حمية الصوم المتقطّع

تعزّز خسارة الوزن وتساهم في تقليل عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والسكري

* يمثّل النظام الغذائي الذي يركّز بالدرجة الأولى على توقيت (وليس نوع) الوجبات الغذائية وسيلة مناسبة للتخلّص من الوزن الزائد وتحسين صحّة القلب والأوعية الدموية
* النّاس الذين يختارون حمية الصوم المتقطّع يخسرون الوزن ببطء بمعدّل يتراوح بين 227 غراماً و454 غراماً (بين نصف رطل ورطل كامل) في الأسبوع. ولكن الانخفاض البطيء والمستقرّ يعتبر أكثر صحّة واستدامةً على المدى الطويل عندما يتعلّق الأمر بخسارة الوزن 
* تُظهر دراسات كثيرة أنّ تناول الطعام في الليل مرتبط بشكل كبير باكتساب الوزن والسكري، حتّى إنّ إحدى الدراسات وجدت أنّه يزيد من خطر التعرّض لنوبة قلبية لدى الرجال الذين يتناولون وجبات خفيفة خلال الليل مقارنة بالذين لا يتناولون الوجبات الليلية

يدرك الأشخاص الذين جرّبوا مختلف أنواع الحميات الغذائية لخسارة الوزن المشاكل التي تخفيها. وتترك الحميات الغذائية قليلة السعرات الحرارية صاحبها متعباً وجائعاً وسيّئالمزاج، بينما تولّد الحميات المنخفضة الكاربوهيدرات أو ما يُعرف بحمية الكيتو رغبة شديدة في تناول بعض الأطعمة وتسبّب حالةً من الإمساك. ويواجه النّاس أيضاً صعوبة في الالتزام بالحميات قليلة الدهون لأنّها وعلى عكس الاعتقاد الشائع، لا تساعد في الوقاية من أمراض القلب والأوعية. 
تنتشرُ اليوم حمية غذائية جديدة تُعرف بالصّوم المتقطّع وتقوم على مقاربة مختلفة تحدّد أوقات تناول الوجبات بدل كمية الطعام (اطلعوا على «ما هو الصوم المتقطّع؟»). يرى الدكتور إريك ريم، أستاذ علم الأوبئة والتغذية في كليّة «تي إتش تشان»للصحّة العامّة التّابعة لجامعة هارفارد، أنّ التغيير الذي يفرضه الصوم المتقطّع قد يكون أسهل على بعض النّاس.
وترجّح بعض الدراسات القصيرة أنّ النّاس يلتزمون بحميات الصوم المتقطّع بنفس درجة التزامهم بالحميات الأخرى، وربّما أكثر. فقد ورد في مقالٍ علمي نُشر عام 2019 في دورية «الأغذية»أنّ الصوم المتقطّع يعزّز خسارة الوزن وقد يساهم في تقليل عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب كالسكري وارتفاع ضغط الدم واضطراب مستوى الدهون في الدّم والالتهابات.
وفي المقابل، تحدّث الدكتور ريم عن عدم وجود دليلٍ كافٍ على تأثير هذه الحمية على المدى الطويل، وعن وجود دراستين طويلتين فقط تناولتاها امتدّت كلّ واحدة منهما لعامٍ واحد. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ عدد الأشخاص الذين اتبعوا الصوم المتقطّع لسنوات ليس كبيراً على عكس حمية البحر المتوسّط والنظام الغذائي النباتي المرتبطين بصحّة قلبية ومقاسات جسدية أفضل. 

 

الأشخاص الذين يعانون من الوزن الزائد أو السمنة يرغبون غالباً في تجربة الصوم المتقطّع.


 
ما هو الصوم المتقطّع؟
يحدّد الصوم المتقطّع عدد الوجبات أو كمية الطعام التي يتناولها الشخص، أو الاثنين معاً في بعض الحالات. ويختلف هذا النوع من الحميات عن غيره بعاملٍ واحد وهو أنّه يفرض على متّبعه تناول الطعام في فترة زمنية محدّدة لا تتجاوز الثماني ساعات في اليوم. فعلى سبيل المثال، يُسمح للشخص الذي يتبّع حمية الصوم المتقطّع بتناول الطعام بين التاسعة صباحاً والخامسة عصراً على أن يصوم في الساعات الست عشرة الباقية.
وتعتمد هذه الحمية على مقاربات أخرى أيضاً أبرزها الصوم المتقطّع مع تبديل الأيّام أو الصوم ليومٍ كامل ولكنّ الاثنتين لا تلزمان بالصوم التّام، لأنّ متبعهما يختار يوما أو اثنين خلال الأسبوع للصوم، ويتناول فيهما ما بين 400 و600 سعر حراري فقط. وفي الأيّام الأخرى، يستطيع هذا الشخص أن يعاود نمطه المعتاد في تناول الطعام. وتعتمد أكثر أشكال الصوم المتقطّع نجاحاً على مبدأ حمية 5:2 التي تقوم على تناول الطعام بشكل طبيعي لخمسة أيّام وتحديد عدد السعرات الحرارية في يومين غير متتاليين. أمّا في الصوم المتقطّع الذي يعتمد على تبديل الأيّام، فيتّبع الشخص حمية محدودة السعرات الحرارية في أيّام غير متتالية.
 
فوائد تطوّرية
يكشف الدكتور ريم أنّ الأشخاص الذين يعانون من الوزن الزائد أو السمنة يرغبون غالباً في تجربة الصوم المتقطّع لأنّه يتّسم بميّزات إضافية تساهم في نجاحه إلى جانب فوائده الجليّة المرتبطة بالصحة القلبية. أولاً، تعتبر هذه الاستراتيجية خياراً منطقياً من وجهة نظر تطوّرية، حيث إنّ البشر الأوائل شهدوا خلال تطوّرهم أيّاماً كان فيها الغذاء زائدا وأخرى كان فيها شحيحاً، وعاشوا تطوّراً متزامناً مع دورة النهار والليل الطبيعية، ما يعني أنّ عملية التمثيل الغذائي لدينا تتكيف لتعمل بشكل أفضل في فترات الجوع وتناول الطعام في النهار وأثناء النوم في الليل. وتُظهر دراسات كثيرة أنّ تناول الطعام في الليل مرتبط بشكل كبير باكتساب الوزن والسكري، حتّى إنّ إحدى الدراسات وجدت أنّه يزيد من خطر التعرّض لنوبة قلبية لدى الرجال الذين يتناولون وجبات خفيفة خلال الليل مقارنة بالذين لا يتناولون الوجبات الليلية.
ثانياً، يسلّط الصوم المتقطّع الضوء على بعض الجوانب الإيجابية لأنواع أخرى من الحميات الغذائية، بينما يتفادى جوانبها السلبية. ويقول ريم إنّ «النّاس الذين يجرّبون الصوم ليوم كامل أو الصوم المتقطّع يلاحظون سريعاً عدد السعرات الحرارية الموجود في أطعمة معيّنة، ما يساعدهم على اختيار أطعمة تمنحهم شعوراً بالشبع رغم احتوائها على عدد قليل من السعرات الحرارية». كما أنّ هذا النوع من الحميات يعتبر أسهل لجهة الالتزام به لأنّه لا يتطلّب من الشخص إحصاء السعرات الحرارية باستمرار والصبر على الشعور بالجوع ونقص الطاقة.

 

وتعتمد أكثر أشكال الصوم المتقطّع نجاحاً على مبدأ حمية 52 التي تقوم على تناول الطعام بشكل طبيعي لخمسة أيّام


 
حرق الدهون المخزّنة
يحفّز الصوم الدّوري عملية حرق الدهون نفسها التي تحصل خلال حميات الكيتو أو القليلة الكاربوهيدرات. وتختصر «كيتو»كلمة «كيتوسيس»، أي العملية الأيضية التي تنطلق في جسم الإنسان بعد نفاد الجلوكوز (مصدر الطّاقة المفضّل للجسم) ليبدأ حرق الدهون المخزّنة. ويدخل الجسم في عملية الكيتوسيس بعد 12 ساعة فقط من الامتناع عن تناول الطعام وهو ما يفعله الكثيرون طوال اللّيل قبل «كسر صومهم»بوجبة صباحية. (تؤدّي الوجبة الليلية إلى تخريب هذه العملية). وتبقيكم حمية الكيتو في وضع الكيتوسيس لأطول فترة زمنية ممكنة لأنّها تحثّكم على تجنّب الكاربوهيدرات التي تزوّد جسمكم بالجلوكوز وتدفعه بذلك إلى الاستعانة بالدهون كمصدر للطّاقة.
ولكن يقلق بعض خبراء التغذية من أنّ حمية الكيتو التي تتكوّن غالباً من كميات كبيرة من اللحوم والبيض قد تضرّ القلب، ويرون في الصوم المتقطّع خياراً أكثر صحّة ولا سيّما إذا اتّبع الإنسان خلاله نظاماً صحياً متوازناً يتألّف من الحبوب الكاملة والمكسّرات والبقوليات والفواكه والخضراوات الغنية بالأغذية التي تقلّل خطر الإصابة بأمراض القلب. 
ولكنّ حميات الصوم المتقطّع لا تفرض على الشخص أنواع الأطعمة التي يجب أن يتناولها. وفي هذا الصدد، يقرّ الدكتور ريم بأنّه كعالم في الأوبئة الغذائية، يشعره هذا الأمر ببعض القلق لأنّ تناول شطائر البرغر والبطاطا المقلية لخمسة أيّام وفطورٍ واحدٍ منخفض السعرات الحرارية ليوم واحدٍ في الأسبوع ليس نظاماً صحياً. ولكن يعتبر ريم أنّ البدء بأيّ نوع من الحميات فكرة جيّدة تمهيداً للتغيير ويقترح على الراغبين البدء بحمية 5:2 أو الحمية التي تتحكّم بتوقيت تناول الوجبات وينصح بإضافة الأغذية الصحية تدريجياً إلى لائحة الطعام بعد البدء بخسارة الوزن.
لا تتوقّعوا نتائج سريعة لأنّ النّاس الذين يختارون حمية الصوم المتقطّع يخسرون الوزن ببطء بمعدّل يتراوح بين 227 غراما و454 غراما (بين نصف رطل ورطل كامل) في الأسبوع. ولكن الانخفاض البطيء والمستقرّ يعتبر أكثر صحّة واستدامةً على المدى الطويل عندما يتعلّق الأمر بخسارة الوزن. 
 
قبل تجربة الصوم المتقطّع
ينصح الدكتور ريم الراغبين في تجربة الصوم المتقطّع بمناقشة الأمر مع الطبيب قبل البدء بالحمية لأنّ تفويت بعض الوجبات وتحديد عدد السعرات الحرارية المستهلكة في اليوم قد يشكّل خطراً على الأشخاص الذين يعانون من أمراضٍ كالسكري. كما تسبّب فترات الصوم الطويلة اضطرابات في معدّلات الصوديوم والبوتاسيوم وغيرها من المعادن الضرورية لدى الأشخاص الذين يتناولون أدوية الضغط  أو القلب. 
*هارفارد للصحّة