لبنان... موازنة 2021 تُنذر بأزمة سياسية جديدة

* لا يمكن لحكومة تصريف أعمال أن تُقر هذه المبادئ، لأن هذه الحكومة ينحصر عملها بإقرار الأمور العادية».

* حتى لو كنا أمام حكومة تصريف أعمال، فيجب على الحكومة أن تجتمع لأن مشروع الموازنة أمر أكثر من ملح ومهم لانتظام المالية العامة

بيروت: أحال وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال، غازي وزني، مشروع الموازنة العامة لعام 2021 إلى رئاسة مجلس الوزراء، مرفقا بتقرير مفصل عن الأسس المعتمدة في إعداد المشروع وأبرز المتغيرات بين قانون موازنة 2020 ومشروع موازنة 2021. وهذا ما فتح أبواب الخلاف الدستوري حول أحقية الحكومة المستقيلة في إقرار الموازنة العامة.

وإقرار الموازنة يعتبر جزءاً أساسياً من الإصلاحات التي يُطالب بها البنك الدولي من أجل مساعدة لبنان على الخروج من أزمته المالية والاقتصادية. إلا أن اجتماع الحكومة من أجل إقرارها وإحالتها إلى مجلس النواب أظهر خلافا دستوريا بين فريقين يعتبر الأول أن هذا العمل في صلب مهام الحكومة بصرف النظر عن استقالتها، في حين يعتبر الفريق الآخر أن الدستور قد حدد صلاحيات الحكومة المستقيلة بـ«تصريف الأعمال بالمعنى الضيق»، وبالتالي فإن إقرارها للموازنة تعتريه شوائب دستورية.

مروان قطب

ويرى الأستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور مروان القطب في حديث خاص لـ«المجلة» أن «مشروع الموازنة العامة يتضمن مواد ذات بُعد استراتيجي وفيها تعديل مبدأي وزيادة وصرف اعتمادات عامة كبيرة، وبالتالي تُعتبر من الأعمال التصرفية، ولا يمكن لحكومة تصريف أعمال أن تُقر هذه المبادئ، لأن هذه الحكومة ينحصر عملها بإقرار الأمور العادية».

والمقصود بـ«المواد ذات البُعد الاستراتيجي» هي المادّة 105 التي تنص على تخفيض التصنيف الاستشفائي لموظفي الفئة الثالثة من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثانية، والمادة 106 التي تحرم الموظف الجديد القادم للوظيفة العامّة من المعاش التقاعدي بعد إقرار الموازنة ويُعامل مُعاملة المنتسبين للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهذا ما يفتح باب التعاقد الوظيفي، وكذلك المادة 107 التي تحرم ورثة الموظف المُتوّفى من المعاش التقاعدي واحتساب نسبة 40 في المائة فقط.

وأضاف القطب أنه «لو أن مشروع الموازنة مشابه للموازنة السابقة، أي لا يوجد فيها تعديلات كبيرة وتغيير أساسي وجوهري للسياسات المعتمدة في الدولة اللبنانية، كان يمكن للحكومة إقرارها، ولكن بما أن هناك تغييرات استراتيجية على مستوى السياسات العامة للدولة فلا يمكن لحكومة تصريف الأعمال إقرارها بهذه الحالة».

 

سعيد مالك

وفي المقابل، ثمة رأي دستوري آخر يتبناه الخبير الدستوري سعيد مالك الذي أشار في حديث لـ«المجلة» إلى أنه «عملاً بأحكم الفقرة الثانية من المادة 64 من الدستور، فإن الحكومة بعد استقالتها تصبح بحكم حكومة تصريف أعمال بالمعنى الضيق، ولا يقصد بذلك تجميد الأعمال، وإنما فقط معالجة المواضيع الطارئة والعاجلة والتي لا تحتمل الانتظار لتشكيل حكومة أخرى». وأضاف: «من الثابت أن قانون الموازنة هو من أهم القوانين التي تصدر عن مجلس النواب بعد أن تُحال إليه بمشروع قانون من الحكومة». وتابع مالك: «حتى لو كنا أمام حكومة تصريف أعمال، فيجب على الحكومة أن تجتمع لأن مشروع الموازنة أمر أكثر من ملح ومهم لانتظام المالية العامة».

ويلفت مالك إلى أن «تشكيل الحكومة يبدو أنه مؤجل لأمد غير محدد، وبالتالي لا يمكن ترك الحكومة تصرف ضمن إطار الفوضى التي ستطرأ ابتداءً من شهر فبراير (شباط)، باعتبار أن القاعدة الاثنى عشرية التي يمكن الصرف على أساسها في حال عدم إقرار الموازنة لا يمكن تطبيقها سوى خلال شهر يناير». ولكن سبق أن اعتمدت الحكومات اللبنانية القاعدة الاثنى عشرية لسنوات طويلة في الإنفاق. يؤكد مالك أن «ذلك التصرف كان مخالفاً للدستور، وهناك قرار صدر عن المجلس الدستوري عام 2018 اعتبر أن تمادي الحكومة بالإنفاق على أساس القاعدة الاثنى عشرية يُعتبر مخالفة دستورية».

وثمة فريق من الدستوريين يعتبر أنه لا يمكن تحميل الحكومة المقبلة عبء موازنة لم تصغها وفق سياساتها ورؤيتها، فيرى مالك أن «هذه الموازنة ستُحال إلى مجلس النواب للدراسة، وبالتالي يمكن خلال هذه الفترة أن تقوم الحكومة الجديدة بطلب استردادها وإعادة دراستها». ويلفت إلى سوابق في هذا الخصوص، فقد «أقرت حكومة الرئيس رشيد كرامي عام 1969 الموازنة خلال فترة تصريف الأعمال. حتى إنه بعد اتفاق الطائف، قامت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2013، وكانت في فترة تصريف الأعمال، بالاجتماع وتعيين هيئة الإشراف على الانتخابات وإقرار مراسيم النفط»، وفقاً لما قاله مالك.

وعلى المستوى السياسي، من المرجح أن يتحول هذا الخلاف الدستوري إلى أزمة سياسية جديدة بين تيار المستقبل بزعامة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري والتيار الوطني الحر بزعامة الوزبر السابق جبران باسيل (المدعوم من قبل رئيس الجمهورية ميشال عون)، فقد دعا رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان (المنتمي للتيار الوطني الحر) الحكومة «للاجتماع استثنائيا لإحالة مشروع موازنة 2021 إلى مجلس النواب بعد أن أحالها وزير المالية إلى رئاسة مجلس الوزراء في ظل الشلل في مسار التأليف والوضع المالي المتدهور، وضرورة إقرار الإصلاحات المالية، وضبط الإنفاق خارج فوضى الاثنى عشرية».

وفي المقابل، أشارت مصادر نيابية في تيار المستقبل لـ«المجلة» إلى أن «الموقف النهائي حيال هذه القضية لم يُتخذ بعد بانتظار اجتماع الكتلة خلال الأسبوع القادم». ورجحت المصادر رفض الكتلة اجتماع الحكومة المستقيلة باعتباره «مخالفاً للدستور»، كما دعت رئيس الجمهورية إلى التنازل عن مواقفه السابقة والقبول بالتشكيلة الحكومية الجديدة التي قدمها الحريري من أجل السير بالإصلاحات المطلوبة، ومن ضمنها الموازنة العامة.