سياسة الشرق الأوسط في عهد بايدن

سياسة الشرق الأوسط في عهد بايدن

* شهدت مواقف الدول الأوروبية من إيران تغيرًا واضحًا، إذ يدرك القادة الأوروبيون اليوم المخاطر التي يشكلها النظام الإيراني على أوروبا والمنطقة
* آمال إيران بعودة بايدن السريعة إلى الاتفاق النووي تلاشت... وجلّ ما تتمنّاه طهران اليوم هو التفاوض وتجنّب تقديم كثير من التنازلات

 

 

بعدما أصبح جو بايدن الآن رسميًا الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، لم يعد السؤال الأساسي لدى كثير من المراقبين وصناع السياسات في الشرق الأوسط عن مدى اختلاف سياسته عن سياسة «الضغوط القصوى»التي انتهجها ترامب، بل بات يتمحور حول إمكانية تكراره لسياسة باراك أوباما تجاه الشرق الأوسط، أو تقديمه نسخته الخاصة، بناءً على تعهدات ترامب وأوباما.

وبحسب خطاب بايدن الذي ألقاه خلال حفل تنصيبه، بدا جليًا أن أولويته في الشأن المحلي هي توحيد الأمة بعد انقسامات كبيرة حصلت خلال الأعوام الأربعة الماضية، ومساعدة الولايات المتحدة للتغلب على التبعات الصحية والاقتصادية لجائحة «كوفيد-19». ولكن ذلك لا يعني أن السياسة الخارجية ليست أولوية.

وعلى الرغم من أن الصين وروسيا تبدوان أهم تحديين سيتوجب على إدارة بايدن مواجهتهما، فإن قضايا الشرق الأوسط حاضرة كذلك.

 

قضايا الشرق الأوسط الأساسية

ستظل القضية النووية الإيرانية محور النقاش في واشنطن والشرق الأوسط. وقد أعلن بايدن بالفعل عزمه العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، ولكنه أوضح أيضًا أن ما وقعه أوباما سيكون نقطة البداية، وليس الهدف. كما طمأن حلفاء أميركا في الشرق الأوسط- وتحديدًا الخليج وإسرائيل- بأنهم سيكونون جزءًا من العملية.

يدرك بايدن وفريقه المختص بالسياسة الخارجية أن الشرق الأوسط تغير كثيًرا منذ توقيع الاتفاق النووي السابق، وأن إدارته ستواجه تحديات وفرصًا مختلفة خلال أي مفاوضات مقبلة لتتمكن من الوصول إلى اتفاق جديد. وهو لا يرغب في إبعاد الشركاء، ولكنه سيحتاج أيضاً إلى الاستفادة من النفوذ الذي حققته العقوبات والضغط على النظام الإيراني... إنه خط دقيق للغاية سيكون عليه أن يجتازه.

وفيما يتعلق بقضايا أخرى مختلفة، ولكنها ذات صلة، فلا يزال وضع القضايا الإقليمية في سياسته تجاه إيران غير واضح؛ فكيف سيتعامل بايدن مع الأسد في سوريا وميليشيات إيران في المنطقة، تحديدًا حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن والنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني واتفاقيات السلام مع إسرائيل وقضايا حقوق الإنسان في المنطقة ككل؟

بالإضافة إلى ذلك، وبينما سعت أميركا في ظل ترامب إلى الانسحاب من المنطقة، وجدت كل من روسيا وتركيا فرصة سانحة جدًا لملء الفراغ: عسكريًا في سوريا وليبيا، واقتصاديًا في دول أخرى مثل مصر ودول عربية عديدة. سيتعين على بايدن أن يعالج ذلك أيضًا إذا كان يريد لأميركا أن تستعيد مكانتها في المنطقة والعالم. 

 

بعض الإشارات

لا يزال من المبكّر القول ما إذا كانت هذه الأمور ستتكشّف مع بدء بايدن تطبيق سياساته، ولكن توجد بعض الإشارات التي تدلّ على شكل تعامل إدارته مع التحديات الكبرى. ففي جلسة الاستماع لتثبيته في منصبه الجديد في الكونغرس، الثلاثاء الفائت، قال أنتوني بلينكن، مرشّح بايدن لتولّي منصب وزير الخارجية، إنّ تقويض النظام الإيراني سيكون على أجندة بايدن السياسية، وإنّ الولايات المتحدة لا تزال بعيدة عن الانضمام إلى اتفاق نووي مع إيران، لافتًا إلى أنّ التشاور مع إسرائيل ودول الخليج يعتبر «أمرًا مهمًا جدًا» بالنسبة للولايات المتحدة قبل العودة إلى الاتفاق مع طهران.

وصرّح  بلينكن بأن القدس عاصمة إسرائيل، وبأنّه متمسّك بإبقاء سفارة الولايات المتحدة في القدس، مشدّدًا على أنّ بايدن ملتزم بمنع حصول إيران على سلاح نووي، وأنّ الولايات المتحدة وحلفاءها سيسعون إلى توقيع اتفاق «أطول وأقوى».

وأضاف بلينكن أنّ «الرئيس جو بايدن يعتقد أنّ عودة إيران إلى التزاماتها ستشكّل منصّة نستطيع استغلالها مع حلفائنا وشركائنا الذين سيقفون إلى جانبنا مرّة أخرى للتوصل إلى هكذا اتفاق. أظنّ أننا لا نزال بعيدين عن هذا اليوم، وأنّنا يجب أن ننتظر دخول الرئيس المنتخب إلى البيت الأبيض. وتعتزم الإدارة الجديدة تقييم الخطوات التي ستقوم بها إيران لتبيان ما إذا كانت فعلًا تنوي العودة إلى الامتثال لالتزاماتها».

كما رحّب المرشّح لمنصب وزير الخارجية باتفاقات التطبيع التي توصّلت إليها بلاده بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، مشدّدًا على دعمه لحلّ الدولتين.

وفي جلسة استماع أخرى، قالت أفريل هاينز، مرشّحة بايدن لمنصب مدير الاستخبارات الوطنية، إنّ الولايات المتحدة «لا تزال بعيدة»عن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وإنّ الرئيس يعتزم «بحث موضوع الصواريخ الباليستية»ونشاطات طهران المزعزعة للاستقرار.

 

التطلّع قدمًا

تظل المخاوف من عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران حاضرة، ولكن يبدو أنّ بايدن وفريقه يدركان أنّ الأمور تغيّرت، وأنّ الاستعجال في العودة إلى الاتفاق ليس فكرة جيّدة. تغيّرت الأوضاع في المنطقة منذ عام 2015 وتبدّلت أحوال الدول، ولا سيّما إيران التي ضعُفت وتراجع تأثيرها في المنطقة، وهي اليوم جاهزة لتقديم تنازلات إضافية عمّا قدّمته في 2015 بسبب وضعها المالي السيئ وأزمتها الاقتصادية. إنّ الاستعجال في الانضمام إلى اتفاق مع طهران اليوم، سيؤدّي إلى تقوية نظامها، ولكنّ إدارة بايدن قادرة وبقوّة على إجبار إيران على تقديم تنازلات قبل توقيع أيّ اتفاق.

بدورها، شهدت مواقف الدول الأوروبية من إيران تغيرًا واضحًا، إذ يدرك القادة الأوروبيون اليوم المخاطر التي يشكلها النظام الإيراني على أوروبا والمنطقة، ولا سيّما بعد الاعتداءات والعمليات الأمنية التي قادتها إيران في بلادهم خلال السنوات القليلة الماضية، ولذلك يجب على سياسة بايدن في الشرق الأوسط أن تأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار.

أمّا بالنسبة لروسيا، فستظل منافستُها مع الولايات المتحدة على النفوذ في الشرق الأوسط هي التحدّي الرئيسي، ولا سيّما أنّها دعمت خصوم الولايات المتحدة الأبرز في المنطقة. سيتعرّض دور موسكو في الشرق الأوسط للصدّ وستهتزّ اتفاقاتها الاقتصادية مع الدول الأوروبية والعربية، مما سيدفعها إلى مواجهة هذه التحديات عبر حلفائها في المنطقة، وستحاول حماية مصالحها، ولكن يبدو أنّ إدارة بايدن عازمة على مواجهتها.

وتعتبر سوريا ملعب روسيا الأساسي في تحدّيها، أو على الأقلّ اختبارها للخطوط الحمراء التي سترسمها الإدارة الأميركية الجديدة. ولهذا السبب، من الضروري جدًا أن تبقي الولايات المتحدة على قوّاتها في سوريا خلال هذه المرحلة، أو ربّما أن تعمد إلى تعزيز وجودها ونفوذها في المنطقة. لن تفهم موسكو الحقيقة الجديدة إلّا من خلال بعض استعراضات القوّة والتي لن تكون بالضرورة مواجهات عسكرية من أيّ نوع.

في جميع الأحوال، يبدو أنّ توقّعات إيران المرتبطة بالإدارة الأميركية الجديدة قد تغيّرت في ظلّ تعزيز الولايات المتحدة لعلاقاتها مع الأوروبيين والتقارب العربي الإسرائيلي ورغبتها في تقوية روابطها مع جميع حلفائها التقليديين في المنطقة. ويمكن القول إنّ آمال إيران بعودة بايدن السريعة إلى الاتفاق النووي تلاشت وإنّ جلّ ما تتمنّاه طهران اليوم هو التفاوض وتجنّب تقديم كثير من التنازلات.

* حنين غدار: باحثة في زمالة «فريدمان»ببرنامج غيدولد للسياسة العربية بمعهد واشنطن

 

 

font change