ثلاثة استحقاقات تنتظر القطاع المصرفي اللبناني في فبراير...

استعادة ثقة المودعين تتطلب دمج المصارف لتحسين وضعها المالي والإداري

 

* استحقاق زيادة رأس المال للمصارف بنسبة 20 في المائة وتكوين سيولة خارجية للمصارف المراسلة بنسبة 3 في المائة، ليسا سوى حدّ أدنى يؤمن الاستمرارية فقط

* هناك مصارف ترفض فتح حسابات جديدة بالعملة اللبنانية أو بالدولار... والشيكات المتداولة قلت، وبطاقات الصيرفة الإلكترونية معدومة أو محصورة جداً، بمعنى أن العمل المصرفي الحالي بدائي

* المطلوب دمج المصارف بحيث يصبح في لبنان 20 مصرفاً وهذا يكفي لبلد صغير مثل لبنان

* اللبناني فقد الثقة في المصارف، لأن معظمها صغير وضعيف، وحين يجد أن هناك مصارف كبيرة بالنسبة لحجم لبنان ستتعزز الثقة عنده ويتحسن الوضع المالي والإداري

 

 

بيروت: في مطلع شهر فبراير (شباط) المقبل يبدأ العد العكسي لتنفيذ مضمون التعميم 154 الذي أصدره حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يوم 16 سبتمبر (أيلول) 2020 والهادف إلى إعادة تفعيل عمل المصارف العاملة في لبنان .

فالتعميم المذكور ومعه التعميم الوسيط رقم 567 يشكلان دعامة أساسية لإعادة نهوض القطاع المصرفي لأنهما يشكلان خارطة طريق لإعادة إحياء القطاع وضمانة لإعادة الودائع لأصحابها.

التعميم 154 يطلب من المصارف أن «تقوم بحثّ عملائها الذين قام أيّ منهم بتحويل ما يفوق مجموعه 500 ألف دولار أو ما يوازيه بالعملات الأجنبية إلى الخارج، خلال الفترة من 1/7/2017 حتى تاريخ صدور هذا القرار، على أن يودعوا في حساب خاص مجمّد لمدة خمس سنوات، مبلغًا يوازي 15 في المائة من القيمة المحوّلة». ويوضح التعميم طبيعة هؤلاء العملاء في البند الثاني من المادة الثانية، فيطلب تطبيقه على رؤساء وأعضاء مجالس إدارة وكبار مساهمي المصارف وعلى الإدارات العليا التنفيذية للمصارف وعملاء المصارف من الأشخاص المعرّضين سياسياً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو بواسطة شركات يمتلكها أيّ منهم على أن تعتمد هنا نسبة 30 في المائة بدلًا من 15 في المائة. على أن تستخدم هذه الودائع لتسهيل العملات الخارجية المحفّزة للاقتصاد.

كما حدد في التعميمين الوسيط والأساسي، آلية إعادة تكوين المؤونات تدريجيًا على فترة خمس سنوات، وتخفيض المؤونات عام 2024 بحدّ أقصى، وزيادة رأس المال بنسبة 20 في المائة، وإعادة الالتزام بالمعايير، والطلب من المصارف استئناف تقديم خدماتها ووفق ما كانت عليه قبل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والعودة إلى النشاط المصرفي المعتاد، وفترة الخمس سنوات ليسترد وديعته من يعيد نسبة 15 في المائة من أمواله إلى المصارف اللبنانية «بما معناه أنّ المصرف المركزي يرى أنّ الأمور ستعود إلى طبيعتها في غضون خمس سنوات، وأن هذا المدى الزمني يمثّل سقف عمر الأزمة، وأن القطاع المصرفي سيعود ليقف على قدميه خلال هذه الفترة، وهذه نظرة مستقبلية إيجابية بمدى زمني مقبول».

ومع أن الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سميرحمود أكد لـ«المجلة» أن القطاع المصرفي لن يستطيع النهوض مجدداً قبل أن يستعيد ثقة الناس فيه، وهذا يتطلب إعادة الرسملة من جديد بعملة أجنبية وإعادة حوكمة القطاع، لأن «إعادة رسملة المصارف أو تكوين السيولة على الورق في لغة السيولة المعتمدة محلياً لا تعني الهيكلة». فكل مصرف، كما يرى، «يجب أن يستعيد دوره، لناحية القدرة على استقطاب الودائع من الخارج ثم إعادة إقراضها. واصفاً عملية إعادة الهيكلة، بالمشروع الطويل الأمد، ولا أعتقد أن الوقت حان لطرحه اليوم».

جو سروع
الخبير المصرفي والمالي، جو سروع

من هنا، يضيف أن «استحقاق زيادة رأس المال للمصارف بنسبة 20 في المائة وتكوين سيولة خارجية للمصارف المراسلة بنسبة 3 في المائة، ليسا سوى حدّ أدنى يؤمن الاستمرارية فقط، طالما أن عمل البنوك بات محصوراً في الداخل فحسب». مؤكّداً أن «تحقيق المصارف لهذا المطلب وفق التعميم الصادر عن مصرف لبنان رقم 154 لا يؤسس مصرفاً، إن الرسملة الداخلية المطلوبة تتجاوز بكثير نسبة الـ20 في المائة، والسيولة المطلوبة تتجاوز الـ3 في المائة بأشواط. وهو ما أكده نائب حاكم مصرف لبنان السابق الدكتور محمد البعاصيري بقوله: «إن وضع القطاع المصرفي صعب جداً بعدما انعدمت ثقة المواطنين والمجتمع الدولي به، لذا يجب إعادة هيكلة هذا القطاع من جذوره ، لأن التعميم رقم 154 الذي حدد آخر شهر فبراير (شباط) لتقوم المصارف بزيادة أموالها الخاصة بنسبة 20 في المائة وتأمين سيولة 3 في المائة في حساباتها في المصارف المراسلة إذا طبق هذا التعميم قد يساعد في حل جزء من المشكلة وقد يساهم أكثر في تشكيل حكومة قوية، وهذه الحكومة هي الخطوة الأولى لحل المشكلة برمتها.

أمام هذه الوقائع ماذا يقول أهل هذا القطاع، وهل سيعيد تنفيذ التعميم 154 القطاع إلى ما كان عليه من قبل، أم إنها الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل.

 

ثلاثة استحقاقات تواجه المصارف

الخبير المصرفي والمالي، جو سروع، يعتبر أن هناك ثلاثة استحقاقات أساسية تواجه المصارف في شهر فبراير (شباط): أولاً، زيادة رأسمالها 20 في المائة. وثانياً، تكوين 3 في المائة بالعملة الأجنبية للمصارف المراسلة وحث المودعين الذين حولوا ودائعهم منذ العام 2017 والتي تفوق الـ500 ألف دولار لإعادة 15 في المائة من هذه الودائع. وكذلك أعضاء مجلس الإدارة والمديرين العامين والزبائن المعرضين سياسياً لإعادة 30 في المائة من الودائع التي خرجت، وكما يبدو حتى الآن تحاول المصارف زيادة رأس المال عبر أموال بعض المودعين الذين يوافقون على الدخول كمساهمين في المصارف، والمبالغ التي عادت حتى اليوم هي بحدود 60 مليون دولار وليس بالمليارات كما يعتقد البعض، وعلى صعيد الهيكلة هناك مصارف أقدمت على إقفال فروع لها، وهناك معلومات بأن المصارف ستقدم على صرف ما بين 20 و30 في المائة من الموظفين، طبعاً بالاتفاق معهم، وهناك إعلان من بنك عودة بأنه سيدمج مصرف عودة للاستثمار ومصرف عودة سرادار للصيرفة كما أن هناك مصارف أنجزت كل الخطوات المطلوبة منها بموجب تعميم مصرف لبنان؛ إن على صعيد زيادة رأس المال أو تكوين الـ3 في المائة لمصارف المراسلة التي هي أصعب من زيادة رأس المال، لأن المصرف ملزم بتأمين سيولة نقدية، ومنها بنك بلوم الذي باع فرعه في مصر إلى المؤسسة المصرفية العربية البحرينية، وهناك معلومات بأن بعض المصارف تواجه صعوبة لتأمين هذه المتطلبات ونتيجة هذه الأعمال ستظهر خلال شهري مارس (آذار)، وأبريل (نيسان) المقبلين.

لكن السؤال: هل هذه الأمور كافية؟ باعتقادي لا، إذ إن زيادة رأس المال بالطريقة التي تحصل لن تؤمن السيولة من أجل إعادة الهيكلة وإعطاء المودعين جزءا من أموالهم .

فالخدمات التي كانت تؤمنها المصارف للزبائن انتهت، والعمل المصرفي الموجود حالياً هو في أدنى مستواه حتى هناك مصارف ترفض فتح حسابات جديدة إن بالعملة اللبنانية أو الدولار والشيكات المتداولة قلت وبطاقات الصيرفة الإلكترونية معدومة أو محصورة جداً، بمعنى أن العمل المصرفي الحالي هو بدائي .

المطلوب اليوم إعادة هيكلة الإدارات والموارد البشرية وأن تكون هذه العملية معقولة وذات معنى.

مروان بركات
كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك عودة الدكتور مروان بركات

ماذا يعني معقولة وذات معنى؟

يعني أن يكون السقف هو تقليص عدد المصارف إلى حد معين، وأن تكون هناك رؤية لعملها لناحية السيولة وودائع الناس وما هو مصيرها ومتى سيحصلون على أموالهم، وما هو الدور الذي ستلعبه المصارف في عملية تعافي البلد وتحفيز عملية النمو على أسس آنية وعلى المدى المتوسط والطويل وهذه الأمور لن تظهر قبل عودة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وهناك موضوع أساسي وركيزة للعمل المصرفي وهو توحيد سعر صرف العملات الاجنبية، لاسيما أن سعرالدولار اليوم له أكثر من سعر وهذا الموضوع يطالب به صندوق النقد، ولكن هل سيتم توحيد سعر الصرف من خلال تعويم الليرة حتى تصل إلى حدود معينة وحين تستقر يبدأ العمل لخفضها الأمر الذي يمثل بعداً مفصلياً ومصيرياً لكل عملية إنقاذ مرتقبة للبلد. ما سبق ذكره هو ضروري ومن المطالب المسبقة لتمكين المصارف من العودة التدريجية للعمل المصرفي واسترداد دورها في الاقتصاد، لكن عودة الثقة بالمصارف ليس قصراً عليها، لأن عودة الثقة بالمصارف يجب أن تأتي بعد عودة الثقة بالدولة وهذه الثقة ترتكز على إصلاحات وخطة مستقبلية للإنقاذ وحكم جيد، وترتكز على تموضع سياسي غير مستفز لأصدقاء لبنان وحلفائه، لأن جميع المساعدات للبنان مشروطة، ومنها خطة اقتصادية تقول كيف سينقذ لبنان؟ وكيف سيتعافى؟ وهذا الأمر معروف لكل الأطراف منذ سنوات ومعروف للدول المانحة وصندوق النقد بات يعرف كل شيء عن لبنان، لذلك وكما قلت إن العامل الأساسي ليستعيد القطاع المصرفي الثقة هو أن تستعيد الدولة الثقة بنفسها وأن تستعيد هيبتها .

وحتى يحصل ذلك، المطلوب إعادة هيكلة المالية العامة ومكافحة الفساد ووقف الهدر وإقفال صناديق الهدر قبل أن تمد الدولة يدها على جيوب الناس التي هي في الوقت الحالي غير ممكنة، لذلك الدخل الذي يجب أن تأتي به الدولة هو إصلاح الموجود والمصالحة مع جميع المانحين وإعادة الإنتاجية إلى الدولة وتخفيز ودعم القطاعات المنتجة، والدولة مطالبة بأن تبدأ بالمحادثات مع الدائنين وحاملي اليوروبوندز، والطبقة السياسية يجب أن تتخلى عن دورها غير المنطقي باتهام البنك المركزي والمصارف في الأزمة الحالية .

إنّ مسيرة إنقاذ البلد لن تستقيم من دون مصارف فاعلة، والمصارف يلزمها ودائع، وليس مجدياً الاعتقاد بأنّ أي عملية إعادة هيكلة أو تأهيل أو إعادة تشكيل فوقية للمصارف، تحقّق أهدافها العملية بالسرعة اللازمة لنمو الاقتصاد. وفي المقابل يحتاج القطاع المصرفي إلى عملية ولادة داخلية، لقطاع يَعي تماماً كيف يبني على خبراته التي اكتسبها قبل وبعد مرحلة انعدام الوزن الذي يعانيه حالياً، ومراجعة أسس تنظيمه من قبل السلطات النقدية والقانونية المعنية. ويهدف ما سبق في المحصّلة إلى فك التشابك المتمثّل بالدولة والمصرف المركزي والمصارف، والذي أنشأ وفاقَم المأزق المالي والنقدي الحالي والمصرفي، واستبداله بمثلث المصرف المركزي والمصارف والاقتصاد. وهذا أمر يلزمه الوقت والموارد البشرية المختصة.

لويس حبيقة
الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة

إعادة هيكلة القطاع المصرفي

من ناحيته، أكد كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك عودة الدكتور مروان بركات، أكد لـ«المجلة» أن «اهمية إصلاح القطاع المصرفي تبرز بجهود إعادة الهيكلة لتعزيز وضعيته المالية وحوكمته وقدرته على مواجهة الضغوط. المطلوب أولاً وقبل كل شيء توحيد إجراءات ضبط حركة الأموال بموجب مشروع قانونCapital Control  ويعتمده مجلس النواب، من أجل ضمان معاملة عادلة ومنصفة لجميع الزبائن وخفض الاستنسابية بين المصارف والحدّ من المخاطر القانونية إزاء القطاع المصرفي. ولكن إعادة الهيكلة مطلوبة أيضاً، ففي ظلّ وجود قطاع مصرفي يتجاوز 3 مرات الناتج المحلي الإجمالي، من الطبيعي القول إن بُعد القطاع المصرفي اللبناني ضخم مقارنةً ببُعد الاقتصاد الوطني. في الواقع، يعتبر القطاع المصرفي اللبناني أحد أكبر القطاعات في العالم من حيث نسبة الأصول المصرفية إلى الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي فإن حجم هذه الأصول المصرفية أكبر مما هو مطلوب لتحقيق تمويل الاقتصاد المنتج.

من هنا، فإن إجمالي أصول القطاع المصرفي في لبنان يجب أن يتقلّص إلى حوالي 150 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بُعيد إعادة الهيكلة تماشياً مع البلاد ذات البنى الاقتصادية المشابهة للبنان.

كما تبرز أهمية التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان والتي تتطلب تعزيز الرساميل بنسبة عشرين في المائة وتكوين سيولة بالخارج تصل إلى ثلاثة في المائة من الودائع بالعملات مع نهاية شهر فبراير (شباط). إننا نعتقد أن المصارف التي لها تواجد في الخارج هي من لها القدرة الأكبر على ملاقاة هذه المتطلبات من خلال بيع المؤسسات التابعة لها في الخارج.

يجدر الذكر أن 18 مصرفًا لبنانيًا لها تواجد في الخارج في 32 بلدا مع موجودات إجمالية تناهز 37 مليار دولار.

إننا نعتقد أن إعادة تكوين السيولة والرسملة شرطان أساسيان لاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي.

 

دمج المصارف

من جهته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة لـ«المجلة» أن التعاميم التي تصدر مهمة جداً، لأن زيادة رأسمال المصارف نقطة أساسية اليوم بعدما أصبحت معظم المصارف ضعيفة نسبة لحجم المشكلة في البلد والمنطقة، لذلك فالمطلوب ليس زيادة رأسمال المصارف فقط بل العمل على إنجاز عمليات الدمج بين المصارف، إذ إن لبنان، هذا البلد الصغير والذي يصغر أكثر، للأسف الناتج المحلي بات يوازي 20 مليار دولار، مع أنه قبل عامين كان 50 ملياراً ولم نكن راضين. لذا لا يجوز أن يوجد في هذا البلد الصغير هذا الكم من المصارف.

وأضاف: «فالمطلوب دمج المصارف، بحيث يصبح عندنا 20 مصرفاً، وهذا يكفي لبلد مثل لبنان، لكن عمليات الدمج يجب أن تكون مدروسة، بحيث لا يتم دمج مصرف كبير مع مصرف آخر مثله كما نسمع اليوم، بل يتم دمج المصارف الصغيرة مع بعضها البعض أو مصرف كبير يستحوذ على مصرف صغير بحيث يصبح عندنا 20 مصرفاً كبيراً يعملون ويتنافسون بحرية، وباعتقادي 20 مصرفاً يضمنون إيداعات الناس ويعملون بشفافية أفضل بكثير».

وتابع حبيقة: «أما لناحية عودة الثقة بالقطاع، فالثقة تعود بالحجم أيضاً، فاليوم عندك مصارف صغيرة مهزوزة ليس مالياً فقط بل إدارياً أيضا، وحين تجمع هذه المصارف تعود الثقة... اللبناني فقد الثقة في المصارف لأن معظمها صغير وضعيف وحين يجد أن هناك مصارف كبيرة بالنسبة لحجم لبنان ستتعزز الثقة عنده ويتحسن الوضع المالي والإداري، اليوم نوعية الإدارة في المصارف اللبنانية مستواها غير مقنع الكل يعلم أن المصارف تدار بالوراثة من الأب إلى الابن إلى الحفيد وهذه الطريقة غير سليمة عالمياً وبالتالي يجب أن تكون عملية الإصلاح إدارية قبل أن تكون مالية».