السودان... عراقيل تهدد «المرحلة الانتقالية»

مخاوف أمنية وأزمات اقتصادية

* خلافات شركاء المرحلة الانتقالية والأوضاع الأمنية غير المستقرة وحالة الركود التي يشهدها الاقتصاد، تهدد العملية السياسية برمتها، وتثير المخاوف من الانهيار
* المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني والميليشيات المدعومة من القوات الإثيوبية، أبرز عناوين المشهد الأمني في السودان، خصوصا بعد التصعيد الذي نشب على الحدود بين البلدين
* يثير توجه سياسيين في الحكومة الانتقالية بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والشرطية والعسكرية مخاوف شركائهم من العسكر، فضلا عن قانون أصدره الكونغرس الأميركي لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان
* يجمع العديد من المراقبين على أن عملية السلام التي تنهي الحروب في مناطق النزاعات حققت نجاحات لكنها غير كافية لتحقيق الاستقرار السياسي خلال الفترة الانتقالية

الخرطوم: يبرز في المشهد السياسي السوداني هذه الفترة حالة تشاكس بين مكونات السلطة وصعوبات أمنية ومشكلات اقتصادية معقدة، ما يعرقل عملية الانتقال التي يفترض أن تمهد الطريق لإجراء انتخابات عامة ومرحلة ديمقراطية جديدة، وبدأ التفاؤل الذي ساد بانتقال سلس يتضاءل، على الرغم من انتشار الثقافة السياسية النخبوية المناصرة لفكرة أن التغيير الجذري يتطلب وقتا طويلا ومعارك ضرورية. 
ومنذ التوقيع على اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وممثلي قوى الحرية والتغيير التي تمثل المعارضة التي أطاحت بنظام الرئيس المعزول عمر البشير عام 2018م، فإن خلافات شركاء المرحلة الانتقالية والأوضاع الأمنية غير المستقرة وحالة الركود التي يشهدها الاقتصاد، تهدد العملية السياسية برمتها، وتثير المخاوف من الانهيار.
 
الأمن والسلام
تبدو المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني والميليشيات المدعومة من القوات الإثيوبية، أبرز عناوين المشهد الأمني في السودان، خصوصا بعد التصعيد الذي نشب على الحدود بين البلدين، بعد أن استعاد السودان منطقة (الفشقة) الواقعة بجوار الحدود الإثيوبية.
ويعتقد المحللون أن لهذه التوترات انعكاسات مباشرة على الأوضاع السياسية الداخلية، ورغم التأييد الشعبي والدعم السياسي الذي يحظى به الجيش السوداني لخوض هذه العمليات العسكرية، بيد أن المخاوف تزداد أيضا من تأثير ذلك على الوضع الأمني الداخلي الهش في ظل معارضة وتحفظ بعض القوى السياسية المدنية من التورط في حرب كبيرة لا يحتملها الوضع الانتقالي السياسي الهش، واستنزاف الموارد الاقتصادية الشحيحة التي تحتاجها البلاد لترميم الأزمة الاقتصادية الطاحنة.
كما يثير توجه سياسيين في الحكومة الانتقالية بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والشرطية والعسكرية مخاوف شركائهم من العسكر، فضلا عن قانون أصدره الكونغرس الأميركي لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان، يشدد الرقابة على قوى الأمن والاستخبارات السودانية، ويتضمن تقييماً لإصلاحات القطاع الأمني في البلاد من قبل الحكومة، كتفكيك الميليشيات، وتعزيز السيطرة المدنية على القوات العسكرية.
وحاولت حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك عدم الخوض في التعليق المباشر على هذا القانون الذي يعتبر داعما للمدنيين، بيد أن مستشارا بارزا لرئيس الوزراء صرح لصحيفة «التغيير السودانية الإلكترونية»بأن القانون وضع لحماية الحكم المدني في السودان، وقال الدكتور جمعة كندة، وهو مستشار لشؤون السلام، إن بعض بنود القانون ربطت جزءا من الدعم بعد أن تؤول رئاسة مجلس السيادة الانتقالي للشق المدني وجزء من الدعم في المرحلة المقبلة.
وأظهر رد فعل الجيش السوداني الخلاف بوضوح أكثر، خلافا بين المدنيين والعسكريين بين مؤسسات الحكم الانتقالي، حيث قال رئيس هيئة الأركان في القوات المسلحة السودانية الفريق أول محمد عثمان الحسين، في إشارة لقانون الكونغرس الأميركي إن «القوات المسلحة ستظل عصية على مكر الماكرين وكيد الكائدين حتى وإن استعان البعض عليها بالأجنبي واستجلبوا لذلك القوانين من وراء البحار»، وأضاف قائلا أثناء كلمته في حفل تخريج ضباط رفيعي المستوى بعد أن نالوا درجة الماجستير العسكري وفي حضور القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة: «القوات المسلحة هي الجيش الذي يرومه الوطن وليست جماعة مسيسة ولا تهوى السلطة ولا تحترف الانقلابات، والجيوش بمثل تلك المواصفات انهارت من حولنا، وحلت محلها الميليشيات».
ويزيد كل ذلك من حالة تقترب من السيولة الأمنية داخل البلاد، حيث تتحدث بيانات الشرطة عن انتشار غير مسبوق لمعدلات الجريمة، بينما يقول الخبراء الأمنيون أيضا إن الفترة التي أعقبت الإطاحة بالرئيس عمر البشير والضغوط التي تعرضت لها الأجهزة الأمنية التي ساندت النظام المعزول، صنعت فجوة كبيرة من عدم الثقة بين سلطات تنفيذ القانون والمواطنين.
وفي هذا الخصوص، يقول الباحث في الشؤون الاستراتيجية حسن دنقس لـ«المجلة»إن توجهات المدنيين والقوى السياسية المشكلة لقوى الحرية والتغيير والمساندة الدولية للمدنيين تثير اعتراضات العسكر، وتغل من يد تنفيذ القانون، ورأى أن الصورة المنعكسة لدى المواطنين عن أدوار الشرطة والأجهزة المختصة الأخرى سلبية وتتطلب إعادة النظر حولها، وأن استمرار التفلتات الأمنية وانتشار السلاح غير المقنن والهشاشة السياسية لشركاء الحكومة الانتقالية من شأنه أن يؤدي إلى كارثة أمنية.

 

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، أثناء تأدية اليمين الدستورية في أغسطس 2019 (كونا)
 



بيد أن المحلل السياسي علاء الدين محمود يرى أن المسألة مرتبطة بأهداف الثورة المطلوب تنفيذها، وأن شعارات الثورة الشبابية التي كانت السبب الرئيسي في الإطاحة بالنظام السياسي تلزم الممسكين بالحكومة الانتقالية لإجراء التغيير الجذري في المفاهيم والأنشطة والهياكل الأمنية والعسكرية للتلاؤم مع أهداف الثورة في تحقق قيم الحرية والسلام والعدالة.
إلى ذلك، يجمع العديد من المراقبين على أن عملية السلام التي تنهي الحروب في مناطق النزاعات حققت نجاحات لكنها غير كافية لتحقيق الاستقرار السياسي خلال الفترة الانتقالية، حيث ما تزال فرص انضمام أطراف مسلحة إلى العملية السلمية بعيدة المنال، مثل حركة تحرير السودان في ولاية جنوب كردفان جنوبي البلاد بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور في دارفور.
ويحذَر الخبير الأمني العميد المتقاعد صلاح كرار في حديث لـ«المجلة»، من مواقف الحركات المسلحة الرافضة للاتفاق، وقال: إن موقفها يثير المخاوف في دارفور وجبال النوبة، معتبرا أن الأوضاع عموما في البلاد تحفز تفكير الحركات المسلحة من أجل الانقضاض على السلطة، أو السيطرة على تلك المناطق، فضلا عن احتمالية إعلان دول أو كيانات مستقلة عن دولة السودان، وتحقيق أهدافها بقوة السلاح في ظل انشغال القوات المسلحة بترتيبات المرحلة الانتقالية.
وأشار كرار إلى خطر آخر، يتمثل في غموض موقف حكومة جنوب السودان من الوضع في منطقة أبيي المتنازع عليها بين دولتي السودان وجنوب السودان.
ويخشى محللون من أن تؤدي معارضة الحركات المسلحة لعرقلة الاتفاق، في حال لم تستطع الحكومة الانتقالية المرتقبة استيعاب هذه الحركات، ما يزيد من احتمالية أن تواجه الحكومة الانتقالية باستمرار حركات التمرد المسلح وتعقيد المشهد السياسي.
إلا أن ميرفت النيل الناشطة في تحالف المجتمع المدني الممثل في قوى الحرية والتغيير (الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية)، استبعدت أن تقوم القوى المسلحة الرافضة للاتفاق بتقويضه عبر عمل مسلح.
ويرى الصحافي السوداني المتخصص في تغطية النزاعات بهرام عبد المنعم، أن الحركات المسلحة تسعى للحصول على ضمانات تؤكد جدية اتفاقات السلام، وما يترتب عليه من «سلام شامل»يعالج بشكل جذري مسببات الحرب.
وقال عبد المنعم لـ«المجلة»إن الحركات تخشى من تكرار تجارب سابقة، مشيرا إلى ما تمخض من ثورتي أكتوبر (تشرين الأول) 1964م، وأبريل (نيسان) 1985م عندما أعلنت حركة التمرد الرئيسية في جنوب السودان بقيادة جون قرنق رفضها الانخراط في المرحلة الانتقالية التي رأسها المشير عبد الرحمن سوار الذهب.
ووفقا للصحافي بهرام عبد المنعم، فإن موقف الحركات المسلحة وبشكل خاص حركة الحلو في جبال النوبة ونور في دارفور يتوقف على جدية الحكومة، وكيفية إدارتها لملف الحرب والسلام.
وأشار إلى أن حركة تحرير السودان بقيادة مالك عقار، وبقية الحركات المسلحة لا تبدو بعيدة عن توجهات ورؤى تنظيمات قوى الحرية والتغيير، بيد أن الحركة التي يقودها عبد العزيز الحلو بمقدورها أن تمثل «خطرا حقيقيا»على تنفيذ الاتفاق واستقرار البلاد خلال المرحلة الانتقالية في حال لم تشعر بجدية كافية في التعامل مع مطالبها خلال الفترة الانتقالية.
وتطالب حركة الحلو التي تنشط في منطقة جبال النوبة بجنوب كردفان المحاذية لدولة جنوب السودان بحكم ذاتي، وترفض أي تفاوض لا يشمل هذه النقطة الخلافية. 
وفي ذات السياق، برز معارضون من الحركات المسلحة التي توصلت في وقت سابق لاتفاق سياسي مع نظام البشير المعزول، حيث لم ير نهار عثمان نهار الأمين السياسي لحركة العدل والمساواة في حديث سابق مع «المحرر»، أن تجاهل الالتزامات القانونية للأطراف الموقعة على اتفاقيات سلام سابقة وعدم تضمينها في الحكومة الانتقالية، ستقود إلى أزمة كبيرة، وأضاف نهار قائلا: «لدينا وضعية خاصة كحركة مسلحة ولدينا التزامات مع حكومة السودان منذ العام 2013م».

 

خلال توقيع المجلس العسكري الانتقالي السوداني وقوى إعلان الحرية الوثيقتين السياسية والدستورية، اللتين تؤسسان لفترة انتقالية في أغسطس 2019
 


 
التشاكس وخلافات الرؤى
ساد ارتياح واسع بعد توقيع اتفاق سلام بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية التي تضم حركات تحمل السلاح وتجمعات جهوية في عاصمة دولة جنوب السودان جوبا مطلع أكتوبر العام الماضي، ويقول ناشر ورئيس تحرير صحيفة «إيلاف»السودانية، الدكتور خالد التجاني النور، إن الظن الذي كان سائدا بعد توقيع اتفاق جوبا بأن اتفاقية جوبا للسلام مع الحركات التي تحمل السلاح ستدفع بمعطيات جديدة تعيد إنتاج استحقاقات ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018م، وتبث روحاً جديدة في جسد هياكل الحكومة الانتقالية المتآكلة التي سرعان ما تكلست في وقت وجيز، وكان الظن بأن الاتفاقية ستطلق طاقة أكثر حيوية تستجيب لاستحقاقات الفترة الانتقالية الملّحة، ومعها تعاظمت تلك الآمال على الرغم من التحفظات العديدة التي رافقت عملية التفاوض، مستدركة على نهجه وتعرب عن الخشية من أن لا يقود هذا الأسلوب المجرّب إلى النتائج نفسها التي انتهت إليها عشرات الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها من هذه الشاكلة خلال سنوات النظام السابق، لا سيما وأن العديد من أطراف عملية جوبا كانوا جزءا منها.
الآن، وبعد مضى أكثر من ثلاثة أشهر على التوقيع النهائي على ذلك الاتفاق- يضيف التجاني- يتضح أكثر من أي وقت مضى أن تلك المخاوف التي انتابت المشفقين من أن تتمخض «عملية السلام»التي كانت مرجوة، مع قصورها وجزئيتها، باتت تتحقق بالفعل، وأن تلك الآمال العريضة التي وضعت في أن تسهم الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاق في ضخ دماء جديدة في شرايين النظام السياسي الانتقالي المضطرب قد بدأت تتبدد بالفعل كما يكشف الواقع الراهن بكل ضبابيته.
ويشير إلى أن العديد من قادة الجبهة الثورية بشقيها اجتهدوا في بث خطاب سياسي مستجيب للتحديات الكبرى التي تواجه البلاد على أكثر من صعيد، وتحيط بها مخاطر جدية، وصحيح أن هذا الخطاب غلبت عليه روح المسؤولية والانفتاح والدفع باتجاه جسر التشرذم والتشظي الذي تشهده الساحة السياسية، ولكن ينبغي الإقرار أيضاً بأن هذه التوجه المحموم نحو طرح مقاربات جديدة للأزمة الوطنية وقف عند حد التصريحات، واللقاءات السياسية والاجتماعية التي لم تغادر محطة أنشطة العلاقات العامة إلى تعبيد الطريق أمام بناء نسق سياسي أكثر تماسكاً وقوة لمخاطبة استحقاقات هذه المرحلة العصيبة من تاريخ البلاد.
ويعتقد التجاني أن ما يؤسف له أن الحركات المسلحة التي طالما حاججت في رفض الانتقادات التي وجهت لاتفاق جوبا بأنه لا يعدو أن يكون إعادة لإنتاج نموذج اقتسام السلطة والثروة الذي كان قاعدة وديدن نهج الاتفاقيات العديدة التي وقعت في ظل النظام السابق، لم تستطع هذه الحركات الصمود أمام إغراء هذا النموذج، وبدلاً من أن تقدم نهجاً مغايراً يدحض تلك الاتهامات، سرعان ما انخرطت في ممارسة تثبتها، وكما كانت تلك الحركات التي دخلت في اتفاقيات مع نظام الإنقاذ ضحية لنهج «غواية السلطة في الخرطوم»، يبدو أنه لا يزال يعمل بفاعلية، تغيرت واجهة الحكم، وبقيت قواعد اللعبة ذاتها متحكمة.
ويرى أن أبلغ دليل على ذلك هو انخراط أطراف اتفاق جوبا في «لعبة المحاصصات»التي تجيدها النخبة الخرطومية، وبدلاً من أن تختط سبيلاً جذرياً مغايراً، لم تطق صبراً على استحقاقات تغيير قواعد اللعبة، فأثرت الخوض فيها لتشرعن للقوى السياسية في قوى الحرية والتغيير التي لم تصبر هي الأخرى على توافق سياسي واستحقاق دستوري بحكم انتقالي خاضع للكفاءة في تولي المناصب العامة، وإزاء تهافت القوى السياسية على تقاسم السلطة بلا وازع ينتظر تفويضاً شعبياً عبر انتخابات يهرب منها الجميع، ضاعت استحقاقات الفترة الانتقالية الحقيقية الهادفة لتعبيد طريق التحول الديمقراطي، لتستبدل بتحالفات تحت الطاولة مع العسكريين لضمان اقتسام السلطة لأطول فترة ممكنة، كانت إشارتها الأولى تصفير الفترة الانتقالية بلا مبرر موضوعي.

 

تبدو المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني والميليشيات المدعومة من القوات الإثيوبية، أبرز عناوين المشهد الأمني في السودان
 


 
الاقتصاد السياسي
ولكن إلى أي مدى يمكن أن تصمد الفترة الانتقالية أمام هذه التمشكلات؟ هنالك ما بين متشكك ومتأكد من صمودها، إذ يقول المحلل السياسي الدكتور صلاح الدومة في حديثة مع «المجلة»إن استمرارية الفترة الانتقالية مؤكدة، خاصة مع ارتفاع درجة الوعي والصحوة الشبابية، لا سيما بعد الدعم الذي وجدته الحكومة الانتقالية من المجتمع الدولي والإقليمي بعد الثورة.  
لكن الناشطة في منظمات المجتمع المدني سارة الجميعابي ترى ضعفا حادا في الحكومة الانتقالية وعجزها في التعامل مع الواقع، وعدم وجود أي رؤية اقتصادية سياسية متكاملة لفريق الحكومة أو حاضنتها السياسية من قوى الحرية والتغيير، وأن هذا الوضع ينشأ حالة ارتباك عامة لأن السياسة مرتبطة بالاقتصاد.
وقالت الجميعابي في حديث لـ«المجلة»إن التحديات ما تزال ماثلة خصوصا في الجانب الاقتصادي لأن الثورة نفسها جاءت لتحقيق مطالب ويجب على الحكومة الانتقالية أن تحقق أهدافها أولاً، والمتمثلة في توفير أبسط مقومات الحياة بحلحلة المشاكل الاقتصادية ابتداء من توفير الخبر والوقود والقضاء على تفشي الفساد واختيار الكفاءات المناسبة للوزارة.
إلا أن هنالك رؤية أخرى في هذا الصدد تنظر إلى الخطوات التي حققتها الحكومة الانتقالية لمعالجة المشكل الاقتصادي أبرزها إزالة أسم من قائمة الدول الراعية للإرهاب، حيث تتيح الخطوة للسودان العودة إلى السوق المصرفية العالمية والانفتاح نحو الاستثمار الأجنبي وفرص التمويل الخارجي، بيد أن هذه القفزة الهائلة تتضمن ضرورة إصلاحات اقتصادية قاسية على المواطنين، وتحديات سياسية أكبر بالنسبة للسودان الذي لا يتبنى حتى الآن فلسفة اقتصادية بشكل واضح  مثل سياسات الاقتصاد الحر أو الاقتصاد المركزي أو المختلط، نتيجة اختلاف الرؤى والأيديولوجيات السياسية المؤثرة في الحكم الانتقالي، كما أن فك العزلة الاقتصادية تواجه بمخاوف سياسية كبيرة تتعلق بصراع المصالح والنفوذ الدولية خصوصا في عدم وجود استراتيجية سودانية للتعامل مع منظمات التمويل الدولية.
ويرى الدكتور عطا البطحاني وهو أستاذ مرموق في جامعة الخرطوم وباحث بارز في مجال السياسة أنه بالنظر إلى تجـارب الانتقـال تتجـلى الأزمـة السياسـية في تأرجـح ميـزان القـوى المصاحـب لفـترات الانتقـال، تأرجـحا يسـاهم مـع عوامـل أخـرى، في عجـز ترتيبـات وحكومـات الفـترات الانتقاليـة عـن اسـتيفاء شروط الانتقـال الديمقراطـي. 
ويؤكد البطحاني في دراسة علمية صادرة حديثا بعنوان «إشكالية الانتقال السياسي في السودان»أن الإشـارة المتكـررة ا ٕلى «الانتقـال الديمقراطـي»لا يعني الاكتفـاء بإزاحـة قمـة هـرم السـلطة والإعـداد للانتخابـات التـي تعيـد إنتـاج النظـام بوجـوه جديـدة، إنمـا نعنـي الانتقـال لكامـل المنظومـة السياسـية وفي حالـة السـودان تعنـي تجـاوز الاحـتراب لتوحيـد الوطـن، بنـاء الدولـة المدنيـة العصريـة القائمـة على المواطنـة، وتحقيـق التنميـة الاقتصاديـة وهي المهـام المطروحـة والمنـوط بأنظمـة الانتقـال تحقيقهـا منـذ الاسـتقلال. 
ويضيف أن مـا يحـدث بصـورة متكـررة هـو سـعى القـوى السياسـية المسـيطرة تاريخيـا لاسـتيفاء الـشروط الإجرائيـة على حسـاب الشروط الموضوعيـة، فتؤجـل المهـام الرئيسـية لفـترات قادمـة، وتزداد مهـام «الانتقـال»صعوبـة بقيـام الأنظمـة العسـكرية بتصفيـة القـوى الوطنيـة والديمقراطيــة في كل مــرة تعتــلي فيهــا كــراسي الســلطة. حيــث يبــز كل نظــام عسـكري أو حزبي في هـذا المجـال مـن سـبقوه، فيتـآكل الرصيـد التراكمي لشروط الانتقـال المطلـوب (تتفاقـم النزاعـات بـين مكونـات البـلاد بمـا يهـدد تماسـكها ووحدتهـا، وتتـآكل البنى الإنتاجيـة للاقتصـاد، تدهـور الطبقـة الوسـطى، تجريـف السـاحة والقيـم الديمقراطيـة والثقافـة المدنيـة)، وبالتـالي تتعاظـم المهـام وتقـصر القامـة.  ويقول البطحاني إن الفشل تكـرر  أكثـر مـن مـرة، خـلال فـترات الانتقـال السـابقة (انتقـال الاسـتقلال 1954-1956، أكتوبـر 1964، أبريـل 1985، اتفاقيـة السـلام الشـامل 2005-2011). والآن تدخـل البـلاد في تجربـة الانتقـال الخامـس في فـترة مـا بعـد أبريـل 2019، فقـد تـرك نظـام الإنقـاذ «تركـة ثقيلـة»لمـن سـيخلفه في الحكـم.
ويرى البطحاني في دراسته، أن مـا يميـز المرحلـة الحاليـة هـو إرث المـاضي الثقيـل عـلى القـوى المنـوط بهـا اِدارة عمليــة الانتقــال الديمقراطــي، فتجربــة حكــم البشير التــي اســتمرت لثــلاثة عقـود تختلـف نوعيـا معن الأنظمـة السـابقة، اِذ عمـد النظـام إلى تغيـير بنيـة الدولـة وإعـادة هيكلـة مؤسسـاتها وقـف آيديولوجيـة ومذهبيـة تحتكـم إلى الإسـلام السـياسي، رغـم مـا حـدث بـين أجنحـة الحكـم مـن صراع وتجـاذب حـول قمـة هـرم السـلطة.
ويرى البطحاني أن أكـبر اِخفاقـات النظـام المعزول تأجيـج النزاعـات وتهاونـه في الحفـاظ على اسـتقلال ووحـدة الوطـن وقبولـه مقايضـة البقـاء في السـلطة عـلى حسـاب صـون السـيادة الوطنيـة الـذي كانـت نتائجـه وانعكاسـاته بالغـة السـلبية عـلى مكونـات البـلاد الداخليـة، فضعفـت سـلطة الدولـة المركزيـة وفقـدت المؤسسـات تأثيرها.