مواجهات طرابلس: احتجاجات لبنانية ضدّ الجوع أم رسائل سياسية؟!

اقتحام مبنى بلدية طرابلس واحراقه
* خلدون الشريف: ما يحدث في طرابلس الآن هو نتيجة الإغلاق العام، فأغلب أهالي طرابلس عمال مياومة، يعيشون ضيقاً اقتصادياً وعوزاً وفقراً، والدولة لا تلتفت إليهم
* غالبية القوى السياسية الموجودة في المدينة، تؤكد أنّ الأمور لا تزال غامضة، والأهداف من إشعال الشارع الطرابلسي غير مفهومة حتى الآن

 

 

بيروت: تشهد مدينة طرابلس شمال لبنان جولات من العنف الليلي، بدأت قبل أيام، احتجاجا على استمرار الإغلاق العام الذي بدأ قبل أسبوعين، بسبب تفشي فيروس كورونا في لبنان.

انهيار الوضع الاقتصادي والمعيشي والارتفاع الجنوني للعملة الوطنية مقابل الدولار، الذي أنتج ارتفاعا جنونيا في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، والفقر المتفشي، كلها أسباب دفعت عددا من المواطنين إلى النزول للشارع ورفع شعارات منددة بالسلطة السياسية.

وبالتزامن مع التحركات التي شهدتها عاصمة الشمال، شهدت مدن لبنانية أخرى تحركات احتجاجية، ولكن هذه التحركات بقيت محدودة. وحدها احتجاجات طرابلس تحولت إلى جولات عنف ليلية وكرّ وفر بين القوى الأمنية ومحتجين، مما أدّى إلى سقوط قتيل في صفوف المحتجين وعشرات الجرحى من الطرفين.

ولليلة الرابعة على التوالي تستمر الاشتباكات، التي تحولت من احتجاجات مطلبية من قبل المتضررين من الإغلاق العاموالذين خرجوا للاحتجاج على القيود الصحيّة والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، إلى مواجهات عنف مع القوى الأمنية، فالمواجهات اندلعت عندما رمى عشرات الشبّان الحجارة وقنابل المولوتوف والمفرقعات باتجاه عناصر القوى الأمنية التي استخدمت الغاز المسيل للدموع بكثافة وخراطيم المياه لتفريقهم، في مشهد يتكرر كلّ ليلة.

وهذا ما أكّدته بيانات قوى الأمن الداخلي، التي قالت أنّ عناصرها تعرّضوا لهجوم «بقنابل يدوية حربية وليست صوتية أو مولوتوف، مما أدّى إلى إصابة عدد من العناصر، أحدهم إصابته حرجة».

 

احراق مبنى المحكمة الشرعية في طرابلس

فطرابلس التي لقّبت بـ «عروس الثورة» هي أفقر مدينة على شاطئ المتوسط، قبل أن يتفشّى وباء كورونا وتضطر السلطات لفرض تدابير إغلاق عام، الأمر الذي جعل معظم سكان هذه المدينة خصوصا عمال اليومية، دون دخل، في مقابل عدم اكتراث من السلطة السياسية التي لم تؤمن أي بديل لهؤلاء المواطنين وتركتهم لمصيرهم يصارعون العوز والفقر والجوع. فمع دخول لبنان أزمته الاقتصادية بات نصف سكانه الآن يعيشون تحت خط الفقر، والإغلاق العام الذي أقرّ لوضع حدٍ لتفشي الوباء، بات عبئاً على مواطنين مهددين إما بالموت من الجوع وإما بالموت من كورونا.

ولكن في مقابل الأزمة المعيشية الخانقة التي يعيشها اللبنانيون، ما تشهده مدينة طرابلس من تخريب واعتداء على الأملاك العامة، ورمي القنابل اليدوية الحربية والمولوتوف على القوى الأمنية، خصوصا يوم أمس، قام المحتجون بإحراق المباني التابعة للدولة، كمبنى المحكمة الشرعية، ومبنى بلدية المدينة التراثي، والسرايا الحكومي الذين أصروا على اقتحامه، مقرّ محافظ المدينة، دفع العديد من المراقبين إلى طرح أسئلة حول أهداف هذه الاحتجاجات في توقيتها، وما هي الرسائل التي يريد محرضو هؤلاء المحتجين إيصالها؟ ومن هم المعنيون الذين توجّه إليهم الرسائل؟ ومن هم محركو هذا الشارع أصلا؟

 

استدراج طرابلس إلى ساحات الفوضى

تحوّل الاحتجاجات إلى أعمال عنف ليلي واعتداءات على الأملاك العامة، دفع «تيار المستقبل» الذي يتزعمه رئيس حكومة لبنان المكلف سعد الحريري إلى التأكيد أنّ «هناك معلومات تؤكد وجود أمر مريب يعود بالذاكرة إلى مراحل الفلتان الأمني والاشتباكات المسلحة التي كانت تحصل عند الطلب في طرابلس».

الرئيس سعد الحريري

وفي وقت متأخر من ليل أمس، عندما قام المحتجون بجولة على المقار الرسمية في المدينة، وأحرقوها دون تدخل من الجيش اللبناني أكّد الحريري في بيان أنّه «من غير المقبول تحت اي شعار معيشي او سياسي طعن طرابلس من اي جهة او مجموعة مهما كان لونها وانتماؤها».

وتسآل الحريري «لماذا وقف الجيش اللبناني متفرجاً على احراق السرايا والبلدية والمنشآت، ومن سيحمي طرابلس اذا تخلف الجيش عن حمايتها؟ ... اذا كان هناك من مخطط لتسلل التطرف الى المدينة، فمن يفتح له الابواب؟».

 

وختم الحريري «ما حصل في مدينة طرابلس هذه الليلة جريمة موصوفة ومنظمة يتحمل مسؤوليتها كل من تواطأ على ضرب استقرار المدينة واحراق مؤسساتها وبلديتها واحتلال شوارعها بالفوضى.

الذين اقدموا على احراق طرابلس مجرمون لا ينتمون للمدينة واهلها، وقد طعنوها في امنها وكرامتها باسم لقمة العيش».

 

وفي السياق نفسه، أكّد نائب رئيس تيار المستقبل الدكتور مصطفى علوش لـ«المجلة» أنّه «قد تكون هناك قوى تحرك الشارع من أجل مكاسب سياسية، ولكن الأمور ليست واضحة حتى الآن، وعلى القوى الأمنية والمخابرات أن تكشف عن القوى التي تحرك الشارع وتعتدي عليها، فليسموا المعتدين بأسمائهم ويتم القبض عليهم... ويبدو أنّ الاشتباكات التي تحصل في طرابلس جدية، وكل يوم نشهد على جولة جديدة، فهناك قتلى وجرحى».

وختم: «ولكن نظريا الوضع في طرابلس يختلف عن باقي المناطق اللبنانية، فالوضع الاقتصادي والسكاني أكثر هشاشة في المدينة، لذلك لا يمكن أن ننكر أن تحرك الطرابلسيين هو نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية، أما ما يحدث من تعدٍ على القوى الأمنية، فليس مبرراً وعلى القوى نفسها أن تسمي المعتدين أمام الرأي العام».

نجيب ميقاتي

من جهة أخرى وبعد قيام المجموعة نفسها التي أحرقت المقرات الرسمية في المدينة، على إحراق إحدى مؤسسات العزم التابعة لرئيس حكومة لبنان السابق نجيب ميقاتي وهو ابن مدينة طرابلس أحد زعمائها، أكد في تصريح إعلامي «إذا لم يتمكن الجيش من ضبط الوضع في طرابلس خلال الساعات المقبلة فنحن ذاهبون إلى الأسوأ وقد أحمل السلاح لحماية نفسي ومؤسساتي».

وفي هذا السياق، أكّد مستشاره الدكتور خلدون الشريف لـ«المجلة» أنّ ما يحدث في طرابلس الآن هو نتيجة الإغلاق العام، فأغلب أهالي طرابلس هم عمال مياومة، وأغلب من هم في الشارع اليوم يعيشون ضيقا اقتصاديا وعوزا وفقرا، والدولة لا تلتفت إليهم، ولا تعوضهم، في ظل الإغلاق وتوقف أعمالهم.

وتابع: «ولكن الأكيد أن هناك من يستغل هذا التحرك، ولكن من المستفيد ومن يوظف هذه التحركات ولصالح من؟ كل هذه الأسئلة ليس لها جواب واضح حتى الآن، مثلا لو تشكلت الحكومة لكانت الصورة أوضح. ولكن الأكيد أنّ هناك توظيفا أمنيا لهذه التحركات، ولكن تبدو الأمور ضبابية حتى الساعة».

ورأى الشريف أنّ «هناك ترتيبا جديدا يحضّر للبنان، ويبدو أنّ هذا الترتيب سيبدأ من طرابلس، ولا أحد يظن أنّ طرابلس جزيرة منفصلة عن لبنان، فما يحدث في عاصمة الشمال اليوم سيتوسع ليشمل باقي المناطق اللبنانية ولا أحد يعلم إلى أين سيصل وكيف سينتهي».

إذن، مع التحركات التي شهدتها عاصمة الشمال، كثرت التحليلات، والاتهامات حول المسؤولين عن تحرك الشارع، إلاّ أن غالبية القوى السياسية الموجودة في المدينة، تؤكد أنّ الأمور لا تزال غامضة، والأهداف من إشعال الشارع الطرابلسي غير مفهومة حتى الآن، ولكن في ظل هذا الوضع الضبابي فإن الثابت الوحيد أن ما يعانيه أبناء هذه المدينة منذ عقود هو التهميش والفقر والحرمان... والأسوأ من ذلك أن أمن طرابلس وأمن أبنائها اتخذ تاريخيا رهينة الاستقرار السياسي في البلاد، فهذه المدينة شهدت العديد من جولات العنف والمعارك، فكانت صندوق البريد لتوجيه رسائل سياسية لمن يعنيهم الأمر، ويبدو اليوم أن المدينة ستدفع ثمنا جديدا من عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه البلاد.