المصارف اللبنانية باتت خارج المنافسة وتعمل فقط للاستمرار

نسيب غبريل لـ«المجلة»: الخطة المالية للحكومة المستقيلة أشبه بعملية سطو غير مسلح على القطاع المصرفي
1- لبنانيون يقتحمون جمعية المصارف احتجاجا على الاجراءات التي تتخذها المصارف بحق المودعين والقوى في 1 نوفمبر 2019.

* أزمة الثقة بدأت أواخر عام 2017 عندما أقرت الحكومة آنذاك سلسلة الرتب والرواتب لعمال وموظفي القطاع العام، وهذا ما أدى إلى رفع النفقات بشكل كبير وغير مدروس

* لو قامت الدولة بتنفيذ الإصلاحات التي تعهدت بها في مؤتمر سيدر لكنا تجنبنا هذه الأزمة

* الذي هدد بالانهيار المصرفي هو القرار الذي اتخذته حكومة حسان دياب يوم 7 مارس 2020 حين قررت عدم سداد اليورو بوندز

* طريقة توحيد سعر الصرف هي تحرير السعر وترك السوق يقرر السعر الحقيقي لليرة والدولار

 

بيروت: قبل الأزمة التي اندلعت نهاية عام 2019 كان القطاع المصرفي اللبناني يحتل المرتبة الخامسة بين القطاعات المصرفية العربية، من حيث حجم الأصول، والمرتبة الثانية بين القطاعات المصرفية للدول العربية غير النفطية، حيث يستحوذ على نحو 7 في المائة من إجمالي موجودات القطاع المصرفي العربي، و8 في المائة من ودائعه.

وقد بلغ حجم الموجودات المجمعة للقطاع المصرفي اللبناني نحو 234.6 مليار دولار بنهاية الفصل الثاني من عام 2018، مسجلاً نسبة نمو 6.7 في المائة عن نهاية العام 2017. وبلغت ودائع القطاعين العام والخاص (المقيم وغير المقيم) نحو 176.1 مليار دولار، بزيادة 2 في المائة خلال الفترة نفسها.

وبالنسبة إلى مصدر الودائع، فقد شكلت ودائع القطاع الخاص نحو 97.7 في المائة من مجمل الودائع بنهاية الفصل الثاني 2018، كما خُصصت نسبة 61.4 في المائة من القروض للقطاع الخاص المقيم. أما رؤوس أموال المصارف اللبنانية فشهدت زيادة كبيرة خلال الفترة الماضية. ما ساهم في تعزيز القواعد الرأسمالية وملاءة المصارف اللبنانية وزيادة قدرتها على مواجهة المخاطر، إذ بلغت حقوق الملكية نحو 20.4 مليار دولار بنهاية الفصل الثاني من العام 2018، بزيادة 6.5 في المائة عن نهاية العام 2017.

ويُعتبر القطاع المصرفي اللبناني واحداً من أكبر القطاعات المصرفية العربية والدولية مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني، حيث تبلغ الأصول المجمّعة للقطاع 4 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبنان.

لكن التحدي الرئيسي أمام المصارف اللبنانية كان في تركّز جزء كبير من استثماراتها في الديون السيادية، حيث تستحوذ أدوات الدين السيادي على أكثر من 60 في المائة من مجمل الموجودات في ميزانية المصارف.

وهذا ما أدخل القطاع في أزمة هي الأقسى والأخطر التي تواجهه خلال تاريخه الطويل بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019، مما دفع البعض إلى اتهامه بسرقة أموال المودعين.

الدكتور نسيب غبريل

أسباب الأزمة المصرفية

ما هي أسباب ومسببات الأزمة المصرفية في لبنان وكيف وصل هذا القطاع إلى مرحلة الانهيار، وما هي المشاكل التي ستواجهه في حال تم تحرير سعر الصرف لناحية القروض وهل إعادة الرسملة التي فرضها مصرف لبنان على المصارف قد تعيد الثقة في هذا القطاع، هذه الأسئلة طرحتها «المجلة»على كبير الاقتصاديين في مجموعة بيبلوس المصرفية الدكتور نسيب غبريل، وبصراحته المعهودة استهل حديثه بالقول: «لا أستطيع أن أستعمل كلمة انهيار مصرفي، لأن هذا القطاع رغم كل التطورات التي حصلت وتراجع حجم الودائع والتسليفات إلى القطاع الخاص والحملة الممنهجة عليه، مع ذلك لم يتعثر أو يفلس أي مصرف حتى اليوم، وبالتالي لا يجوز الحديث عن انهيار بالمعنى التقليدي، يمكن الحديث عن أزمة طالت القطاع المصرفي، وهي بالتفاصيل أزمة ثقة لأن الثقة هي التي كانت تساعد المصارف على استقطاب الودائع، وهذا الاستقطاب تاريخياً حيوي للاقتصاد الوطني، لأنه من خلال الودائع كانت المصارف التجارية تمول الاقتصاد الوطني بشقيه العام والخاص واستقطاب الودائع كان الشريان الحيوي لاستمرار الحركة الاقتصادية في لبنان واستقرار سعر الصرف والمالية العامة.

وقال: «إن أزمة الثقة بدأت في أواخر عام 2017 إثر تشكيل الحكومة بعد التسوية الرئاسية، حيث أقرت هذه الحكومة سلسلة الرتب والرواتب لعمال وموظفي القطاع العام وهذا ما أدى إلى رفع النفقات بشكل كبير وغير مدروس، ومقابل هذا الأمر ولتغطية هذه النفقات ارتفعت الضرائب بشكل عشوائي على الاستهلاك والدخل والأرباح والأموال المنقولة وكلفة المعاملات الرسمية مع القطاع العام في ظل تباطؤ اقتصادي شديد وعجز في ميزان المدفوعات خلال 6 سنوات من أصل 7 سنوات من ضمنهم عام 2017... وقد بدأت أزمة الثقة لأن القطاع الخاص كان يعتبر أن حل الأزمة الرئاسية بعد عامين من الفراغ والشلل الحكومي والمؤسساتي سيؤدي إلى تشكيل حكومة لإنعاش الاقتصاد ودعم القطاع الخاص وتحسين المناخ الاستثماري وبيئة الأعمال، وإذ بنا نرى قرار سلسلة الرتب والرواتب وزيادة الضرائب. والقرار الأول سياسي اتخذ على أبواب الانتخابات النيابية عام 2018، والضرائب تعكس إهمال الوضع الاقتصادي وبيئة الأعمال وزيادة الأعباء التشغيلية على القطاع الخاص، من هنا يمكن القول إن أزمة الثقة بين القطاع الخاص والحكومة بدأت مطلع عام 2018 حين دخلت الضرائب حيز التنفيذ إذ شحت السيولة في الأسواق التجارية وبدأت المحال تتأخر في دفع فواتيرها للموزعين وهؤلاء يتأخرون في دفع الفواتير إلى تجار الجملة الذين بدأوا بدورهم يتأخرون في الدفع للمستوردين، وجاء مؤتمر سيدر في شهر أبريل (نيسان) 2018 الذي أعطى أملا للبنان بعد أن تعهد المشاركون في المؤتمر بمساعدة لبنان شرط أن يساعد نفسه أولاً، وجرت الانتخابات النيابية في العام نفسه وكانت التوقعات بأن تستفيد السلطة السياسية من فرصة مؤتمر سيدر والـ11 مليارا التي اتفق على تقديمها للبنان بقروض ميسرة لتمويل إعادة تأهيل البنى التحتية، فماذا حصل لم يتم الاتفاق على تشكيل حكومة إلا بعد مرور ثمانية أشهر عوضاً عن أن تُشكل خلال أسبوعين لتنكب على إجراء الإصلاحات التي اتفق عليها في مؤتمر سيدر. أمام هذا الواقع ازدادت أزمة الثقة بين القطاع الخاص والاغتراب اللبناني من جهة والحكومة والسلطة السياسية من جهة ثانية، ومن ثم في عام 2019 وبعد تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات النيابية عادت نغمة الضرائب، حيث تضمنت موازنة 2019 ضرائب ورسوما جديدة وكانت الحكومة تتحضر لإنجاز موازنة 2020 ومن ضمنها ضرائب أخرى فاندلعت شرارة الأحداث من قبل الشعب وتوسعت أزمة الثقة لتشمل المواطن المقيم وأصبح لدينا في شهر سبتمبر (أيلول) أزمة ثقة شاملة بين القطاع الخاص من جهة والمواطن اللبناني المقيم والمغترب من جهة ثانية والسلطة السياسية والأحزاب السياسية في لبنان. والقطاع المصرفي غير موجود في جزيرة معزولة عن البلد، بل العكس أي قطاع مصرفي في أي اقتصاد بالعالم هو الذي يشعر أولاً بالأزمات لأن القطاع المصرفي هو الوحيد الذي يمول الاقتصاد بشقيه الخاص والعام، والقطاع المصرفي بدأ يشعر منذ 2018 بأزمة السيولة وأزمة الثقة، بدأ يشعر بتراجع تدفق الودائع إلى لبنان ويشعر بتضخم القطاع العام والتوظيف العشوائي وزيادة النفقات العامة إلى حدود غير مسبوقة، وبالتالي زيادة حاجات الدولة التمويلية والضغوط على المصرف المركزي والمصارف التجارية لتأمين التمويل وفي الوقت نفسه المحافظة على الاستقرار النقدي والمالية العامة رغم الاختلالات الموجودة فيها، وبالتالي على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ولو أن الحكومات المتعاقبة اتخذت وطبقت القرارات الإصلاحية أو أي بند لخفض العجز في الموازنة والأعباء التشغيلية عن كاهل القطاع الخاص لما كنا وصلنا إلى هذه الأزمة.

وأضاف غبريل: «لو قامت الدولة بتنفيذ الإصلاحات التي تعهدت بها في مؤتمر سيدر لكنا تجنبنا هذه الأزمة، حتى لغاية العام 2019 كان بالإمكان تجنب الأزمة لكن التلكؤ والمناكفات السياسية والمصالح الضيقة أدت إلى تراجع تدريجي لثقة القطاع الخاص وثقة الاغتراب اللبناني وأخيرا ثقة المواطن المقيم مما أدى إلى اندلاع الانتفاضة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، والقطاع المصرفي كان الأول بين القطاعات الذي تأثر من هذه التطورات، وشاهدنا منذ أواخر عام 2019 تراجع التدفقات والودائع إلى لبنان وأيضاً خروج ودائع، وعلى سبيل المثال في يناير (كانون الثاني) 2019 صدرتصريح عن لسان وزير المال يقول: «إن الحل يكون بهيكلة الدين العام، هذا الكلام أحدث صدمة غير متوقعة في الأسواق المالية، وأدى إلى تخفيض مباشر للتصنيف الائتماني للبنان من قبل وكالة موديز وخروج ملياري دولار في هذا الشهر إلى الخارج هذا التصريح أضر كثيراً رغم أن الوزير نفى أن يكون قد قال هذا الكلام في حديث له إلى إحدى الصحف، بكل الأحوال الضرر كان قد وقع، والمنعطف الأساسي حصل في شهر أغسطس (آب) 2018 حيث وقعت ثلاثة أحداث في ظرف أسبوع واحد؛ الأول قيام وكالة فيتش بحفض تصنيف لبنان إلى مستوى غير مسبوق، وكانت وكالة موديز قد سبقتها بذلك. الثاني وضع أحد المصارف اللبنانية على لائحة أوفاك للخزانة الأميركية، والثالث العدوان الإسرائيلي بواسطة طائرة «درون»على الضاحية الجنوبية لبيروت.

وتابع: «هذه الأحداث أدت إلى هلع في السوق، وبدأ القطاع المصرفي يشهد عمليات خروج للودائع إلى أن حصلت الانتفاضة وبدأ ظهور سوق ثانوية لسعر صرف الليرة وهذا الأمر غير مسبوق منذ 25 سنة، وأدى إلى أزمة ثقة وهلع لدى المودعين، وبات هناك تهافت على سحب السيولة وطلب تحويلات للخارج، ولم تعد المصارف قادرة على تأمين الطلبات مما دفع جمعية المصارف إلى الطلب من السلطة اللبنانية لإقرار قانون «الكابيتل كونترول»وهذا الأمر يحصل حين تكون هناك أزمة ثقة وإقبال على سحب الودائع في أي بلد في العالم، ولبنان عاش مثل هذه الأزمة في الستينات إبان أزمة بنك إنترا، فخلال أسبوع أقرت السلطة الكابيتل كونترول وبعد فترة ألغيت وعاد العمل المصرفي إلى طبيعته، للأسف السلطات لم تستجب لطلب جمعية المصارف، فاضطرت المصارف إلى أن تتخذ إجراءات غير منسقة لأن كل مصرف عنده مستوى معين للسيولة، وبالتالي وضعت المصارف وجهأ لوجه مع المودعين عوضاًعن ان يكونوا في صف واحد ضد الإهمال واللامبالاة السياسية تجاه الاقتصاد اللبناني.

الفقرة الثانية من نوفمبر (تشرين الثاني) حين صار هناك تقنين لسحوباتهم بالدولار والليرة، إذ حصلت ردة فعل من قبل المودعين لإخراج الودائع، وشاهدنا إقبالا غير مسبوق على القطاع العقاري، فهذا القطاع استفاد من الأزمة بشكل لافت للنظر في ظل انكماش اقتصادي وثورة في الطرقات وإغلاق وإهمال سياسي وحكومة مستقيلة، ولكن في ما يخص القطاع المصرفي حصل تهافت على الودائع إذ منذ مطلع 2019 ولغاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 خرج من المصارف نحو 33 مليار دولار بنحو 14 مليارا خرجت سنة 2019 ونحو 19 مليارا خرجت منذ مطلع 2020 وحتى نوفمبر (تشرين الثاني)، ولكن هذا المبلغ وعلى عكس ما يقال لم يتحول إلى الخارج بل جزء بسيط حول حين كانت التحويلات طبيعية سنة 2019، ونصف هذه الودائع استعملت لتسديد القروض للشركات والأفراد وخصوصاً للقروض المعقودة بالدولار الأميركي وتحول جزء كبير إلى القطاع العقاري، كما حصل تحويل من قبل شركات ومصارف لأن عليها التزامات، لكن هذه المبالغ هي جزء بسيط من الـ33 مليار دولار.

ولكن الذي هدد بالانهيار المصرفي هو القرار الذي اتخذته حكومة حسان دياب يوم 7 مارس (آذار) 2020 حين قررت عدم سداد اليورو بوندز، فهذا القرار الذي اعتبروه قرارا تاريخيا هو خطأ تاريخي لأنه أدى إلى وضع القطاع المصرفي اللبناني على هامش القطاع المصرفي العالمي وهمش الاقتصاد الوطني وأدى إلى هبوط تصنيف لبنان إلى أدنى مستوى للتصنيفات الائتمانية، وللأسف كان بإمكان السلطة أن تقوم بسداد ليس استحقاق مارس (آذار) البالغ مليارا و200 مليون دولار، بل و600 مليون في أبريل (نيسان) و700 مليون في يونيو (حزيران)، كان بإمكان الحكومة استبدال هذه الاستحقاقات بأخرى جديدة وبآجال طويلة كان هناك خيارات أخرى أمام السلطات اللبنانية بدلاً من الخيار السيئ والخطأ التاريخي، لأنه كان تعثرا غير منظم، مع العلم أن 97  في المائة من الدول التي تقرر اتخاذ مثل هذا القرار أي عدم سداد مستحقاتها الخارجية تأخذه بالتزامن مع اتفاق مع صندوق النقد الدولي أو بعد مفاوضات متقدمة مع الصندوق ومع حاملي السندات بحيث يكون هناك اتفاق ضمني، لكن الحكومة اللبنانية لم تتواصل مع صندوق النقد ولا مع حاملي السندات المحليين والأجانب، فالمفاوضات مع الصندوق بدأت بعد شهرين من التعثر، لذلك  التداعيات كانت كارثية، إذ انفجرت الثقة أو ما تبقى منها وأدت إلى تهميش القطاع المصرفي والاقتصاد اللبناني مع النظام المالي والمصرفي العالمي وتوقفت تدفقات السيولة بالعملات الأجنبية ودفعت مؤسسات متعددة الأطراف المستثمرة في المصارف والمؤسسات اللبنانية أو عندها تسليفات في لبنان لطلب أموالها لأن التعثر لا يقتصر على الحكومة بل يشمل القطاع الخاص، لأن القرار اتخذ بشكل اعتباطي تحت الضغط الشعبوي والغوغائي والضغوطات السياسية، والمؤسف وبعد الإعلان عن التعثر ولغاية اليوم لم تبدأ المحادثات مع حاملي السندات، بل الذي جرى أن الحكومة أصدرت ما يسمى المشروع المالي التمويلي الإنقاذي للقطاع المالي في لبنان، لكن هذا المشروع هو بالفعل مشروع سطو غير مسلح على القطاع المصرفي لتحميله وتحميل المودع كلفة الأزمة عوضاً عن أن توزع الأزمة بشكل عادل على كل مكونات لبنان وأولها القطاع العام الذي هو السبب الأساسي للأزمة التي اندلعت. هذه التصرفات كانت تهديدا وجوديا للقطاع المصرفي، لكن ما تبع هذا المشروع هو تقديم جمعية المصارف اقتراحا لتعديل بعض البنود من المشروع الحكومي مما أدى إلى تجنب تطبيقه وخصوصاً بعد اعتراض القطاع والهيئات الاقتصادية عليه والانتقاد الحاد للبنان من الخارج، ومن ثم جاء الانفجار الكارثي في المرفأ فتفاقمت الأوضاع واستقالت الحكومة ونحن حتى اليوم وبعد أكثر من ستة أشهر على استقالة الحكومة لا نزال من دون سلطة تنفيذية ومن دون مشروع إصلاحي ورؤية اقتصادية ومن دون العودة إلى طاولة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

 

أزمة القطاع

وقال غبريل: «الأزمة التي يعاني منها القطاع المصرفي والاقتصاد اللبناني هي عدم إقرار خطة إصلاحية تشمل كل القطاعات وإعادة هيكلة القطاع العام وإنعاش الاقتصاد وخفض الأعباء التشغيلية وتحسين المناخ الاستثماري وإعادة تأهيل البنى التحتية وخفض العجز بالموازنة العامة وحجم الدين العام والعود إلى طاولة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وأن يكون هناك نية للاتفاق وليس لرفع العتب كما شاهدنا مع الحكومة المستقيلة لأن موضوع الحصول على تمويل إصلاحي سيعطي مصداقية للبرنامج الإصلاحي ويعطي انظباطا لتطبيق الإصلاحات ويفتح الأبواب لضخ سيولة في الأسواق اللبنانية من صندوق النقد الدولي ولاحقاً من مؤسسات متعددة وصناديق تنمية وصناديق إقليمية ومن القطاع الخاص والاغتراب اللبناني وهذه الأمور قد تحلحل الأوضاع إن في القطاع المصرفي أو في الاقتصاد اللبناني، لكن النظريات التي أتحفنا بها بعض المستشارين وخصوصاً المقيمين في الخارج وأموالهم ومنازلهم في الخارج أنه يجب استبدال القطاع المصرفي اللبناني بمصارف جديدة والحل فقط هو بإعادة هيكلة القطاع، هذه النظريات غير موضوعية وغير مجدية. فحل الأزمة المصرفية يأتي ضمن حل أزمة البلد ككل، وليس بإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

 

رسملة المصارف

وبالنسبة لإعادة رسملة المصارف أوضح غبريل: «إن مصرف لبنان وبسبب الأوضاع التي نعيشها وعدم وضع أي خطة من السلطة، أقدم في أواخر شهر أغسطس (آب) على إصدار تعميم طلب بموجبه من المصارف رفع رأسمالها 20 في المائة وتكوين 3 في المائة من ودائعها بالعملات الأجنبية كسيولة ووضعها في مصارف المراسلة في الخارج، كما طلب من المصارف حث الزبائن الذين حولوا أموالا تقدر بـ500 ألف دولار منذ يوليو (تموز) 2017 إعادة 15 في المائة من هذه الأموال أو إذا كانوا مساهمين أساسيين أو أشخاصا لهم علاقة بالشأن السياسي إعادة 30 في المائة، وتعمل المصارف على الشق المتعلق بملاءة السيولة، ولكن مصرف لبنان حين أصدر هذا التعميم لم يكن يتوقع هو والمصارف التجارية أن يبقى لبنان من دون سلطة تنيفذية رغم تراكم الأزمات مثل كورونا والتداعيات الكارثية لانفجار المرفأ أو شح السيولة والأزمة الاقتصادية وتعدد سعر صرف الدولار في السوق، في كل الأحوال المصارف اتجهت نحو الالتزام بالمعايير والمهلة التي أعطيت لها أي نهاية الشهر الحالي، وهناك مصارف عدة دعت لجمعيات عمومية غير عادية للتصديق على رفع رأس المال وهناك مصارف باعت أصولا لها في الخارج، وهناك عدد قليل جداً من المصارف قد يحتاج إلى مهلة إضافية بسبب الأوضاع التي نعيشها بسبب غياب السلطة التنفيذية وغياب الإصلاحات وعدم وجود مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، إذ لو كان هناك خطة إصلاحية وحكومة لكان الوضع يختلف كلياً إذ كان بإمكان المصارف أن تستقطب رساميل المغتربين أو مؤسسات استثمارية، ولكن بسبب الضبابية فإن المساهمين الأساسيين هم الذين يساهمون اليوم بزيادة رأس المال، وباعتقادي أن هذا الأمر خطوة أولى لاستعادة الثقة، ولكن هذا غير كاف لأن القطاع لا يعيش في جزيرة معزولة عن البلد، فالحل الشامل هو استعادة المصارف عملها الطبيعي وهذا يأتي ضمن مشروع إصلاحي متكامل للقطاع العام وصولاً للاقتصاد ككل ووصولاً إلى اتفاق تمويلي شامل مع صندوق النقد الدولي.

 

عمليات الدمج

وبالنسبة لدمج المصارف وخفض عددها قال: «للأسف الحكومة المستقيلة جاءت وطالبت بالحصول على صلاحيات استثنائية حتى تقوم بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وهذا الأمر أضر بالمناخ الاقتصادي والمالي لأن إعادة الهيكلة ليست من صلاحيات الحكومة، إنما ضغوطات السوق هي التي تقرر عدد المصارف وحجم القطاع، ثانياً الدمح والتملك يختلف وضعه اليوم عما كان يحدث سابقاً، قبل الأزمة كانت تحصل عمليات دمج لكن لأسباب مختلفة كلياً بسبب عدد الفروع للمصرف الذي يشتري مصرفا آخر من أجل زيادة حصته في السوق لناحية الودائع والتسليفات للقطاع الخاص، هذه الأسباب لم تعد موجودة اليوم، فالمصارف تقوم بدمج فروع قريبة من بعضها البعض ولا يهمها التنافس على حجم الودائع ومحفظة التسليفات للقطاع الخاص، حيث إن المصارف تعمل اليوم للاستمرارية.

 

تحديد سعر الصرف

بالنسبة لتحديد سعر الصرف رأى غبريل أن «هذا القرار لا يمكن أن يحدث في ظل الفراغ الكامل وهذا ما تطرق إليه حاكم مصرف لبنان في حديث له مؤخراً، إذ لا يجب أن ننسى أن هناك عدة أسعار للصرف في السوق بسبب شح السيولة للعملات الأجنبية وبسبب أزمة الثقة، فالثقة هي التي تفتح الباب لتدفق رؤوس الأموال والثقة تأتي من خلال تطبيق الإصلاحات، لذلك فإن توحيد سعر الصرف لا يتم بسهولة، أحد البنود التي يتوقعها صندوق النقد الدولي من السلطات اللبنانية هو وضع آلية لتوحيد سعر الصرف، ونحن نعرف أن صندق النقد لا يحبذ تثبيت سعر الصرف، واليوم الطريقة لتوحيد سعر الصرف هي تحرير السعر وترك السوق يقرر السعر الحقيقي لليرة والدولار، لكن هذا الأمر يجب أن يتم باتفاق بين مصرف لبنان ووزارة  المالية والحكومة وصندوق النقد، ثانياً حتى لو حصل الاتفاق هناك مهلة زمنية يجب الالتزام بها، بمعنى أن هناك خطوة يجب أن تسبق التحرير وهي أن تصل السلطة اللبنانية إلى برنامج إصلاحي تمويلي مع صندوق النقد للوصول إلى اتفاق على هذا الموضوع وأن تبدأ الإصلاحات البنيوية على الأرض وأن تظهر وأن يبدأ ضخ السيولة من قبل الصندوق في الأسواق اللبنانية وهذا يحصل بعد مرور ثلاثة أشهر من توقيع الاتفاق ويجب على مصرف لبنان أن يبدأ بإعادة تكوين احتياطيه بالعملات الأجنبية وعند حصول هذه النقاط يتم تحرير سعر الصرف ويكون بإمكان مصرف لبنان أن يحافظ على سعر الصرف ضمن هوامش غير رسمية، يعني إذا كان هناك هامش أعلى وهامش أدنى وإذا تخطى السعر الهامش الأعلى يتدخل مصرف لبنان ويعيده إلى السعر المحدد وأيضاً إذا انخفض الهامش الأدنى، وإذا تمت هذه الخطوات تكون قد عادت الثقة ولن يقفز الدولار إلى مستويات قياسية كما يروج ويهول البعض.