سوريا بين بياني «جنيف» و«العلا»

* في سوريا اليوم، المطلوب ليس فقط التصدي لإيران، بل ملء الفراغ الذي تسببت فيه إدارة أوباما، يوم قررت عقد صفقة مع نظام الأسد عن طريق الروس

 
مع بداية العام الجديد، طوى «بيان العلا»الخلاف الخليجي، وأعلن مجلس التعاون الخليجي بداية مرحلة جديدة من العمل الخليجي المشترك، بعد أزمة استمرت نحو ثلاثة أعوام، وانتهت بتوقيع قادة دول المجلس وممثليهم لـ«اتفاق العلا»، في إطار قمتهم الـ41 التي انعقدت برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين.
وإن كان من المبكر الحديث عن طي صفحة الخلافات بالكامل، إلا أن مجرد إعادة التنسيق والتعاون والتواصل بحد ذاته، أمر سينعكس إيجابا ليس على دول مجلس التعاون الخليجي وحسب، بل على مجمل دول المنطقة وخصوصا سوريا.
وإذا ما كانت النيات صادقة هذه المرة، والتزمت قطر بوقف تمويل أو استضافة أي نشاط أو مجموعة من شأنها زعزعة استقرار دول مجلس التعاون، مقابل إعادة العلاقات وإنهاء المقاطعة وفتح الأجواء والحدود أمام قطر، فهذا قد يفتح مجالا أكبر للتعاون بين دول المجلس والدول العربية بكثير من ملفات المنطقة العالقة.
ليس المطلوب التماهي في السياسات بين الدول، ولكن الحد الأدنى من التنسيق مطلوب، فكيف إن كانت هذه الدول متجاورة وتنتمي الى منظومة اجتماعية وأمنية واحدة، في وقت تزداد فيه المخاطر التي تحدق بالمنطقة ويزداد أعداؤها شراسة وخبثا، كما هي إيران اليوم التي تعبث بأمن المنطقة ولا تتوقف عن إرسال ميليشياتها ودعم ميليشيات إرهابية وطائفية تتبنى مشاريع تخريبية أينما وجدت.
كما جاء في كلمة ولي العهد السعودي الذي قال: «نحن اليوم أحوج ما نكون لتوحيد جهودنا للنهوض بمنطقتنا ومواجهة التحديات التي تحيط بنا، خاصة التهديدات التي يمثلها البرنامج النووي للنظام الإيراني وبرنامجه للصواريخ الباليستية ومشاريعه التخريبية الهدامة التي يتبناها ووكلاؤه من أنشطة إرهابية وطائفية هدفها زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، مما يضعنا أمام مسؤولية دعوة المجتمع الدولي للعمل بشكل جدي لوقف تلك البرامج والمشاريع المهددة للسلم والأمن الإقليمي والدولي».
إن نظرة إلى الدول التي دخلتها إيران تكفي لندرك مدى الخراب الذي تسببت به، ولقد كان لافتا ما جاء في بيان العلا بخصوص سوريا، حيث أعاد  المجلس في بيانه التأكيد على مواقفه وقراراته الثابتة بشأن الأزمة السورية، والحل السياسي القائم على مبادئ (جنيف-1)، وقرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي ينص على تشكيل هيئة انتقالية للحكم تتولى إدارة شؤون البلاد، وصياغة دستور جديد لسوريا، والتحضير للانتخابات لرسم مستقبل جديد لسوريا يحقق تطلعات الشعب السوري.
أمر لافت أن يعيد المجتمعون التأكيد على بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2254 وذكر هيئة الحكم الانتقالية، في وقت باتت تسيطر فيه على سوريا قوى خارجية وإقليمية ومحلية تابعة لها تتبع مشاريع أخرى وتتجاهل فحوى «جنيف-1»وأساسه لتقفز إلى تعديل دستوري أو لجنة انتخابية.
في سوريا اليوم، المطلوب ليس فقط التصدي لإيران، بل ملء الفراغ الذي تسببت به بداية إدارة أوباما يوم قررت عقد صفقة مع نظام الأسد عن طريق الروس، فتمددت إيران وميليشياتها الطائفية وساهمت بشكل مباشر هي ونظام الأسد بتمدد مجموعات متطرفة مثل داعش وغيرها لتستغل جماعاتها المسلحة الأمر، وتتنقل بين سوريا والعراق وتحشد لتزيد من سيطرتها على البلاد.
وإن كان الرهان يوما أن روسيا ستضع حدا للتمدد الإيراني، فقد أثبت هذا الرهان فشله، بغض النظر إن كان سبب الفشل عدم قدرة روسيا أو عدم رغبتها.
صحيح أن إدارة ترامب أوقفت التمدد الإيراني واستطاعت من خلال قانون قيصر وإعادة فرض عقوبات على طهران من لجم التمدد الايراني، إلا أنها لم تتمكن من إعادة إيران إلى حدودها الطبيعية، واليوم مع عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، ومع ما يتسرب عن أعضاء في الإدارة الجديدة من مواقف متناقضة بخصوص الملف الإيراني، فإن المطلوب هو تشكيل مجموعة عمل عربية ولو كانت محصورة بداية في دول مجلس التعاون لتكون حاضرة بأي مفاوضات أو اتفاقات قد تجري، لضمان مصالحها ومصالح الدول العربية الأخرى، فمصالحنا الاستراتيجية متقاربة، حتى لا نكون مرة جديدة جائزة ترضية يعطيها من لا يملك لمن لا يستحق.