كتاب أميركي: الذين يتحدثون مع أنفسهم (بسبب حجر كورونا)





* الأبحاث العلمية أوضحت أن الناس يتحدثون أو يضحكون، أو يبكون بأصوات عالية دون أن يقرروا ذلك مسبقاً، بسبب توجيهات العقل الباطني

* في الحياة اليومية، يتحدث كثير من الناس مع أنفسهم... أحيانا بحضور آخرين

 
 
لأن الإنسان حيوان ناطق، حتى الأبكم يحاول أن يتكلم. ولأن فيروس كورونا أجبر كثيرا من الناس على أن يعيشوا منفردين، قل الكلام بين الناس. لهذا، اعترف بعض هؤلاء بأنهم صاروا يتكلمون مع أنفسهم، وسط إحساس كل واحد بأنه صار مجنونا.
لكن، قال هذا الكتاب إن الحديث مع النفس له خلفية تاريخية وعلمية.
مؤلف الكتاب هو شارلز فيرنيهو، أستاذ في علم النفس، ومؤلف كتب كثيرة، منها: «ألف يوم من الدهشة»(تابع فيه التطورات النفسية لبنته بعد ولادتها، ولمدة ثلاث سنوات).
هذه بعض فصول الكتاب الجديد:
تاريخ التفكير. أنا وحيد. أصوات في رأسي. حمامة تتحدث. كيف يتحدث المخ مع نفسه؟ رسالة من الماضي.  الحديث مع أنفسنا.
وكتب في المقدمة: «يوما، وأنا في القطار المحلي من ضاحيتي إلى مكان عملي في المدينة، لاحظت أن كل المسافرين صامتون: يقرأون، أو يضعون سماعات على آذانهم، أو نائمون، أو يحدقون بلا أهداف. فجأة، أطلقت ضحكة عالية.  كنت في كامل قواي العقلية. وأنا، دائما، رجل عاقل، وحذر، ومؤدب.
لماذا ضحكت ضحكة عالية، وأثرت فزع، واستغراب الذين حولي؟
حقيقة، كنت أتحدث مع نفسي. وأقول لها إني لا أكاد أنتظر اجتماع الصباح، وزميلنا الذي يبدأ الاجتماع بنكتة، وتذكرت نكتة اليوم السابق، وضحكت. لكن، ما كان يجب أن أضحك بصوت عال يلفت الأنظار».
وأضاف: «غير أني كنت أعرف أن عقلي الباطني كان يسيطر علي، خاصة الجزء من العقل الخاص بالذاكرة. لا بد أن عقلي الباطني تذكر نكتة اليوم السابق خلال الاجتماع في المكتب. لكن لأن العقل الباطني لا يضحك (ولا يبكي، ولا يفرح، ولا يتألم)، نقل الى العقل الواعي، فضحك العقل الواعي».
قال مؤلف الكتاب إن مشكلته هي أنه ضحك بصوت عال داخل قطار. وطبعا، ما كان يسمعه أحد إذا كان ضحك وهو وحيد بعيدا عن الناس.
وقال المؤلف إن الأبحاث العلمية أوضحت أن الناس يتحدثون (أو يضحكون، أو يبكون) بأصوات عالية دون أن يقرروا ذلك مسبقا، بسبب توجيهات العقل الباطني في ظروف«تحدٍ فكري». وأشار إلى أن بعض الأطفال يتحدثون مع أنفسهم عندما يجيبون على أسئلة اختبار، أو يحاولون حل لغز. وأن ذلك يساعدهم على حل الاختبار، أو اللغز.
في الحياة اليومية، يتحدث كثير من الناس مع أنفسهم (أحيانا بحضور آخرين)، مثل القول: «بعد مشاهدة هذه الحلقة من هذا المسلسل، سأنهض لأنظف صحون العشاء».
ومثل القول: «هذا صباح جديد، آمل أن لا تكون الشوارع مليئة بالسيارات وأنا في طريقي إلى مكتبي».
وأحيانا، يتحدث الناس إلى أشياء:
مثل الحديث إلى كمبيوتر تعطل: «لماذا تعطلت وأنا أريد إكمال هذا الموضوع خلال ساعة؟».
ومثل الحديث إلى سيارة: «أرجوكي لا تتوقفي قبل أن أصل إلى محطة البنزين».
غير أن أكثر الحديث مع النفس هو عن غضب على آخرين (لا يسمعون الحديث)، مثل: «أنت كذاب ابن كذاب»(نقد سياسي يتحدث في التلفزيون).
ومثل: «غطي جسدك أيتها الملعونة»(ممثلة في مسلسل تلفزيوني كشفت كثيرا من جسدها).
في كل هذه الحالات، يتحدث الشخص مع نفسه. وفي كثير من هذه الحالات، يحس الشخص براحة نفسية بعد أن يقول، في حرية، ما يريد أن يقول.
حسب الكتاب، اختلف علماء النفس في تسمية هذه الظاهرة: هل هي «إنتربيرسونال كوميونيكيشن»(اتصال داخل الشخص)؟ أم «إنترنال ديالوغ»(حوار داخلي)؟ أو غير ذلك.
لكنها ليست «سترانجر توكنغ»(حديث مع غرباء). وليست «برايفيت توك»(حديث خاص) يركز هذا الأخير على حديث الطفل مع نفسه. من عمر عامين إلى عمر سبعة أعوام. وهي المرحلة التي يحاول فيها الطفل الحديث مثلما يتحدث الكبار.
يستوجب الحديث مع النفس، حسب هذا الكتاب، ثلاثة عوامل: متحدث، وحديث ومستمع. لهذا فان «برايفت توك»(حديث خاص) وسط الأطفال، هو شيء آخر. وذلك لأن الطفل لا يتحدث مع شخص آخر. ولا حتى يفهم فهما كاملا موضوع الحديث.
عدد الكتاب محاسن ومساوئ الحديث مع النفس:
في جانب، يدل على إحساس الشخص بنفسه. وثقته فيها. ويساعد على التخطيط للمستقبل، وينفث عما كان يمكن أن يكون قلقا، وإحباطات.
في الجانب الآخر، يمكن أن يقود، فعلا، إلى قلق وإحباط. خاصة إذا اعتقد الشخص أن ما يفعل نوع من أنواع الجنون.
لكن، لم ينف الكتاب احتمال جنون حقيقي، رغم أن هذا شيء نادر. مثل هلوسة، وانفصام شخصية، وتخيل أصوات غريبة.
في نفس الوقت، حذر الكتاب من محاربة الشخص لهذه الظاهرة، وقال إنها ظاهرة طبيعية، وهي جزء من التفكير، سواء الواعي أو غير الواعي (الباطني).
في الأسبوع الماضي، أشار إلى هذا الكتاب زاكاري روث، من كبار صحافيي صحيفة «واشنطن بوست»عندما كتب عن مشاكل العزلة والحجر بسبب فيروس كورونا. وأجرى مقابلات مع عدد من الشخصيات، مشهورة وغير مشهورة...
قال غاري مانسفيلد، رئيس شركة «ناين ويست»الإلكترونية، إنه يمشي كل يوم مسافة عشرة أميال، قرب منزله في ضاحية سامفورد (ولاية كونيتيكت)، القريبة من مكان عمله في مانهاتن، في قلب نيويورك، إنه يتحدث إلى بنتيه المتزوجتين. خاصة بسبب كورونا. يقول لكل واحدة باسمها: «أرجوكي ضعي القناع عندما تخرجين من البيت». أو «أعتقد أن ما قال زوجك عندما تقابلنا في عطلة نهاية الأسبوع، قول حكيم».
رغم أنه ميسور الحال، ولديه وظيفة تدر عليه كثيرا من المال، قال إنه، وهو يمشي، يتحدث مع نفسه (بصوت عال إذا لم يكن هناك شخص قريب منه) عما سيفعل إذا فاز بمائة مليون دولار في «لوتاري نيويورك».
وقال إنه يقول لنفسه: «35 مليون دولار لبنتي إيفرى، و35 مليون دولار لبنتى سيدني».
واعترف للصحيفة: «أعرف جيدا أن هذا كلام فارغ. لكنه يجعلني أحس بأني أحب إيفري وسيدني. وأريد أن أضمن لهما حياة مالية مريحة، خاصة إذا أنجبا عددا كبيرا من الأولاد والبنات».
وأضاف: «أعتقد أننا كلنا نريد أن نعيش حياة مثالية، في كل جانب من جوانبها. وعندما لا نحقق كل جانب، نعوض عنه بالخيال. ونؤكد الخيال بالحديث مع أنفسنا. ونؤكد الحديث مع أنفسنا إذا كان بصوت عال. لكن، بعيدا عن آذان الناس».
وقالت أندريا تايلر، التي تعمل في شركة تأمين في نيويورك، وتسكن في عمارة سكنية ليست بعيدة عن مكان عملها، وغير متزوجة، ولا صديق لها، إنها تتحدث مع نفسها كثيرا داخل شقتها.
تقول: «غدا، سأشتري كتاب الطبخ الذي أصدرته الطباخة المشهورة أينا. وسأختار منه وصفه أستمتع بها».ثم تقول: «أسرعي يا أندريا، واشتري الكتاب في الصباح لتستطيعي العثور على وصفه تفضلينها». ثم تقول: «تمهلي يا أندريا وأنت تطبخين. تمهلي، وتنفسي بصوت عال، حتى تستمتعي بما تفعلين». ثم تقول، وقت الأكل: «حان وقت الاستمتاع، يا أندريا».
وهناك نور الدين خان، محامٍ في واشنطن العاصمة، وكان هاجر من باكستان. قال إنه يتحدث مع نفسه باللغة الأردية لأن زوجته أميركية، ولا تتكلمها. كما أن أولادهما ليسوا حريصين عليها.
قال إنه يتذكر طفولته في باكستان. ويتحدث مع زملاء الفصل. يشتم هذا الذي كان يضايقه، ويثني على هذا الذي كان صديقه. ويفتخر بنفسه لأنه كان أول الفصل دائما. ويتذكر كيف كان يقف أمام زملاء الفصل، ويثني عليه المدرس لأنه كان أول الفصل دائما.
كل ذلك باللغة الأردية، وبصوت عالٍ، وبعيدا عن آذان زوجته وأولادهما. 
وصار، في عصر كورونا والحجر في المنزل، يمارس رياضة المشي وحيدا، في منطقة نائية، حتى يقدر على أن يتحدث مع نفسه بصوت عالٍ دون أن يسمعه أي شخص.
 
الكتاب: «فويسيس ويذين»(أصوات من الداخل: تاريخ وعلم الحديث مع النفس)
الكاتب: شارلز فيرنيهو
الناشر: ويلكوم، نيويورك
الصفحات: 351
السعر: ورقي: 28 دولارا- الكرتوني: 19 دولارا