ما هو عنف الشريك الحميم؟

زادت الجائحة تعقيد حياة النّاس الذين يعيشون علاقة عاطفية مؤذية.. إلا أن المساعدة متوفّرة

* يترك العنف عادةً آثارًا صحيّة طويلة الأمد على النساء بالإضافة إلى اضطرابات نفسية كالقلق العصبي والاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة

* تصلك الخطوط السّاخنة المخصّصة للتبليغ عن العنف المنزلي بمصادر محليّة قريبة منك وتزوّدك بأدوات لمساعدتك في وضع خطّة للخروج من الوضع السيئ الذي تعيشينه

غالبًا ما تشعر النساء اللواتي يجربن العنف على يد الشريك العاطفي بالعزلة والوحدة، ولكنّ الحقيقة أنّ الذين يهتمّون لأمرهّن كثر. تقول إيف فاليرا، أستاذة مساعدة في قسم علم النفس في كليّة الطبّ في جامعة هارفارد، إنّ واحدة من كل ثلاث نساء تقريبًا جربت عنف الشريك الحميم الذي يشمل التعرّض للعنف من زوج حالي أو سابق أو شريك أو نصف آخر أو حبيب أو حبيبة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الرقم المذكور يضمّ النساء من جميع الأعمار والخلفيات.

يترك العنف عادةً آثارًا صحيّة طويلة الأمد على النساء بالإضافة إلى اضطرابات نفسية كالقلق العصبي والاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة. ويشير المكتب الفيدرالي المعنيّ بالصحّة النسائية إلى أنّ عنف الشريك الحميم يرتبط بعدد من العوارض والحالات الجسدية كالمشاكل الهضمية وصداع الشقيقة والتهاب المفاصل والربو والآلام المزمنة والمشاكل الجنسية ومشاكل القلب. وتلفت فاليرا إلى أنّ الباحثين يتخوّفون أيضًا من احتمال تعرّض المرأة المعنّفة لتغييرات إدراكية تسبّبها إصابات الدماغ الرضية الناتجة عن سوء المعاملة.

ما هو عنف الشريك الحميم؟

تعرّف مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها عنف الشريك الحميم على أنّه العنف الجسدي أو الجنسي والأذى النفسي أو الترصّد والملاحقة من قبل شريك أو زوج حالي أو سابق. وتشير فاليرا إلى أنّ هذا التعبير يستخدم غالبًا للحديث عن العنف المنزلي الذي يشمل أيضًا حالات الإساءة لكبار السنّ والأطفال، إلّا أنّ عنف الشريك الحميم محصور بالإساءة الصادرة عن شريك قديم أو حالي ولا يحصل في المنزل حصرًا. ويطال عنف الشريك الحميم الأشخاص من الجنسين ويمكن أن يحصل في العلاقات التي يكون طرفاها من الجنسين أو من نفس الجنس.

 

فترة مقلقة

فاقمت الجائحة عنف الشريك الحميم بالنسبة لبعض النساء، إذ إنّ الكثيرات ممّن يعانين أصلًا من هذه المشكلة شعرن أنّها أصبحت أخطر مع الأزمة الصحيّة. ويعتقد الخبراء أنّ عنف الشريك الحميم يزداد غالبًا في فترات التوتّر الشديد وترى فاليرا أنّ «التوتّر العائلي يتزايد في الأوقات التي يواجه النّاس فيها ضغوطًا أو زعزعة على الصعيد المالي، والأمر نفسه ينطبق على عنف الشريك الحميم». وتكثر هذه الحوادث أيضًا عندما يمضي أفراد العائلة وقتًا أطول مع بعضهم البعض، ولعبت الجائحة دورًا كبيرًا في وصول النّاس إلى هذين الوضعين.

وبحسب فاليرا فقد توقع الخبراء ارتفاعًا في الاتصالات المرتبطة بعنف الشريك الحميم، خلال الجائحة، ولكنّ العكس حصل في بعض الأماكن، حيث إنّ بعض المنظّمات المعنية بالعنف شهدت انخفاضًا في عدد الاتصالات، الأمر الذي اعتبره كثيرون مؤشرًا مقلقًا. وتقول الأستاذة المساعدة: «الحقيقة أنّ انخفاض عدد هذه الاتصالات يعزّز المخاوف، لأنّه قد يعني أنّ النساء إمّا غير قادرات على الاتصال أو خائفات من القيام بذلك. وقد يدلّ هذا الأمر أيضًا على أنّ النساء لا يستطعن البقاء بعيدات عن الشريك العنيف لفترة كافية تسمح لهنّ بالاتصال أو أنّهن خائفات من التقاط عدوى الفيروس إذا احتمين بأحد الملاجئ». علاوة على ذلك، منع إغلاق المحاكم المختصّة الكثيرة من استصدار أوامر رادعةتساعدهن في حماية أنفسهن من العنف.

في المقابل، تظهر البيانات أنّ عدد اتصالات الإبلاغ عن العنف لم يقل في بعض الأماكن وأنّ النساء اللواتي طلبن المساعدة في حالات عنف الشريك الحميم كنّ يعانين من إصابات أكثر خطورة من التي كانت تسجّل قبل الجائحة، حتّى إنّ حالات قتل النساء على يد شركائهنّ شهدت ارتفاعًا أيضًا.

مساعدة الآخرين

لم تعد الأمور إلى طبيعتها بعد، في ظلّ استمرار الجائحة، لذا يجب أن تعرفوا أنّ مصادر المساعدة متاحة لكم أو لأي شخص يعيش تجربة عنف مع الشريك الحميم.

توصي فاليرا بالاهتمام بهؤلاء الأشخاص وتقول: «إذا شككتُم أنّ صديقًا أو أحد أفراد العائلة يعيش حالة من العنف، حوّلوا الجائحة إلى فرصة وتواصلوا معه على الشكل التّالي: علمتُ أن الكثير من الأشخاص يعيشون اليوم علاقات عاطفية متشنّجة. كيف حالكم؟ هل تشعرون بالأمان؟... يقدّم هذا السؤال على بساطته متبوعًا بالإنصات باهتمام لصاحب المشكلة مساعدة كبيرة».

وتضيف فاليرا: «إذا أفصحت المرأة التي تتحدّثون معها عن شيء ما، فلا تشعروا وكأنّكم مسؤولون عن إيجاد الحلّ، لأنّ مجرّد الاستماع إليها يكون مفيدًا جدًا في معظم الأحيان». كما أنّ حثّ الشخص الذي يعاني من المشكلة على القيام بأي فعل أو بترك الوضع الذي يعيش فيه ليس فعلًا محمودًا». وفي هذا السياق، تقول فاليرا إنّ «النّاس لا يدركون حقيقة الوضع الذي تعيشه نساء كثيرات وبعض الأمور المريعة التي اضطررن لتحمّلها، فيتساءل البعض: لماذا لا تترك كلّ شيء وتغادر؟ وأنا يمكنني أن أعطيكم 20 سببًا يمنعها من المغادرة». في هذه الحالة، يُفضّل أن لّا تحثّوا أي امرأة على القيام بشيء ليست مستعدّة له، بل يجب أن تطمئنوها أنّكم مستعدّون للمساعدة وأن توضحوا نوع المساعدة التي يمكنكم تقديمها كمكان للسكن أو مساعدة مالية أو العناية بطفل مثلًا.

 

البحث عن المساعدة

إذا كنت تعانين من عنف الشريك الحميم، توجد بعض الأمور التي يجب أن تعرفيها والأمور التي يمكنك أن تفعليها لتحسين وضعك:

  • يجب أن تعلمي أنّك لست وحدك وأنّ عنف الشريك الحميم مشكلة شائعة. ترى فاليرا أنّ «الحديث عن عنف الشريك الحميم موسوم ببعض الخجل، حتّى إنّ البعض يميل للوم الضحية لسكوتِها على ما وصلت إليه». ولكن لا يجب على النساء أن يشعروا بهذه الطريقة لأنّ المعنِّف هو الذي يجب أن يخجل من سلوكه وليس الضحية. وتشدّد الأستاذة على أنّ الصمت عن العنف يساعد المرتكب ويمنحه المزيد من القوّة، لذا يجب أن لّا تشعر المرأة بالخجل وأن تسعى للحصول على المساعدة ومعرفة الخيارات المتاحة لها.
  • وضع خطّة: تصلك الخطوط السّاخنة المخصّصة للتبليغ عن العنف المنزلي بمصادر محليّة قريبة منك وتزوّدك بأدوات لمساعدتك في وضع خطّة للخروج من الوضع السيئ الذي تعيشينه. قد تتضمّن هذه الخطّة الاحتفاظ بمستندات ضرورية ومساعدتك في معرفة المكان الذي يمكنك اللجوء إليه بعد المغادرة. وتشدّد فاليرا على أنّ وضع خريطة مسبقة لخطّة المغادرة يسهّل على المرأة عملية التنفيذ عندما يحين الوقت. قد تواجه النساء المعنّفات صعوبة بالتفكير بشكل صحيح في الأوضاع الطارئة، لذا، من الضروري جدًا أن يتعلّمن كيف يتعاملن مع هذه المواقف. وإذا كان لدى المرأة أولاد أو حيوان أليف، يمكن للتغيير أن يكون معقّدًا جدًا ولكنه قابل للتحقيق.
  • علاج الإصابات: إذا استطعتِ، علاج أيّ إصابات تتعرّضين لها ولا سيّما صدمات الرأس. يعزّز الحصول على العلاج الصحيح فرص شفاء الإصابة لأنّ عوارض ارتجاج الدماغ يمكن أن تزول بعد تلقّي العلاج والمشورة الطبية الصحيحين. وتنصح فاليرا أيضًا النساء بتعلّم حماية رؤسهنّ وسط أيّ اعتداء وبضرورة معرفة تأثير جميع ضربات الرأس التي تعرّضن لها على صحّتهن. وتضيف أنّ عددًا من النساء في أواخر الأربعين أو الخمسين لجأن إليها بعد أن عشن علاقات سامّة ما زلن يعانين من تأثيراتها السلبية رغم دخولهنّ في علاقات جديدة مستقرّة، إذ إنّهن يُصبنَ غالبًا بالاكتئاب ومشاكل الذاكرة وغيرها من التغيّرات الإدراكية. وتلفت فاليرا إلى أنّ الأدلّة التي تتركها صدمات الرأس وحوادث عنف الشريك الحميم باتت اليوم تُحاط باهتمام أكبر بعد أن كانت مجرّد حكايا يتداولها النّاس.

وأخيرًا، شدّدت الأستاذة على «أهميّة أن لا تنسى المرأة هذه الأمور حتّى بعد مرور وقت على خروجها من علاقتها المؤذية».