القضية الفلسطينية: أهمية خطوات السلام العربية

* كانت ثمار المفاوضات السلمية على محدوديتها أكثر جدية من أي مغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب

 

نزوع العالم العربي إلى البحث عن حلول سلمية للصراع مع إسرائيل ليس وليد اليوم، وإنما يعود إلى اللحظات التي أدركت فيها الدول ذات الحدود المشتركة مع الدولة العبرية استحالة حسم الصراع عسكرياً. كان الأردن أول بلد يدرك هذا المعطى، ولذلك سعى بعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967 التي فقد فيها السيادة على الضفة الغربية، وبعد بروز دور منظمة التحرير الفلسطينية، إلى البحث عن تأمين إشرافه على المقدسات الإسلامية في القدس الشرقية، وهي السلطة الدينية التي ما زال يمارسها ويحارب لبقائها. وقد تجلى هذا الإدراك في امتناع عمّان عن دخول حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 مثلما فعلت سوريا ومصر.

بعد حرب 1973، أدركت دمشق والقاهرة أن إسرائيل أقوى من أن تهزم في حرب تقليدية، ليس فقط لإمكانياتها الذاتية، ولكن أيضا بالحماية التي توفرها لها القوى العالمية الكبرى، وفي مقدمتها أميركا. وقد كان إعلان قيادتي البلدين بأن حرب 1973 هي آخر حروبهما خير تجسيد لذلك الإدراك.

وإذا كان النظام السوري قد توقف في مسار البحث عن السلام عند فض الاشتباك، وامتنع عن دخول مفاوضات مع إسرائيل لاعتبارات تهم الوضع الداخلي، الذي وظف فيه القضية الفلسطينية لتشديد قبضته الأمنية على قاعدة ما نسب للسيد رفعت الأسد (برر بالقضية الفلسطينية تعليق المشانق)؛ فإن الرئيس المصري أنور السادات واصل السعي، وتمكن بمساعدة أميركية وعربية من فتح قنوات اتصال مع تل أبيب أسفرت عن قيامه بزيارة تاريخية لإسرائيل، وتوجت بتوقيع معاهدة كامب ديفيد للسلام سنة 1979.

لم ينحصر هذا الإدراك عند دول المواجهة المباشرة، وإنما استوعبته دول عربية أخرى وتحركت على هديه، سعياً للسلام، غير آبهة بالمواقف الكلامية الفارغة التي أعلنتها دول ما سمي آنذاك بجبهة الصمود والتصدي، منطلقة من أن أي مبادرة لحل الصراع العربي الإسرائيلي ينبغي أن ترتكز على رؤية الحقائق، وليس على الأساطير التي ترسخت لدى كثيرين، ولم تؤد سوى لتوسيع فجوة عدم الثقة بين الأطراف.

ورغم ممانعة أطراف جبهة الصمود والتصدي؛ فإن دول الاعتدال العربي ممثلة في ثالوث الحكمة آنذاك (الملك الحسن الثاني، والملك فهد بن عبد العزيز، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان) استطاعت بلورة مشروع عربي للسلام، وتمكنت بعد قمتين في فاس سنة 1982 من تبنيه ليصبح مشروعاً عربياً عاماً. لقد كان ذلك المشروع هو بداية تبني الجامعة العربية لنهج السلام كخيار استراتيجي، وهو خيار سيتجلى بوضوح في:

- القبول في مؤتمر القمة العربية بالدار البيضاء 1989 بعودة مصر إلى الجامعة العربية واستعادة مقرها دون التخلي عن علاقاتها مع إسرائيل كما طالبها مؤتمر بغداد 1978.

- مشاركة كافة الدول العربية (باستثناء العراق الذي قوطع بعد غزوه للكويت) في مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر 1991 برعاية أميركية روسية، رغم امتناع سوريا ولبنان عن المشاركة في المسارات المتعددة الأطراف للمؤتمر المذكور والاكتفاء بالمسار الثنائي مع تل أبيب.

ورغم أن مؤتمر مدريد فشل في إرساء السلام الشامل والعادل، فإنه مهد لاتفاقية وادي عربة للسلام المبرمة سنة 1994 بين الأردن وإسرائيل، كما لعب دورا محفزا لإقامة قناة سرية إسرائيلية فلسطينية انتهت باتفاق أوسلو، الذي انتزع من حكومة إسحاق رابين اعترافها بمنظمة التحرير التي كان الإسرائيليون ينعتونها بالإرهاب، فإذا بهم يجالسونها على طاولة مفاوضات واحدة.

لقد كانت ثمار المفاوضات السلمية على محدوديتها أكثر جدية من أي مغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب. ورغم العثرات التي عرفها المسار الفلسطيني، فقد لعبت دورا في أن يخطو العرب خطوة جديدة نحو السلام بطرحهم مبادرة متكاملة في قمة بيروت 2002، وهي مبادرة ما تزال قائمة، والتي جاءت خطوات السلام العربية الأخيرة متناغمة معها إلى حد كبير.

ومع ذلك سارع الممانعون إلى مهاجمة الاتفاق الإبراهيمي، الذي وقعته مع إسرائيل كل من الإمارات والبحرين، متجاهلين أن أهم بنوده هو توقف إسرائيل عن ضم الأراضي الفلسطينية، وأن أبوظبي والمنامة أكدتا على أعلى مستوى تشبثهما بأن السلام الشامل والعادل والدائم يتطلب تحقيق حل الدولتين وتمكين الشعب الفلسطيني من حق تقرير مصيره وفقا لقرارات الشرعية الدولية.

وبدوره لم يسلم اتفاق استئناف التواصل المغربي الإسرائيلي من الهجوم دون أن يكلف المهاجمون أنفسهم قراءة البيان المشترك، غاضين الطرف عن قيام العاهل المغربي بالتأكيد للرئيس الفلسطيني بأن ما يجري لن يكون على حساب القضية الفلسطينية ومكانتها لدى المغاربة والتي تساوي مكانة الصحراء المغربية.

إن مأزق الممانعين يتمثل في عدم القدرة على الإتيان بالبديل العملي لخطوات السلام سوى الإدانة، غير مدركين أن حالة الجمود في الوضع لن تخدم القضية بتاتا، وتعطي للمتطرفين في إسرائيل الحجج لمواصلة الاستيطان والضم كما حصل في الجولان المحتل، وفي ضواحي القدس الشرقية.

لقد أشار السياسي الإسرائيلي المعروف آرييه ألياف في مقدمة كتاب «إسرائيل الثانية.. المشكلة السفاردية»إلى أن «حالة الحرب أو حالة الحصار أو التوتر التي تسود بين حربين أو مواجهتين تجعل منا (أي الإسرائيليين) شعبا واحداً.. إنه الإسمنت الوحيد في مجتمعنا (المجتمع الإسرائيلي) ولولا هذه الظروف الخاصة لتفككنا منذ زمن طويل وفق توزع الطوائف والطبقات الاجتماعية.. فطالما أننا لم نندمج لنكون شعبا واحدا، فمن الأفضل أن تستمر حالة الحصار والتوتر الحربي، وإلا سيتفتت الإسمنت».

من هذا المنظار يفترض أن تنظر القوى الفلسطينية الحية لخطوات السلام العربية الأخيرة، والعمل على توظيفها بغية طمأنة المواطن الإسرائيلي العادي، ودعم قوى السلام والتعايش المؤمنة هناك بحل الدولتين، من قبيل الأحزاب والحركات العربية التي ينبغي مساعدتها لرفع تمثيلها في الكنيست بما يوازي نسبتها في ساكنة إسرائيل، وحركة ميريتس التي تراجعت كثيرا وكاد النسيان يطال قادتها.

هل نساعد المجتمع الإسرائيلي في التعبير عما يخالجه من رغبة في العيش بسلام عادل وأمان دائم مع جيرانه الفلسطينيين والعرب، أم نتركه بعنترياتنا اللفظية فريسة للمزايدة بين المتطرفين الدينيين وغلاة اليمين المتطرف؟ الكرة في ملعبنا.

* عبد القادر الزاوي: سفير المملكة المغربية السابق لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، وباحث في العلاقات الدولية