اللجنة الدستورية: المضحك المبكي

* كيف لشعب قدم، ولا زال يقدم، على مدى عشر سنوات، كل هذه التضحيات أن تمثله مجموعة باتت لا تعرف من- وعن- سوريا ومصالح شعبها إلا ما تمليه عليهم «الدول الراعية»

 

منذ أن حل مسارا «سوتشي» و«آستانه» برضا وقبول من المعارضة السورية وفي مقدمتهم «الائتلاف»، مكان مسار «جنيف»، وانسحاب الكثير من الشخصيات منه، لم تعد أخبار هذه الأجسام سوى انعكاس للدول التي تهيمن على قرارهم برضاهم، ومع ذلك لا يملك المرء إلا أن يُفاجأ في بعض الأحيان من حالة «الإنكار»التي يعيشونها والتصريحات التي يطلقونها.

لقد وصل الأمر في هيئة التفاوض إلى أن اشتكى بعضهم الآخر للمبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، يطالبونه بالتصرف سريعاً، والدفع نحو التوافق ضمن الهيئة، طبعا الخلاف هو على استبدال شخص بآخر، وهذا بمفهوم أجسام المعارضة هو خسارة صوت «انتخابي»من كتلة لصالح كتلة أخرى. لقد استطاعوا تحويل مهمة بيدرسون من وسيط بين النظام والمعارضة إلى وسيط بين المعارضين أنفسهم، حقيقة إبداع لا أظن أن له سابقة بتاريخ الصراعات في العالم.

ولتظهر الهيئة «ديمقراطيتها»، تفاجئ الجمهور بطرح«أفكارها»الدستورية للتصويت على صفحات التواصل الاجتماعي، وهذا إبداع آخر يظهر مدى استهتار هذه اللجنة بمفهوم الدستور.

ومن إبداعات هذه المعارضات، أو لنقل المنصات الملحقة كل منها بدولة، أن تتعامل مع الشعب السوري وكأنه أميا لا يقرأ ولا يفهم سوى ما يقولونه هم وما يصرحون به هم، فالمهندس هادي البحرة رئيس وفد المعارضة في اللجنة الدستورية في مقابلة له قال: «لا انتخابات شرعية في سوريا إلا ضمن إطار التنفيذ الكامل والصارم لقرار مجلس الأمن 2254، وفق التراتبية التي ذُكرت فيه»، وتناسى البحرة أن كلامه يتعارض بالكامل مع وجود لجنة دستورية، فالقرار 2254، وهو بالمناسبة ليس قراراً  سريا ولا هو مكتوب بالحبر السري، ينص على تحقيق انتقال سياسي وقيام «عملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة وتقيم، في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، حكما ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولا زمنيا وعملية لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه لانتخابات حرة ونزيهة تجري، عملا بالدستور الجديد، في غضون 18 شهرا تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر»،  إذن الدستور له شروط وفق القرار الذي تعلن المعارضة تمسكها به وتخالفه يوميا، انتقال سياسي، حكم ذو مصداقية يشمل الجميع، غير طائفي، جدول زمني، ومن ثم صياغة دستور، فعن أي تراتبية إذن يتحدث البحرة؟

البحرة كان سبق وصرح قبيل انعقاد الدورة الخامسة للجنة الدستورية، بأن «الدورة الخامسة ستظهر للمجتمع الدولي نوايا الأطراف كافة بخصوص عمل اللجنة الدستورية والعملية السياسية وتنفيذ القرار 2254، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته تجاه الطرف المعيق». إذن بعد عشر سنوات على حمام الدم الذي بدأ به بشار الأسد، وبعد 8 أعوام على بداية المفاوضات برعاية اممية بين المعارضة والنظام، ما زلنا بمرحلة «إظهار النوايا».

الفريق الآخر من المعارضة يذهب إلى موسكو، يلتقط الصور باسما شاغرا مع وزير الخارجية الروسي، ولشدة«سعادتهم»بلقائه تناسوا ونسوا كل إجراءات السلامة في زمن كورونا، لا تباعد ولا كمامة تخفي ابتسامتهم أو تحميهم من الفيروس اللعين.

لقد تحول كل مسار اللجنة الدستورية إلى ما يشبه المأساة، فقد بات مجرد حوار بين مجموعة من الفاشلين العاجزين عن الالتزام بنظامهم الداخلي، والعاجزين عن بناء مؤسسة بسيطة لها قواعد وأسس تسير عليها وتلتزم بها، وأقصد هيئة التفاوض ولجنتها الدستورية، وبين مجموعة يمثلون مجرمي الحرب في سوريا، يأتون للدفاع عن جرائم الأسد، ولشتم كل الضحايا والشهداء والثوار ووصفهم بصفات العمالة والارتزاق والخيانة.

في الواقع، مشهد أو مشاهد هذه المعارضة ينطبق عليه شعار المضحك المبكي، فكيف لشعب قدم ولا زال يقدم على مدى عشر سنوات كل هذه التضحيات أن تمثله مجموعة باتت لا تعرف من- وعن- سوريا ومصالح شعبها إلا ما تمليه عليهم «الدول الراعية»، فمصالح هذه الدول أرغمتهم على التنازل عن مسار «جنيف»، ولكنها لم ترغمهم على اتباع سياسة العصا والجزرة، هم فقط استساغوا الجزرة ورفضوا التخلي عنها، وليتهم علموا أن الجزرة مسمومة.