الانتخابات النيابية في كازاخستان 2021... ضمانات عديدة وطموحات متعددة

*تعكس هذه الانتخابات مدى الرضا الشعبي عن توجهات الرئيس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً
*وضعت اللجنة حزمة من الإجراءات الهادفة إلى توسيع المشاركة المجتمعية في العملية الانتخابية مراعاة لتفشي جائحة فيروس كورونا
*الاستحقاق النيابي والمحلي الذي شهدته كازاخستان إنما يمثل رداً عملياً على الادعاءات غير الصحيحة التي تحاول بعض الأطراف تهميش ما تشهده الجمهورية الأكبر مساحة في منطقة آسيا الوسطى من إنجازات عديدة وإصلاحات متنوعة في مختلف المجالات

 

 

باكو: «هذه الانتخابات مهمة للنهضة بمجتمعنا، وبقدر دخول أحزاب أكثر للبرلمان، سيكون ذلك جيدا لمستقبل البلاد، ولهذا أعتقد أن هذا الاستحقاق الانتخابي سيكون عادلا... وأن الإصلاحات السياسية في البلاد ستتواصل»... 

بهذه الكلمات الدقيقة وصف الرئيس الكازاخستانى قاسم جومرت توكاييف الانتخابات النيابية التي شهدتها بلاده في العاشر من يناير (كانون الثاني) الجارى (2021) والتي تمثل الانتخابات الثامنة في عمر الجمهورية المستقلة في أوائل تسعينات القرن المنصرم ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وحصول جمهورياته الخمس عشرة على استقلالها.

وجدير بالذكر قبل قراءة ما شهدته هذه الانتخابات من أحداث عديدة وما أفرزته من نتائج لم تبتعد كثيرا عن استطلاعات الرأي التي جرت قبل إعلانها، يجدر بنا تسجيل ملاحظتين مهمتين: الأولى، تتعلق بتوقيت إجراء هذا الاستحقاق النيابي الذي جاء في ظل تحديات عدة تواجهها الدولة الكازاخية، وبعضها يتعلق بالأوضاع السياسية في منطقة آسيا الوسطى بصفة خاصة، وبعضها يتعلق بتحديات طبيعية وصحية داخليا وعالميا. فإلى جانب إجراء هذه الانتخابات تزامنا مع الانتخابات الرئاسية في جمهورية قيرغيزستان المجاورة والتى تشهد أزمة سياسية حادة أثرت على استقرارها السياسى بل ربما تدخل الدولة في حالة من الفوضى ما لم يتمكن الرئيس المنتخب من بسط سيطرته على الأوضاع واستعادة الاستقرار الداخلي، نجد أيضا أن توقيت هذه الانتخابات يتزامن مع تحديات طبيعية تتمثل في الطقس الشتوي الذي تسجل فيه البلاد درجات حرارة تصل في بعض الأوقات إلى درجة الثلاثين تحت الصفر بما يجعل من المشاركة في هذه الانتخابات مهمة صعبة. 

أضف إلى ذلك أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد التي فرضت حالة من الإغلاق التام في موجتها الأولى والتي كان تأثيرها أقل من موجتها الثانية التي يعيشها العالم بأسره، فالخوف المهيمن على جميع المواطنين من الإصابة بذلك الفيروس اللعين الذي لا يرحم تجعل المخاطرة بالخروج والمشاركة في الانتخابات أمرا يزداد صعوبة. ولكن رغم كل هذه التحديات أصرت الدولة الكازاخية على إجراء الاستحقاق النيابي في موعده دون تأجيل مع اتخاذ كافة التدابير الاحترازية لإنجاح هذه الانتخابات، وهو ما يدل على أن ثمة رؤية واضحة تتبناها القيادة السياسية الكازاخية منذ توليها المسؤولية في يونيو (حزيران) 2019، تلك الرؤية التي تحظى بثقة شعبية في أن ما يتخذ من قرارات وما يتم من إجراءات إنما يستهدف صالح المواطن الكازاخي في المقام الأول، يدلل على ذلك نسبة المشاركة في هذا الاستحقاق ترشيحا وتصويتا كما سيتضح لاحقا. أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بالأهمية التي تحظى بها هذه الانتخابات على وجه التحديد، إذ تعد هذه الانتخابات هي الأولى من نوعها في عهد الرئيس المنتخب قاسم توكاييف في يونيو (حزيران) 2019، كما أنها الأولى من نوعها ما بعد الإصلاحات السياسية التي أجراها بشأن النظام الانتخابي لترسيخ مزيد من المشاركة المجتمعية في عملية صنع القرار السياسي عبر مجلس النواب المنتخب. ومن ثم، تعكس هذه الانتخابات مدى الرضا الشعبي عن توجهات الرئيس سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، إذ من المهم الأخذ في الحسبان أن الإصلاحات التي شهدتها كازاخستان منذ تنحي الرئيس الأول زعيم الأمة نور سلطان نزارباييف واختيار قاسم توكاييف لاستكمال المسيرة، لم تقتصر على الجوانب السياسية فحسب، وإنما شملت أبعادا اقتصادية واجتماعية تسريعا لتنفيذ رؤية كازاخستان 2050 بعد النجاحات التي تحققت في إطار رؤيتها 2030. ومن ثم، فما سطرته هذه الانتخابات من نجاح يجدد الشرعية السياسية للرئيس توكاييف بعد عام ونصف من توليه مقاليد المسؤولية. 

في ضوء هاتين الملاحظتين من واقع المشاركة الفعلية في مراقبة هذه الانتخابات، يستقرئ هذا التقرير الانتخابات النيابية والمحلية في كازاخستان من خلال ثلاثة محاور على النحو الآتي:

 

أولا: الانتخابات النيابية والمحلية في إطارها الدستوري والقانوني

نظم الدستور الكازاخي الصادر منذ عام 1995 وتعديلاته، وكذلك القوانين ذات الصلة بعمل البرلمان والأحزاب، كيفية تشكيل البرلمان الكازاخي الذي يطلق عليه «الهيئة التشريعية الأعلى في الدولة»، وذلك بمجلسيه (النواب والشيوخ) واختصاصاتهما، وكذلك كيفية تشكيل المجالس المحلية التشريعية واختصاصاتها، وقد أجريت عديد التعديلات على هذه النصوص، كان آخرها ما جرى عام 2019 وبمبادرة من الرئيس قاسم توكاييف، حيث تم تنفيذ عدد من الإصلاحات السياسية، والتى تمثل أبرزها فيما يأتي:

- استحداث مؤسسة برلمانية معارضة، مع النص على انتخاب رئيس واحد وسكرتيرين للجان الدائمة لمجلس النواب من نواب المعارضة النيابية.

- تخصيص ولأول مرة 30 في المائة من القوائم الحزبية للنساء والشباب.

- تخفيض الحد الأدنى لعدد الأعضاء الواجب انضمامهم لتسجيل الأحزاب السياسية الجديدة من 40 إلى 20 ألف عضو، وهو ما من شأنه تسهيل عملية التسجيل بما يزيد فعالية الحياة السياسية بصفة عامة والنيابية على وجه الخصوص.

- تبسيط الاجراءات الواجب اتخاذها لتنظيم وعقد التجمعات السلمية.

- إجراء انتخابات المجالس التشريعية المحلية للمرة الأولى طبقا لنظام القوائم الحزبية.

- تعزيز مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في العملية الانتخابية وتوفير كافة السبل لضمان وصولهم دون عوائق إلى جميع مراكز الاقتراع والتصويت. كما أعطاهم المشرع إمكانية التصويت بمساعدة شخص من اختياره.

في ضوء هذه الضوابط الدستورية والقانونية، أجريت الانتخابات البرلمانية في العاشر من يناير (كانون الثاني) 2021 وذلك لاختيار نواب المجلس البالغ عددهم 107 نواب لمدة خمس سنوات، إذ يتم انتخاب 98 نائباً من الأحزاب السياسية عن طريق القوائم الحزبية في دائرة انتخابية واحدة على مستوى البلاد على أساس الاقتراع العام والمتساوي والمباشر بالاقتراع السري، في حين ينتخب التسعة نواب الآخرون من جانب جمعية شعب كازاخستان المعروفة اختصارا(APC) وهي هيئة استشارية تابعة لرئيس الجمهورية، وتتمثل مهامها في تنفيذ السياسة الوطنية للدولة، وضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي في جمهورية كازاخستان وزيادة كفاءة التفاعل بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في مجال العلاقات بين الأعراق.

وتزامنا مع هذه الانتخابات، تم إجراء انتخاب نواب المجالس التشريعية المحلية (المعروفة باسم ماسلخات) وذلك في جميع أنحاء الجمهورية وفقًا أيضا لنظام القوائم الحزبية، حيث تم تسجيل 832 قائمة حزبية كمرشحين في الانتخابات المحلية، حيث يضع المواطن ورقتين في صندوق الاقتراع بلونين مختلفين واحدة تعبر عن اختياره لقائمة مجلس النواب والثانية تعبر عن اختياره لقائمة نواب المجلس التشريعى المحلي.

 

ثانيا: الانتخابات النيابية والمحلية... ضمانات قانونية واجراءات عملية

في إطار تقديم رؤية عن واقع ما جرى في الانتخابات الكازاخية يمكن أن نجمل هذه الرؤية في نقطتين رئيسيتين، هما:

1- لجنة الانتخابات المركزية وضمانات الشفافية وترسيخ المشاركة الواسعة، إذ بدأت اللجنة المنظمة للعملية الانتخابية في إصدار قراراتها منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بهدف إعطاء كافة الضمانات القانونية والسياسية للأحزاب السياسية لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة، ومن أبرز هذه الضمانات ما يأتي:

السماح لمراقبين دوليين ومحليين بممارسة دور رقابي على ضمان الحيدة والشفافية، فقد اعتمدت اللجنة 398 مراقبا أجنبيا، من بينهم 10 منظمات دولية و31 دولة أجنبية، فضلا عن العديد من المراقبين المحليين.

دقة التسجيل للمرشحين من خلال سلسلة من الخطوات لضمان عدم التلاعب.

وضع نظام دقيق لتصويت الناخبين بما يضمن عدم التزوير.

وضع صناديق شفافة في عملية التصويت أمام الجميع وذلك منعا لحدوث أي تلاعب.

السماح لوسائل الإعلام الأجنبية والمحلية بالدخول إلى مقار اللجان الانتخابية مع إجرائها لحوارات مع الناخبين للاطمئنان على عدم وجود أي تلاعب في عملية التصويت.

عقد اللجنة المركزية لجلسات مستمرة ومنتظمة بحضور ممثلى الأحزاب والمراقبين، وذلك قبل الانتخابات بهدف تقديم المعلومات والبيانات المستجدة للأطراف التي تخوض العمل الانتخابي ترشيحا وتصويتا.

نشر كافة قرارات اللجنة المركزية على موقعها الإلكتروني باللغات الكازاخية والروسية والإنجليزية.

نشر مصادر وسقوف المساهمات في أموال الحملات الحزبية، حيث يتم نشر بيانات مجمعة عن دخل ونفقات كافة الأطراف خلال الحملة بما يرسخ مفهوم الشفافية.

زيادة عدد لجان الاقتراع لاستيعاب كافة الناخبين، إذ تدار الانتخابات من خلال ثلاثة مستويات، هي: اللجنة المركزية للانتخابات، و232 لجنة انتخابية إقليمية(TECs) و10060 لجنة انتخابية في الدوائر(PECs) ، بما في ذلك 66 مركز اقتراع في السفارات والقنصليات لإجراء التصويت في الخارج.

وإلى جانب هذه الضمانات القانونية، وضعت اللجنة حزمة من الإجراءات الهادفة إلى توسيع المشاركة المجتمعية في العملية الانتخابية مراعاة لتفشي جائحة فيروس كورونا وهو ما كان موضع إشادة من جانب رئيس بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لمراقبة الانتخابات في كازاخستان،  كريستيان فيجنين، وذلك بقوله: «إن الانتخابات البرلمانية في هذا البلد نُظمت بشكل فعال على خلفية التحديات التي يفرضها وباء فيروس كورونا». ومن أبرز الإجراءات التي اتخذتها اللجنة المركزية في هذا الخصوص ما يأتي:

-إلزام كافة المتواجدين في مقار اللجان الانتخابية بارتداء الكمامات مع وضع فاصل زجاجي بين الناخبين ومسؤولي اللجنة، بما يضمن عدم وجود أي تقارب بين الجانبين، مع وضع ضوابط داخل مقار اللجان الانتخابية بشكل يحافظ على التباعد الاجتماعي بين الناخبين، وفي ذات الوقت يمكنهم من الإدلاء بأصواتهم.

-إلزام كافة المراقبين الدوليين بإجراء فحوصات طبية للاطمئنان على حالتهم الصحية قبل توجههم إلى مقار الانتخابات.

-إعداد فريق عمل صحى لتنظيف مقار اللجان الانتخابية بشكل دائم ومستمر طوال فترة الانتخابات، حيث يتولى التطهير المستمر للمقار الانتخابية.

في ضوء هذه الضمانات القانونية والصحية، شهدت هذه الانتخابات مشاركة واسعة ترشيحا وتصويتا. فعلى مستوى الترشيح ارتفع عدد الأحزاب السياسية المشاركة في هذه الانتخابات ليصل إلى خمسة أحزاب بعدما كانت ثلاثة أحزاب في انتخابات مارس (آذار) 2016، وهو ما أشاد به الرئيس قاسم توكاييف بقوله: «كلما زاد عدد الأحزاب في برلماننا، كان ذلك أفضل لمستقبل بلادنا». وقد اعلنت لجنة الانتخابات المركزية عن قوائم هذه الأحزاب بإجمالي 312 مرشحًا، من بينهم 90 امرأة أي ما يعادل 29 في المائة من المرشحين و19 شخصًا دون سن 29 عامًا، وممثلون من 12 عرقية، موزعين حزبيا على النحو الآتي:

-الحزب الوطني الديمقراطي الشعبي (Auyl) 19 مرشحا. وقد تأسس هذا الحزب عام 2015، ويولي اهتماما خاصا بقضية تنمية الزراعة والتوسع فيها.

-حزب نور وطن(Nur Otan) 126 مرشحا، وهو حزب الاغلبية.

-حزب الشعب الوطنى الديمقراطي(ADAL) 16 مرشحا. تأسس عام 2013 باسم حزب «بيرليك». وأعيدت تسميته عام 2020، ويصنف نفسه كمتحدث باسم المصالح التجارية.

-الحزب الديمقراطي الكازاخستاني (Ak Zhol)  38 مرشحا. تأسس عام 2002. ويصنف نفسه على أنه معارضة بناءة، وهو حزب رجال الأعمال، وقد شاركت إحدى عضواته في المنافسة على مقعد رئاسة الجمهورية في الانتخابات التي جرت في يونيو (حزيران) 2019.

-حزب الشعب الكازاخستاني 113 مرشحا. وتم تأسيسه عام 2004، وحتى عام 2020 كان باسم حزب الشعب الشيوعي لكازاخستان، إلا أنه غير الاسم إلى حزب الشعب الكازاخستاني وإن ظلت آيديولوجيته تعبر عن الفكر اليساري.

أما على مستوى التصويت والنتائج، فقد سجلت اللجنة المركزية في بيانها أن نسبة المشاركة وصلت 63,3 في المائة، وأن الولايات الشمالية في البلاد كانت الأعلى نسبة في المشاركة، حيث بلغت نسبة المشاركة فيها 75,5 في المائة، وفي العاصمة نور سلطان بلغت 45,1 في المائة. وفى هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى ملاحظتين مهمتين: الأولى تتعلق بدورة المرأة في العملية التصويتية إذ سجلت كاميرات الإعلاميين والصحافيين وجودا ملحوظا للمرأة الكازاخية التي حرصت على التواجد بشكل واسع بل وفي بعض الأحيان حرصت على الحضور مع أطفالها إلى لجان الاقتراع. الملاحظة الثانية، أنه رغم برودة الطقس وتفشي جائحة فيروس كورونا إلا أنه لوحظ حضور متميز لكبار السن من الرجال والنساء. وتؤكد هاتان الملاحظتان على دلالة مهمة تتعلق برؤية الفئتين لأهمية الاستقرار السياسي كشرط رئيسي في إنجاح التنمية.

وفيما يتعلق بالنتائج النهائية للانتخابات والتي ستعلن خلال 7 أيام أي بحد أقصى يوم الأحد القادم 17 يناير (كانون الثاني) الجارى، إلا أن كافة المؤشرات أكدت على تقدم حزب نور أوتان بحصوله على الأغلبية النيابية بنسبة 71,97 في المائة، وبمشاركة حزبين هما: حزب أك زهول الديمقراطي  10,18 في المائة، وحزب الشعب 9,03 في المائة، في حين لم يكن للحزبين الآخرين وجود برلماني بسبب أن نسبة الأصوات التي حصلوا عليها ليست كافية لتجاوز عتبة 7 في المائة المطلوبة، وهما: حزب أويل الشعبي الوطني 5,75 في المائة، وحزب عدال 3,07 في المائة.

2- الأحزاب السياسية وبرامجها الانتخابية: لم تكن مصادفة أن تولي برامج الأحزاب السياسية المشاركة في العملية الانتخابية اهتماما واسعا بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية التي استحوذت على اهتمامات المواطنين خلال الفترة الماضية منذ بدء تفشي جائحة كورونا، ولذا فقد لوحظ تمحور برامج هذه الأحزاب حول الأفكار ذات التوجه الاجتماعي والتي تهدف إلى إيجاد حلول للقضايا الأكثر إلحاحًا المتعلقة بتحسين حياة المواطنين. ولعل ما جرى في حزب نور أوتان وهو حزب الأغلبية في البرلمان المنتهية ولايته بل وأصبح أيضا حزب الأغلبية في البرلمان المنتخب، يدلل على صحة هذا التوجه، وهو ما طالب به رئيس الحزب نزارباييف بضرورة توافق البرنامج الانتخابي والمهام الانتخابية للحزب مع أهم طلبات وتوقعات مواطني الدولة. فيذكر أنه تمت مناقشة واعتماد 216 برنامجًا إقليميًا قبل الانتخابات، سعيا لوضع البرنامج الانتخابي للحزب خلال الخمس سنوات القادمة ليكون معبرا عن تطلعات المواطنين حسب إمكانيات الميزانية لكل منطقة ومدينة. ولم تختلف البرامج الانتخابية للأحزاب الأربعة الأخرى المشاركة في هذه الانتخابات، بل أكدت على تأييدها للحكومة وجهودها في سبيل معالجة تداعيات أزمة جائحة فيروس كورونا اقتصاديا واجتماعيا.

ثالثا: كازاخستان ما بعد الانتخابات النيابية... طموحات مطلوبة

في ضوء ما أفرزته الانتخابات النيابية والمحلية من نتائج أكسبت المجلس الجديد ثوبا مختلفا فيما يتعلق بتركيبة أعضائه. صحيح أن حزب نور أوتان الحاكم هو صاحب الأغلبية البرلمانية كما كان في البرلمان السابق، إلا أنه من الصحيح كذلك أن تركيبة أعضائه وتوجهاتهم في ضوء التحديات المستجدة على الساحة الداخلية والخارجية، ستفرض عليهم ضرورة البحث عن مقاربات جديدة في مواجهة هذه التحديات سعيا لتحقيق طموحات المواطنين الذين خرجوا في تحدٍ للظروف المناخية والصحية (جائحة كورونا)، وهو ما من شأنه أن يضع أمام البرلمان مجموعة من القضايا من الواجب أن تحظى بالأهمية في أجندة أعماله، من أبرزها ما يأتي:

1-  إيلاء المزيد من الاهتمام بقضايا المرأة والشباب، إذ إن حرص الرئيس قاسم توكاييف على زيادة نسبة تمثيلهم ضمن الإصلاحات السياسية التي جرت، إنما يستهدف زيادة الاهتمام بحل مشكلات هذه الفئات داخل المجتمع ترسيخا لمبدأ المساواة بين الجميع.

2-  تبني الرئيس قاسم توكاييف لمفهوم الدولة المنصتة أو المستمعة والذي يقصد بدلالاته توسيع حجم المشاركة المجتمعية، يعني ذلك أن البرلمان المنتخب عليه أن يكون معبرا عن تطلعات ناخبيه في مخاطبته لأجهزة الدولة، وهو ما يتطلب أمرين: الأول، أن يعي العضو في البرلمان أنه يمثل شعب كازاخستان بكل أطيافه وتكويناته، ومن ثم، عليه أن يكون معبرا عن هذا التمثيل تعبيرا حقيقيا. أما الأمر الثاني، أن يكون لدى البرلمان رؤى تنطلق من الواقع بتحدياته ومشكلاته وكذلك إمكانياته وقدراته، وهو ما يستوجب أن يكون لدى كل عضو في البرلمان جهاز فني معاون قادر على وضع الأفكار والتصورات الملبية لطموحات الشعب الكازاخي. وفي هذا الخصوص يقترح أن يضع البرلمان الجديد آلية للتنسيق مع المجلس الوطني للثقة العامة والذي تم إنشاؤه مؤخرا كهيئة استشارية تابعة لرئيس الجمهورية، للحصول على مخرجاته وفقا للاختصاصات المحددة له والتي تتركز في قيامه بإجراء حوار مفتوح مع ممثلي المجتمع من أجل وضع مقترحات محددة لإصلاح التشريعات ونظام الإدارة العامة، وهو ما يسهل على البرلمان القيام بدوره في ضوء تطلعات وآمال المواطنين الكازاخ.

غاية القول؛ إن الاستحقاق النيابي والمحلي الذي شهدته كازاخستان إنما يمثل ردا عمليا على الادعاءات غير الصحيحة التي تحاول بعض الأطراف (يقصد بها أطرافا داخل كازاخستان وخارجها) تهميش ما تشهده الجمهورية الأكبر مساحة في منطقة آسيا الوسطى من إنجازات عديدة وإصلاحات متنوعة في مختلف المجالات، فنجاح الاستحقاق بمشاركة مجتمعية واسعة يعطي الشرعية السياسية للحكومة الكازاخية على استكمال مسيرتها التنموية دون الالتفات إلى مثل هذه الانتقادات التي لم تكن على أسس منطقية أو وقائع حقيقية. صحيح أن ثمة مشكلات وأزمات تواجهها كازاخستان تحتاج إلى تكاتف الأفكار والجهود لمواجهتها، إلا أنه من الصحيح كذلك أن ما تحقق على مدار الثلاثين عاما منذ الاستقلال بصعوباته وأزماته ومشكلاته، يدلل على صحة المسار المتبع.