مستقبل أميركا

*واجب افشال ترامب في تنظيم حزب لا يجتمع فيه الناس إلا على الانقسام والكراهية، كما واجب طي صفحة أوباما الذي يجنح إلى اشتراكية أوروبية لا تتناسب مع بلاده

 

قد تكون جانحة كورونا وتفرعاتها وضعت على أجندة قادة العالم- لا سيما في الاقتصادات الليبرالية- أولوية البحث عن معالجة تأثيرات تغيير النموذج الاقتصادي على ضوء الثورة الرقمية التي يعيش العالم أجمع على وقعها. فهناك صناعات سيطرأ عليها تغيير كبير، وقد تختفي، كالمطبوعات مثلا، أو محال البيع بالتجزئة، وغيرها من المهن، كمكاتب المحاماة، التي سيطرأ عليها تغيير كبير، وطريقة عمل الشركات الكبرى ودوام موظفيها إلخ. هذا التغيير الأساسي والكبير يترافق دائماً مع اضطرابات من قبل الفئة التي تعتبر نفسها مهمشة من جراء التغيير.

وفي الولايات المتحدة اليوم هناك فئة وازنة تأثرت بهذه المتغيرات التي طرأت على المجتمعات واقتصاداتها؛ مثل هجرة المعامل إلى الصين، وسيطرة كبريات الشركات على سوق التجزئة، مثل أمازون، مما خلف بطالة ملحوظة في الولايات المتحدة الأميركية. هذه الفئة بأغلبيتها صوتت لترامب. فئة أصحاب المهن الصغيرة والفئة التي لم تنه دراساتها الجامعية، وفئة العمال، بحيث إن النقابات عام 2016 والتي تصوّت عادة للديمقراطيين اختارت الرئيس ترامب. وكان تصويتهم تعبيرا عن سخطهم للحزبين والطبقة السياسية التي لم تحسن رعايتهم في هذه الفترة الانتقالية من الاقتصاد التقليدي إلى الرقمي. الشيء نفسه تكرر في عام 2020 مع فارق شعور تلك الفئة المهمشة بالاستهداف، راكمتها سياسة الحزب الديمقراطي بالتهجم اليومي على ترامب في كل وسائل الإعلام وجميع المنابر التي على غالبيتها تواليهم مثل مجلسي النواب والشيوخ واتهامه على مدى أربع سنوات بالتماهي مع الديكتاتوريين والعمل ضد مصلحة البلاد وإلى ما هنالك من ادعاءات لم تثبت صحتها، ولكنها تسببت في تعميق الانقسام بين الأميركيين بين فئتين صنفهم الإعلام بالليبراليين ضد «البيض المتفوقين».

اليوم، تلك الفئة التي تعتبر نفسها مهمشة، والتي لم تنجح في إبقاء ترامب في البيت الأبيض تدعي أن لا صوت لها، وأن الانتخابات زورت وأن الحزب الديمقراطي يتماهى مع الصين ضد مصلحة البلاد. وهو ما دفع بعضه إلى الهجوم على الكابيتول رمز الديمقراطية الأميركية.

في المحصلة، الاتهامات التي وجهت لترامب من قبل الديمقراطيين لم تكن صحيحة، وسيبرهن التاريخ القريب على أن الاتهامات الموجهة لبايدن من قبل الفئة المهمشة هي الأخرى ليست صحيحة. الواقع أن الصين قوة عالمية صناعية وتكنولوجية ومالية مؤثرة في العالم أجمع. وهي لم تصبح كذلك إلا عندما قررت الولايات المتحدة الأميركية الاعتماد على الصين للإنتاج والصناعة، وذلك كي يستطيع أكبر عدد من الأميركيين الاستهلاك بشكل كبير، فالولايات المتحدة أكبر سوق استهلاكية على وجه الأرض بإجمالي ناتج محلي يبلغ 20 تريليون دولار وأكثر من 325 مليون شخص. وإنفاق الأسرة هو الأعلى في العالم، حيث يمثل أكثر من ربع الاستهلاك المنزلي العالمي. وهذا لم يكن من الممكن من دون الصين التي تصنع منتجاً بأسعار لا يمكن لأي بلد غربي أن ينافسه. وإن كان صحيحا أن الولايات المتحدة تراجعت في المجال الصناعي، ولكنها ظلت في المرتبة الثانية بعد الصين. ثم هناك مجال آخر استثمرت فيه الولايات المتحدة الأميركية وهو عالم التكنولوجيا، حيث سيطرت على العالم الرقمي والفضاء من دون منافسة. أضف إلى ذلك سيطرة الدولار على الأسواق العالمية ثم القوة العسكرية المخيفة التي تمتلكها تلك البلاد.

طبعا هناك نوع من شعور بعدم التوازن كما أشرنا في العالم الغربي إجمالا نتيجة الثورة الرقمية ودخول التكنولوجيا الحيز العملي في حياة كل الناس. وهذا ما يفرض نموذجا اقتصاديا جديدا يتأقلم مع الواقع. هذا بالتحديد التحدي الذي ينتظر الحزبين الأكثر تمثيلا في الولايات المتحدة الأميركية، وهم إن فشلوا في مواجهته فمستقبلهم سيكون كثير الاضطراب والانقسام وسيأتي من يستغل تلك الثغرات ليبني عليها ويحول هذا البلد الديمقراطي العريق إلى نوع من ديكتاتورية. من هنا واجب افشال ترامب في تنظيم حزب لا يجتمع فيه الناس إلا على الانقسام والكراهية، كما واجب طي صفحة أوباما الذي يجنح إلى اشتراكية أوروبية لا تتناسب مع بلاده.

مستقبل أميركا يعتمد على هاتين الخطوتين.