته وضعفه ومدى اختراقه؛ من حادثة اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زاده إلى تحليق الطيران الإسرائيلي بشكل مكثف فوق لبنان يومياً أو قصفه أهدافا في سوريا تابعة لحزب الله وإيران، وإنزال خسائر بشرية في الفريقين يدعو المرء للتساؤل: ماذا يقصد اللواء حسين سلامي رئيس الحرس الثوري عندما يقول من جزيرة أبو موسى التي تحتلها بلاده إن طهران «سترد بالمثل وبشكل حازم على أي عمل عدواني ضد إيران»... ماذا تنتظر إيران للرد بعد كل ما تعرضت له من اعتداءات مباشرة كقتل سليماني الرجل الأقوى في إيران على يد القوات الأميركية أو اعتداءات غامضة طالت مفاعل نطنز نفسه. طبعا لن نتحدث هنا عن الصواريخ الإيرانية المشكوك في مدى دقتها والتي أضاعت أهدافها في أكثر من مناسبة لا سيما عندما أصابت طائرة مدنية كانت أقلعت للتو من مطار طهران وقتلت جميع من فيها. 
لا أحد يصدق أن إيران ند لإسرائيل أو للولايات المتحدة عسكريا على الأقل. والسؤال لماذا تلك الحملة سواء في إرساء صورة سليماني كقائد أممي تختلط في سيرته بشكل غريب الأبعاد الدينية الخمينية تحديدا مع نلك اليسارية اللاتينية، أو في دق ناقوس خطر الحرب الآتية، علما بأن الرئيس ترامب المنتهية ولايته ليس في وارد شن حرب على إيران لا تتناسب ورؤيته- وهو الذي سعى خلال فترة حكمه الانسحاب من الشرق الأوسط- ولا يملك صلاحياتها أصلا. إذن ما الموضوع؟ 
إظهار سليماني على أنه أسطورة أممية يهدف إلى إعطاء الجمهور الشيعي شيئا من رومانسية رمزية تشد أواصرهم من إيران إلى بغداد إلى لبنان إلى كل أماكن وجودهم. وهو بمثابة أمل في ظل انهيار تلك المنظومة، على عكس ما يقوله قادتها. أما موضوع الحرب ضد الولايات المتحدة فله علاقة بتغيير الإدارة الأميركية وهو عرض إعلامي قد يستفيد منها بايدن ليقول للرأي العام العالمي والأميركي إن عهده هو عهد الانفراج والانفتاح على إيران والعودة إلى الاتفاق النووي. إيران الضعيفة ستبيع العالم وهمَ الوقوف في وجه الولايات المتحدة والرئيس ترامب، وصمودها هذا سيصرف في الداخل طبعا مزيدا من ديكتاتورية وتشدد وقمع لمن يشكك في قدرات إيران وميليشياتها. العالم والغرب تحديدا سيشيح بنظره عن معاناة الناس في مناطق نفوذ إيران فالضائقة الاقتصادية التي يمر بها والفرصة الاقتصادية الإيرانية قد تبرر له فعلته.  
للأسف، مزيد من القمع والقتل هو ما ينتظر شعوب إيران ومناطق نفوذها في عهد بايدن.