إيران و«القاعدة» ونترات الأمونيوم

 
* مع كل ما يسرب عن توجه إدارة بايدن لإعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، ما على المعنيين والمهتمين إلا إبراز الشواهد على هذه العلاقة والتذكير بها والتأكيد عليها، فلا تضطر المنطقة لدفع ثمن محاربة الإرهاب مرتين، وهي ضحية الإرهاب في المرتين

 
خبران مرا هذا الأسبوع، وإن كانا معروفين لدى الكثيرين إلا أن الإعلان عنها بشكل رسمي أو شبه رسمي يستوجب التوقف:
الخبر الأول: وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، يتهم النظام الإيراني بأنه جعل من بلاده مقراً رئيسياً لقيادة تنظيم القاعدة، فقد صرح بومبيو بأن طهران قدمت «ملاذاً لكبار قادة»التنظيم، بالإضافة إلى أنها «سمحت عن علم لأعضاء القاعدة، وبينهم عدد من خاطفي الطائرات في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بعبور أراضيها»، وأعلن فرض عقوبات على زعماء «القاعدة»المتمركزين في إيران.
الخبر الثاني: تحقيق تلفزيوني في بيروت يثبت بالأدلة تورط رجال أعمال سوريين وروسيين مقربين من نظام الأسد في ملف باخرة نترات الأمونيوم التي انفجر جزء من حمولتها قبل أشهر في بيروت، مما تسبب في دمار جزء كبير من العاصمة وسقوط المئات من الضحايا بين قتيل وجريح.
وفيما يتعلق باتهام بومبيو لإيران بإيواء عناصر وقيادات من «القاعدة»وتقديم تسهيلات لهم، فإن هذا الإعلان كان قد سبقه الكثير من الأحداث والوثائق التي تربط بين التنظيم الإرهابي والنظام الإيراني، وكان آخرها خبر مقتل رجل «القاعدة»الثاني، أحمد المصري، مع ابنته أرملة حمزة بن لادن، اللذين كانا يعيشان في إيران، في شهر أغسطس (آب) الماضي. يومها أعلنت السلطات الإيرانية أن «مجهولين أقدموا على اغتيال أب عربي وابنته»، ولم تشر حينها إلى هوية القتيلين.
ولكن«نيويورك تايمز»نقلت حينها عن مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الأميركية أنّ عملاء إسرائيليين قتلوا ثاني أعلى قيادي في تنظيم القاعدة، في إيران، يوم 7 أغسطس (آب) الماضي، وهو عبد الله أحمد عبد الله، الذي يحمل اسماً حركياً هو أبو محمد المصري، المتهم في تدبير هجمات قاتلة على سفارات أميركية في أفريقيا، عام 1998.
ليس خبر اغتيال المصري في طهران هو الشاهد الوحيد على علاقة إيران بـ«القاعدة»، فبحسب ما نقل موقع «الحرة»الأميركي باللغة العربية، فإن تقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) يتضمن قسما مخصصا للتحقيق في العلاقات الإيرانية بتنظيم القاعدة، بعنوان «مساعدة من حزب الله وإيران للقاعدة»، الذي يشير إلى «سفر كبار نشطاء القاعدة ومدربيها أواخر عام 1991 أو1992 إلى إيران لتلقي التدريب على المتفجرات».
كذلك أبرز تقرير مجموعة «متحدون ضد إيران النووية»قائمة بأسماء قادة من تنظيم القاعدة احتضنتهم إيران على أراضيها، أو سافروا إليها في مهمات واجتماعات عسكرية: مثل أيمن الظواهري زعيم القاعدة بعد مقتل بن لادن، الذي تربطه علاقات قديمة مع إيران، وفقا للتقرير، إذ كان ضيفاً متكرراً على طهران في التسعينات عندما كان قائد حركة الجهاد الإسلامي المصرية، حيث كان يجتمع بعلي فلاحيان، وزير المخابرات الإيراني آنذاك، وأحمد وحيدي، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني آنذاك، إضافة إلى أبو مصعب الزرقاوي الذي التجأ إلى إيران بعد الغزو الأميركي لأفغانستان، فعمل في البداية تحت حماية الحرس الثوري الإيراني ولواء القدس النخبة. ووفقاً للتقرير نفسه، كان الوقت الذي أمضاه الزرقاوي في إيران حاسماً لإعادة بناء شبكته قبل الانتقال إلى العراق.
تطول القائمة التي تربط تنظيم القاعدة بالنظام الايراني، إلا أن إعلان بومبيو عن هذه العلاقة وفي هذا التوقيت، أي قبيل استلام الإدارة الأميركية الجديدة، له مدلولات يجب التوقف عندها، وأهمها جعل مهمة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن بإعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، كما عبر وأعضاء من إدارته مرارا، أمرا أكثر تعقيدا وإن لم يكن مستحيلا.
أما خبر رجال الأعمال السوريين والروسيين المتورطين في إدخال شحن نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت، فقد كشف تحقيق بثته قناة «الجديد»اللبنانية وبالوثائق أن شركات يملكها رجل الأعمال السوري الروسي جورج حسواني وشركات أخرى تعود ملكيتها للشقيقين عماد ومدلل خوري، وهما أيضا من حملة الجنسيتين  السورية والروسية، متورطة في شراء وإدخال شاحنة نترات الأمونيوم إلى بيروت في العام 2013.
وإن كانت الشحنة التي أدخلت إلى مرفأ بيروت تزن 2750 طنا، فإن الكمية التي انفجرت في 4 أغسطس (آب) هي وفقا لما صرح به رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، نقلا عن تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) تقدّر بـ500 طن.
وعندما وقع الانفجار في 4 أغسطس (آب) تساءل الكثيرون ماذا تفعل نترات الأمونيوم في المرفأ؟ وكيف بقيت هذه المواد الشديدة الخطورة كل هذه المدة متروكة؟ وعلت بعض الأصوات التي ربطت بين نترات الأمونيوم والبراميل المتفجرة التي استخدمها نظام الأسد في حربه ضد المدنيين، لاحتواء تلك البراميل على مادة النترات، لكن أحدا من المسؤولين الرسميين لم يحاول أن يتقصى أكثر، فبقي الأمر في إطار الاتهامات والتكهنات، بل حاولت بعض الأصوات المحسوبة على النظام السوري اتهام خصوم النظام في لبنان بإدخال هذه المواد وتهريب جزء منها للمعارضة آنذاك.
يكفي أن تضع اسم جورج حسواني على محرك البحث «غوغل»لتعرف أن الرجل من المقربين جدا من النظام السوري، بل هو أيضا كان الوسيط بين النظام وتنظيم داعش بعمليات شراء النفط بين الطرفين، وهو ما كشف لاحقا عندما وضع اسمه على لائحة العقوبات الأميركية والأوروبية.
ما يربط النظام السوري بعدد كبير من الجرائم التي ارتكبت في لبنان كثير ومعروف، من اغتيالات وتفجيرات لم يكن آخرها إرسال المتفجرات مع الوزير السابق ميشال سماحة لإشعال فتنة، والقيام بعمليات اغتيال في لبنان، واتهام «المتطرفين»بها، وتفجير المسجدين في طربلس شمال لبنان.
بين إيران والإرهاب، كما بين نظام الأسد والإجرام، علاقة عضوية تكاملية لا يستطيع أحد منهم أن يعيش بمعزل عن الآخر، والسخرية أن كليهما يبرر وجوده بأنه حاجة للغرب والشرق لمحاربة الإرهاب.
واليوم مع كل ما يسرب عن توجه إدارة بايدن لإعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، ما على المعنيين والمهتمين إلا إبراز الشواهد على هذه العلاقة والتذكير بها والتأكيد عليها، فلا تضطر المنطقة لدفع ثمن محاربة الإرهاب مرتين، وهي ضحية الإرهاب في المرتين.