أزمة الحدود السودانية الإثيوبية... مناوشات خطيرة وتحركات دبلوماسية

 

* الميليشيات المسلحة جزء من الجيش الإثيوبي الفيدرالي وهي في الواقع «غطاء للجيش الإثيوبي»

* تستغل عصابات الشفتة على طول الحدود والفراغات التي لا توجد بها تمركزات للجيش السوداني

* التعويل على التجمعات الأفريقية بخاصة الاتحاد الأفريقي لحل أزمة الحدود السودانية الإثيوبية ليس مجدياً

 

 

الخرطوم: تسود حالة من الهدوء الحذر الأوضاع على الحدود السودانية الإثيوبية بعد أسابيع ساخنة من المناوشات المسلحة وتبادل الاتهامات وحشد القوات على الجانبين، بيد أن الوضع ما يزال ينذر بالخطر في ظل عدم وجود مبادرة تنهي حالة النزاع بين أكبر قوتين متجاورتين، وذلك على الرغم من الجهود المبذولة لتجنب الحرب المباشرة في منطقة تعاني أصلا من الهشاشة، واحتمالات التفكك الواردة نتيجة الأوضاع المأزومة التي تشهدها دول القرن الأفريقي.

وقبل أيام عزز السودان من انتشار الجيش على سوق منطقة «القلابات» الحدودية وهي كذلك معبر رسمي إلى إثيوبيا، وذلك بعد الاحتكاكات التي وقعت بين مدنيين سودانيين وإثيوبيين في سوق المنطقة مؤخرا.

وروى سودانيون من أهالي منطقة القلابات عما وصفوها بميليشيات إثيوبية مسلحة تقوم بعمليات اختطاف للسودانيين، وتحدثوا عن اختطاف 7 سودانيين في الآونة الأخيرة وقتل 4 آخرين في هجوم للميليشيات الإثيوبية المعروفة باسم «الشفتة» والتي ظلت منذ سنوات تنشط في حدود البلدين وتتوغل على عمق الأراضي السودانية.

ويدعو سكان المنطقة السودانية، الجيش إلى إغلاق المعبر وكافة المنافذ الأخرى مع إثيوبيا، ردا على إطلاق سراح ثلاثة تجار سودانيين مقابل فدية وصلت إلى مليونين ونصف المليون جنيه سوداني.

وعمليا، يؤدي إغلاق معبر القلابات إلى توقف العودة الطوعية عبر الرحلات البرية  للإثيوبيين، وتشير تقارير صحافية لصحيفة «تاق بريس» السودانية إلى أن العالقين في مكتب جوازات معبر القلابات الحدودي بلغ 340 إثيوبيا بعد التوترات الأخيرة في المنطقة.

حافلات تقل نازحين عند الحدود السودانية الإثيوبية (ا.ف.ب)

مناوشات أشبه بحرب العصابات

وتحدثت «المجلة» إلى حسن محمد علي، وهو صحافي سوداني من ولاية القضارف الحدودية مع إثيوبيا وواسع الاطلاع بما يجري هناك، فوصف الأوضاع على المستوى العسكري في الوقت الحالي بأنها أكثر استقرارا مقارنة مع عمليات عسكرية كانت قد جرت بعد انفتاح الجيش السوداني في مثلث الفشقة الذي يضم قرى ومدنا صغيرة وأراضي زراعية ومخيمات سيطر عليها الإثيوبيون لوقت طويل.

وحسب مدير مركز الدراسات الدولية الفريق حنفي محمد عبد الله، فإن الميليشيات المسلحة هي جزء من الجيش الإثيوبي الفيدرالي وهي في الواقع «غطاء للجيش الإثيوبي».

لكن محمد علي يقول: «الخطير في الأمر، خلال اليومين الماضيين، نشطت مناوشات أشبه بحرب العصابات تمثلت في عمليات اختطاف لتجار وطلب فدية»، مؤكدا وجود أنشطة أخرى لتمويل القوات الأمهراوية التي باتت تواجه مصيرها وحدها ومنها تجارة السلاح، والمخدرات، وتجارة البشر أيضا، وعوضا عن الحرب التقليدية في ظل الوضع الراهن لاختلال موازين القوة فإنه ربما تستمر عمليات «حرب غوريلا» تجيدها عصابات الشفتة الإثيوبية وتمارسها أصلا منذ زمن، ما يتطلب من الجانب السوداني الاستعداد بقوات أخرى أكثر سرعة وجاهزية، ويمكن الاستعانة بقوات الدعم السريع التي تجيد عملية انتشار مطلوبة حيث تستغل عصابات الشفتة طول الحدود والفراغات التي لا توجد بها تمركزات للجيش السوداني، وربما يهدف الإثيوبيون من ذلك لإنهاك الجيش السوداني بشد أطراف العملية في كامل المنطقة وحتي تخوم الجنوب الغربي للمنطقة المعروفة كليا بمنطقة القلابات وتضم مناطق (باسندة وتاية وأم دبلو حتى الفزرة).

وحسب محمد علي فإن الجبهة السودانية موحدة تجاه إنجاز استعادة الأراضي السودانية، وبيدها كروت كثيرة لاستكمال مهمتها فهي تجد دعما من إريتريا التي تحاول إضعاف أي قوى في هذا الشريط الحدودي وبالأخص قوة إثنية «التيغراي» التي تقاتل الجيش الحكومي في إثيوبيا، لكنها تستثمر في «غض الطرف» الذي تمارسه القيادة الإثيوبية تجاه المنطقة التي ينشط فيها منتمون لإثنيات «التاجور»، و«الأمهريون» وهم عماد الميليشيات والمزارعين «الرأسمالية» الذين يضعون يدهم على المنطقة منذ سنوات ويدافعون الآن عن استردادها بقوة «عسكرية» محدودة، يفقدون فيها الآن غطاء الجيش المركزي المهموم بجبهة «التيغراي».

 

السودان تلجأ للدبلوماسية

ومع الهدوء الحذر الذي يؤكده شهود العيان على الحدود، يبدو أن المعركة تحولت إلى أروقة الدبلوماسية الأفريقية والعربية والدولية، فقد نشط السودان في إرسال كبار مسؤوليه إلى دول عربية وأفريقية محددة لكسب الدعم وتوضيح وجهة نظره بشأن الأزمة الحدودية الناشبة مع إثيوبيا، كما يطرح الخرطوم قضية النزاع أمام القمة الأفريقية في أديس أبابا في الفترة من 4 إلى 8 فبراير (شباط).

بيد أن أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا الدكتور محمد خليفة صديق يقول لـ«المجلة» إن التعويل على التجمعات الأفريقية بخاصة الاتحاد الأفريقي لحل أزمة الحدود السودانية الإثيوبية ليس بذات جدوى، ورأى أن الاتحاد الأفريقي لن يستطيع أن يكون محايدا بسبب تأثره بدولة المقر إثيوبيا، وأضاف قائلا: «الاتحاد الأفريقي في فمه ماء».

وزار عضو في مجلس السيادة الانتقالي محمد الفكي سليمان، المملكة العربية السعودية، وصرح بعد عودته للخرطوم قائلا إن الجانب السوداني طلب الدعم السياسي من السعودية لإسناد جهود وضع العلامات على الحدود بين السودان وإثيوبيا، واستئناف عمل اللجان الفنية بين البلدَيْن..

ووصف الزيارة للسعودية بأنها كانت ناجحة ومهمة، ونتشارك معها رؤية واحدة حول أمن المنطقة.

وقال إن اندلاع أي حرب في منطقة الحدود مع إثيوبيا يهدد الإقليم؛ باعتبار أن السودان وإثيوبيا تتجاوران على حدود واسعة وفي منطقة حيوية من القارة الأفريقية. وأضاف: «عمل اللجان الفنية لا يرتبط بانسحاب الجيش السوداني من الأراضي التي انفتح عليها باعتبارها أرضًا سودانية خالصة».

وبين الفكي أنه أكد للقيادة السعودية موقف السودان المبدئي بالدفاع عن أرضه وحق الجيش السوداني في الانفتاح داخل أراضيه، وحرصه على أن لا تكون هناك أي تداعيات لهذا الوجود الطبيعي.

وأضاف الفكي أن اندلاع أي حرب في هذه المنطقة يهدد الإقليم، باعتبار أن السودان وإثيوبيا يتجاوران على حدود واسعة وفي منطقة حيوية من القارة الأفريقية الأمر الذي يمكن أن ينعكس على أمن البحر الأحمر.

ووفقا لتحليل أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا الدكتور محمد خليفة فإن المملكة العربية السعودية يمكن أن تكون فاعلة في جهود وقف الحرب المحتملة بين السودان وإثيوبيا لأن لديها علاقات قوية في المنطقة، وقال لـ«المجلة» إن تجمع دول البحر الأحمر يمكنه أن يقدم مبادرة ناجحة في هذا الخصوص.

وفد سوداني يزور السعودية لبحث التوتر الحدودي مع أثيوبيا

جولة أفريقية... الحرب ليست من صالح الطرفين

على صعيد متصل، أجرى السودان جولة أفريقية شملت، تشاد، وإريتريا، وجنوب السودان، وجنوب أفريقيا، إلى جانب كينيا، بشأن الحدود مع إثيوبيا.

وقال وزير الخارجية السوداني عمر قمر الدين عقب عودته من جولة شملت جنوب أفريقيا وكينيا ضمن وفد ترأسه عضو مجلس السيادة الانتقالي محمد الحسن التعايشي، إن السودان يسعى للحل السلمي فيما يلي الحدود مع إثيوبيا.

ولفت إلى أنها المرة الأولى التي تتهم فيها إثيوبيا السودان دخول أراضيها وأن الخرائط والوثائق تؤكد أن الحدود تم ترسيمها منذ عام 1902 باعتراف إثيوبيا نفسها.

وأشار الوزير إلى أن زيارته لجنوب أفريقيا التقى خلالها الرئيس الجنوب أفريقي رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي سيريل رامافوزا الذي عمل في هذا الملف طوال هذا العام.

ولفت إلى أن الرئيس رامافوزا سيسلم الملف إلى الرئيس القادم للاتحاد الأفريقي رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيلكس تشيسكيدي.

ووصف الزيارة للدولتين بأنها كانت جيدة قدم خلالها الوفد وجهة نظر السودان بأن تكون هنالك اتفاقية قبل الملء الثاني لسد النهضة وأن الحدود بين السودان وإثيوبيا غير متنازع عليها على الإطلاق وإنما زعمت إثيوبيا ذلك.

كما التقى عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق إبراهيم جابر، على هامش مشاركته في قمة البحيرات العظمى التي انعقدت بالعاصمة الأنغولية لواندا الرئيس الأنغولي، ووقال في تصريحات بعد عودته إن السودان ليس لديه نوايا للاعتداء على الجارة إثيوبيا وإنما يرغب فقط في وضع العلامات على حدوده الشرقية التي تم ترسيمها منذ العام 1902.

وأضاف جابر: «اتفقت مع الرئيس الأنغولي على ضرورة حل القضايا الأفريقية بواسطة الأفارقة لإغلاق الباب أمام أي تدخلات أجنبية في قضايا القارة».

وحسب رؤية أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا الدكتور محمد خليفة صديق في حديثه لـ«المجلة»، فإن الكونغو هي أيضا بلد مأزوم وغير مؤهل كفاية لحل أزمة حدودية بين أقوى دولتين في القرن الأفريقي، ويضيف: «رغم أن جنوب أفريقيا دولة أفريقية مهمة ولكنها فشلت في وساطة أزمة سد النهضة مما يضعف من جهودها لحل أزمة الحدود».

ورأى أن هنالك مساحة لحلول دبلوماسية وسياسية لأن الحرب ليست في صالح الدولتين حتى لو أبديا استعدادهما لها، مشيرا إلى وصول رئيس البعثة السياسية الأممية إلى السودان والبدء في إنشاء البعثة وفقا للبند السادس من ميثاق الأمم المتحدة، مما يشكل تأثيره حاجزا دوليا أمام اندلاع الحرب.

الحدود السودانية الاثيوبية

وأردف أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يفهم أن خوض حرب جديدة ليست في مصلحته وهو يخوض حربا في إقليم التيغراي، وأن حربا جديدة ستدمر قوته من ناحية عسكرية ومن ناحية صورته الشخصية الدولية حيث يواجه بضغوط حصوله على جائزة نوبل للسلام، بينما السودان لديه قوة ولديه خبرة في الحروب وفي الذاكرة العسكرية أن السودان هزم الجيش الإثيوبي في فترة المهدية قبل استعمار الإنجليز للسودان، بينما الجيش الإثيوبي يواجه بتمرد إثنية التيغراي الذين كانوا في قلب الجيش الإثيوبي الفيدرالي خصوصا سلاح الطيران، وبالتالي فإن الموازنة العسكرية ليست في صالح إثيوبيا.

وبشأن الموقف السوداني، يقول صديق إن السودان ينتظر جهود الحل السياسي وإقرار إثيوبيا بالحدود المرسومة، لكنه في ذات الوقت يقوم بحشد وتجهيز نفسه للحرب تحت سيطرة القوات المسلحة فضلا عن الدعم الذي يتلقاه من الخارج مثل المناورات الجوية بين السودان ومصر، كما أن للسودان ميزة الاستفادة  من النازحين من الحرب الإثيوبية في قراءة الوضع الاستراتيجي، فضلا عن العلاقة المشتركة مع قبائل منطقة بني شنقول التي كانت ضمن حدود السودان حتى قبل الاستعمار، مؤكدا أن كل ذلك يرسل رسالة إلى إثيوبيا بأن السودان ليس ضعيفا كما يعتقد الطرف الآخر، وأن الجولات الخارجية للمسؤولين السودانيين تدعم موقف السودان من أجل منع الحرب إلا إذا فرضت عليه.

بيد أن الصديق يرى أن هذا الوضع يتطلب وساطة سياسية قوية ومؤثرة على جميع الأطراف، معتبرا أن بلدا مثل الجزائر يمكن أن تقوم بهذه المهمة لاعتبارات الحياد أو ظهور تجمع إقليمي جديد يمكنه أن يشكل وسيلة ضغط ويمنع الحرب.

يذكر أن مسؤولا عسكريا سودانيا رفيع المستوى زار جيبوتي أيضا، واعتبرت الزيارة بهدف إحباط مساع إثيوبية لإنشاء تكتل جديد في شرق قارة أفريقيا يستبعد السودان ويضم إلى جانب إثيوبيا كلا من جيبوتي وإريتريا وأوغندا.

وحسب ما رشح من معلومات فإن عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق ياسر العطا أجرى لقاءين بكل من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلى، ورئيس هيئة الأركان العامة الجيبوتي، تناول خلالهما سبل تطوير العلاقات بين البلدين وتطورات الأوضاع في السودان وعلى الحدود مع إثيوبيا.