هل يؤسس قانون الانتخابات المقترح لجزائر جديدة؟

قانون جديد للانتخابات في الجزائر

*  وفق المادة 167 الجديدة يختار الناخب قائمة واحدة، ويصوّت لصالح مترشح أو أكثر من القائمة نفسها في حدود المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية
*  تضم مسودة المشروع الذي سيطرح على البرلمان للاستفتاء بعد نقاشات الطبقة السياسية 100 مادة جديدة ومحيّنة، تعدُ حسب البعض تقدماً لافتاً
*  كرّس التشريع الجديد قاعدة التمييز الإيجابي للنساء والشباب في قوائم المرشحين الذي بوشر فيه منذ انتخابات 2012 لأهداف دعائية بالأساس

 

الجزائر: بعد انتظارٍ دام عدة أشهر، أفرج أخيراً على مسودة مشروع قانون الانتخابات الجديد بالجزائر، وهو القانون الذي يقدمه الرئيس عبد المجيد تبون ومن يدعمه على أنه أحد الملامح الأساسية لمشروع الجزائر الجديدة، ويعد هذا هو التعديل الخامس من نوعه لقانون الانتخابات منذ إقرار التعددية الانتخابية بداية التسعينات، وكما كان متوقعاً أثار القانون الذي وزعت نسخة منه على الطبقة السياسية الثلاثاء جدلاً واسعاً بين مرحب ومنتقد.

 

وكان الرئيس تبون قد أعلن منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي في تسجيل مصور على حسابه الخاص في «تويتر» من مقر إقامته بألمانيا، إثر رحلته للعلاج من فيروس كورونا نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أنه وجه تعليمات للرئاسة من أجل تجهيز قانون الانتخابات الجديد في ظرف 15 يوماً لمباشرة مرحلة ما بعد الدستور، ويشير تبون بذلك إلى تعهدات سابقة له بإجراء انتخابات نيابية ومحلية مبكرة مباشرة بعد تعديل الدستور، الذي تمت المصادقة عليه بالفعل في استفتاء شعبي، مطلع نوفمبر )تشرين الثاني( الماضي. وشهد الاستفتاء نسبة مقاطعة قياسية إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة النهائية 23,7 في المائة، وهي أدنى نسبة مشاركة في تاريخ البلاد خلال اقتراع مهم. وأعلن رئيس (السلطة الوطنيّة المستقلّة للانتخابات) في الجزائر محمد شرفي أن 66,8 في المائة من الناخبين الجزائريين صوتوا بـ«نعم» على الاستفتاء حول تعديل الدستور الجزائري، في حين صوت  33,20 في المائة  من الناخبين بـ«لا». وتنتهي ولاية البرلمان والمجالس المحلية عام 2022، حيث تم انتخابها في2017  لولاية من 5 سنوات.

تشير الوثيقة التي تسلمتها مختلف الأحزاب السياسية إلى وضع المشرع الجزائري هذا القانون في سياق تجسيد أحكام تعديلات الدستور الأخير، ومنها «تجسيد وترسيخ الديمقراطية، والتداول السلمي على السلطة، وأخلقة الحياة السياسية»، و«ضمان مشاركة المواطنين والمجتمع المدني لاسيما الشباب والمرأة في الحياة السياسية وضمان اختيار حر بعيد عن أي تأثير مادي».

وكان محمد شرفي، رئيس (السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات)، أوضح أن «مشروع المسودة سيعمد على الشفافية»، مؤكّدًا أن «القانون الجديد سيحدث قطيعة نهائية بين المال الفاسد والعملية الانتخابية، ويضع حدًا فاصلًا للفساد الانتخابي والسياسي».

 الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون
 الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

أبرز ما كرّسه التشريع الجديد

وتضم مسودة المشروع الذي سيطرح على البرلمان للاستفتاء عليه بعد نقاشات الطبقة السياسية مائة مادة جديدة ومحيّنة، تعدُ حسب البعض تقدماً لافتاً، مقارنة بالاجتهادات القانونية السابقة في مجال الانتخابات وبشكل خاص فيما يتعلق بمكافحة المال السياسي واعتماد نمط الاقتراع النسبي على القوائم المفتوحة. بدلاً من النظام الحالي الذي يعتمد على الاقتراع النسبي على القائمة المغلقة، ومن محاسن هذا النظام عدم احترام الترتيب المعتمد من قبل الأحزاب في وضع القوائم، لكن عيبه الأساسي ترسيخ الجهوية والعروشية والمذهبية في بعض القوائم. ويُمثل الوضع الاقتصادي أكبر التحديات أمام الرئيس تبون الذي رفع شعارات محاربة الفساد والمال السياسي، ووعد باسترجاع أموال الشعب المنهوبة من قِبل النظام السابق، والتي قدَّرها بحوالي 20 مليار دولار.

ووفق المادة 167 الجديدة يختار الناخب قائمة واحدة، ويصوّت لصالح مترشح أو أكثر من القائمة نفسها في حدود المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية. وتوزع المقاعد المطلوب شغلها بين القوائم بالتناسب حسب عدد الأصوات التي تحصلت عليها كل قائمة مع تطبيق قاعدة البقاء للأقوى. وتم خفض العتبة إلى 5 في المائة بدل 7 في المائة المنصوص عليها في القانون الحالي، حيث لا تؤخذ في الحسبان، عند توزيع المقاعد، القوائم التي لم تحصل على نسبة خمسة في المائة على الأقل من الأصوات المعبر عنها.

وفي المقابل فإن المعامل الانتخابي الذي يؤخذ في الحسبان هو ناتج قسمة عدد الأصوات المعبر عنها في كل دائرة انتخابية على عدد المقاعد المطلوب شغلها ضمن نفس الدائرة الانتخابية وفق المادة 170 من مسودة المشروع، وفي حالة تساوي الأصوات، توزع المقاعد التي تحصلت عليها كل قائمة على أن يتم حسب عدد الأصوات التي حصل عليها كل منهم، وفي حالة تساوي الأصوات في القائمة الواحدة يعود المقعد للأصغر سنا وفق المادة 172.

 وكرّس التشريع الجديد قاعدة التمييز الإيجابي للنساء والشباب في قوائم المرشحين الذي بوشر فيه منذ انتخابات 2012 لأهداف دعائية بالأساس، وفي ظل الانتقادات الموجهة لتجربة توسيع التمثيل النسوي في المجالس المنتخبة، ورغم أنه حصر هذه القاعدة في الدوائر الانتخابية التي يزيد عدد سكانها على20 ألف نسمة، من المستبعد أن يرفع الاقتراح في نسبة المشاركة والصورة النمطية للجزائريين عن مشاركة النساء في العملية الانتخابية. ويعد هذا الإجراء، وإن كان يأخذ نظريا بتزايد دورة المرأة في الحياة الاجتماعية والحياة العامة، تكريسا آخر لمسعى سياسة الاستعراض المعتمدة من قبل السلط المتداولة على الحكم والتي تتوجه بقوانين للخارج لانتزاع الإعجاب منه بدل الأخذ بالحسبان خصوصيات المجتمع الجزائري، وتجسيد الإرادة الشعبية فعلا.

ورغم أن الجزائر أصدرت عام 2011 ما يسمى قانون الكوتة أو الحصة في المجالس المنتخبة والتي تنص على ضرورة تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة بأكثر من 30 في المائة من مجموع أعضائها كخطوة لدعم حظوظ المرأة في المشهد السياسي، إلا أن القانون كانت له آثار سلبية تسببت في وصول نساء دون كفاءة ولا تاريخ لهن في الممارسة السياسية، مما أضعف المجالس المنتخبة وبشكل خاص البرلمان.

ونصت المادة 174، الفقرة الثانية، على أنه يتعين على كل قائمة أن تراعي مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء وأن تخصص على الأقل ثلث الترشيحات للذين تقل أعمارهم عن 35 سنة تحت طائلة عدم قبول القائمة، بالنسبة لانتخاب أعضاء البرلمان مع إمكانية تمويل حملاتهم الانتخابية. ويستثنى من مبدأ المناصفة البلديات التي يساوي عدد سكانها أو يزيد على20  ألف نسمة. ويقترح التشريع الجديد لعضوية مجلس الأمة أو مجلس الشيوخ «التوفر على شهادة جامعية»، وهي مسألة تطرح قضية إشكالية دستورية، باعتبار أنها تمس بقاعدة المساواة في الفرص زيادة عن كون الشهادة ليست مقياسا للكفاءة السياسية.

 محمد شرفي رئيس السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات
 محمد شرفي رئيس السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات

جدل بين أوساط الأحزاب والحراك

القانون ومثلما كان متوقعاً أثار جدلاً واسعاً واستقطب مع اللحظات الأولى من طرحه اهتمام رواد شبكات التواصل الاجتماعي، الدكتور سليمان ناصر وهو أستاذ جامعي متخصص في الاقتصاد كتب قائلاً: «عندما أراد المخلوع (ويقصد بذلك بوتفليقة) العبث بالدستور نهاية سنة2008  ليبقى في الحُكم، أجرى التعديل المشؤوم المتعلق بفتح العهدات، ومعه ذلك المتعلق بدخول المرأة إلى المجالس المنتخبة بالكوتة، ولأنه يعرف بأن المجتمع الجزائري محافظ أراد أن يشغله بالنقاش حول النقطة الثانية ولا ينتبه كثيراً للأولى وهي الأخطر، وفعلاً ثار جدل كبير يومها حول قضية المرأة، وجاء ذلك اليوم المشؤوم12  نوفمبر (تشرين الثاني)2008  أين حُشر نواب البرلمان بغرفتيه في نادي الصنوبر، وقبلها بأيام قليلة تمت رشوتهم برفع الأجور بمبالغ مغرية، فصوتوا على ذلك التعديل الدستوري أو بالأحرى على العبث الدستوري بأغلبية ساحقة، ووصلت البلاد بعدها إلى ما نعرفه جميعاً». ويتابع: «ما يجري اليوم للأسف يشبه ما جرى بالأمس، لأنني أرى كثيراً من الإخوة الآن وبعد طرح مسودة قانون الانتخابات للنقاش، يناقشون مسألة دخول المرأة إلى المجالس المنتخبة هل بالنصف، أم بالثلث... إلخ، ولا يلتفتون إلى أمور قد تكون أخطر في هذا القانون، ومنها مسألة 4 في المائة للأحزاب الصغيرة أو المنشأة حديثاً بالاعتماد على الانتخابات السابقة، والجميع يعترف، بما فيها السلطة، أنها لم تكن نزيهة أو شفافة». ويتساءل: «ما الفائدة من صرف الأموال وتضييع الوقت في التجارب إذا كنا نكرر أخطاء الماضي ولا نستفيد منها ؟!!».

رئيس حزب الشباب، حمنه بوشرمة، قال مخاطباً المشاركين في الحراك: «لقد سبق وأن نبهتكم أن السلطة القائمة لم تتعظ من صفعة الحراك الشعبي، ومن صفعة الاستفتاء على الدستور» ويتابع: «لقد أثبتت كل التجارب الانتخابية السابقة انعدام أية إرادة صادقة للتغيير الحقيقي الذي يرسّخ التحول الديمقراطي ويفضي إلى تنمية شاملة».

ورصد سيناريو يقول عنه إنه «يكرس تغول السلطة على المشهد السياسي من خلال غربالها المرتكز على جهاز الإدارة والعدالة». واعتبر أن «السلطة ومن خلال عزمها على عدم التغيير ستلجأ إلى حيل جديدة في إطار التجديد الصوري لهيئاتها المنتخبة أو المعينة لكن تحت مظلة الانتخابات، ويكون ذلك من خلال الإقصاء المبرمج لكل القوى السياسية من العملية الانتخابية طوعاً أو كرهاً، باعتماد قوائم حرّة شبابية من جمعيات الموالاة والتي لا تحوز أي امتداد وطني أو وعي سياسي أو اهتمام حقيقي بالشأن العام أو مقدرة على التدافع السياسي مع السلطة القائمة». وفي تقديره «لا توجد أي إرادة لدى السلطة القائمة للاستجابة لمطالب الحراك الشعبي الذي توقف في منتصف الطريق قبل أن يحقق أهدافه النبيلة».

ومن جانبه، يرى سفيان جيلالي، رئيس حزب جيل جديد، أن «الحراك الشعبي يجب أن ينتقل لمرحلة اقتحام المؤسسات المنتخبة في الانتخابات التشريعية والمحلية المبكرة التي يجري التحضير لها». ويعتقد جيلالي أن الحراك الشعبي يجب أن «يتجاوز عتبة الشارع ويتحوّل إلى فاعل في المؤسسات المنتخبة بالمشاركة في الانتخابات التشريعية والمحلية من أجل المساهمة في إحداث التغيير». وقال جيلالي، لدى نزوله ضيفا على منتدى يومية «لوكوريي دالجيري» إنه «يجب أن يكون الحراك موجهًا نحو الاستثمار في الحياة السياسية والعامة»، موضحًا: «لماذا لا ننتخب، خاصة وأن الشباب الجزائري مهمش من قبل السلطة لسنوات، وقد أتت الفرصة ليفرض نفسه».

وأضاف: «مع بداية عام 2021، أعتقد أن هناك بعض الأشياء المهمة جدًا في الأفق، من الصعب الرهان على سيناريو محدّد أو تطور في البلاد بشكل مؤكد، لكن بعض الأساسيات بدأت تدريجيا في الظهور، خاصة بعد اعتماد الدستور الجديد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي». وبخصوص قانون الانتخابات الجديد، قال المتحدّث: «كل شيء يحتاج إلى بداية، وقد تم الكشف عن مسودة قانون الانتخابات، وسيتم إثراؤها من طرف الأحزاب والفاعلين». واستدرك: «الجزائر تستعد الآن لبناء شيء جديد، نظام سياسي نأمل أن يكون جديدًا تمامًا». واسترسل جيلالي: «هناك تغيير جوهري، الحالة الذهنية للجزائريين قد تغيرت بعد حراك22  فبراير (شباط) فيما يتعلق بالسلطة والعمل السياسي، لقد اكتشف الكثير من الشباب السياسة بعد سنوات من تهميشهم» . ليختم بالقول: «يجب أن ينتقل الحراك إلى المؤسسات المنتخبة، سيجلب الحراك هذه الديناميكية، هذا النفس الجديد، يجب أن يصبح الفاعلون في الحراك ممثلين سياسيين».

الأستاذ والباحث في العلوم السياسية محمد بضياف أكد لـ«المجلة» أن «الجزائريين طالبوا طيلة ما يقارب السنة تطبيق المادة7  و8 من دستور2016 »، وها قد حان برأيه «الوقت لتنفيذ المطلب بعيدا عن الغوغائية المغرضة التي رفعت شعار (يتنحاو قاع)».

الفرصة سانحة، يتابع: «للشعب، وفي إطار الدستور لفرز قيادات رفعت صوتها عاليا لتمثيل الشعب وقيادته، فخيار القائمة المفتوحة الذي يقترحه مشروع القانون رفع كل حاجز في الاختيار الحر، وتجاوز كل من يرفضه الشعب». ويعتبر أن «نظام الدوائر وحصص الشباب الذي  قد يثبته قانون الانتخابات بعد المناقشة  قد يفرض على الأحزاب دمج لفيف من الشباب والنساء، كما قد يتيح الفرصة لمنظمات المجتمع المدني ليشكل قوة ترتكز عليها العملية السياسية»، ووفق تقديره فإن «الحراك تأخر في تنظيم نفسه لخوض معركته، وهو الآن وعلى بعد أمتار من الاستحقاق يطعن بعضه بعضا لمنع وصول الإخوة الفرقاء».