تفاقم الهوة بين اثرياء ايران وفقرائها

«أبناء السادة»... ولدوا من رحم الفساد المؤسسي
صبي يرتدي قناعًا طبيًا كإجراء وقائي ضد جائحة فيروس كورونا، يبيع الخضراوات بينما يواصلون القتال ضد الفقر وفيروس كورونا في قرية نعمة آباد، جنوب شرقي طهران، إيران، يوم 15 أكتوبر 2020 (غيتي)

* أدت السياسات الناتجة عن الفساد المؤسسي والمستشري في أركان النظام إلى ارتفاع خط الفقر بنسبة 18 ضعفاً منذ 2011

* يحذر العديد من المراقبين والخبراء من وقوع موجات احتجاجية وانتفاضة عنيفة ترافقها حالة تمرد اجتماعي ناتجة عن الاستياء بشأن الظروف الاقتصادية

* لقد حصل «أبناء السادة»وأقلية من الإيرانيين على ثرواتهم الهائلة من خلال الالتفاف على العقوبات وصناعة اللوبيات وغسل الأموال واستخدام نفوذهم للحصول على مكاسب اقتصادية ضخمة

 

واشنطن: قال الرئيس الإيراني حسن روحاني في تصريحات أدلى بها يوم 3 سبتمبر (أيلول) 2019 في البرلمان الإيراني إن الظروف المعيشية والاقتصادية في إيران تحسنت بالمقارنة مع العام الماضي. وجاءت تصريحات روحاني ردا على انتقادات وجهها له عدد من منافسيه في التيار المتشدد في السلطة بشأن موجة الغلاء والظروف المعيشية المتدهورة ومعاناة الشعب.

وبالتزامن مع تصريحات الرئيس روحاني أعلن مركز الإحصاء الإيراني أن معامل جيني السنوي (الذي يهدف إلى تمثيل عدم المساواة بالدخل أو عدم المساواة بالثروة داخل الدولة أو أي مجموعة أخرى من الناس) للأسر الإيرانية في 2018بلغ 493 في المائة مما حطم رقما قياسيا جديدا حول عدم المساواة بتوزيع الدخل والثروة في البلاد.

بناءً عليه فإن معامل جيني في إيران سجل ارتفاعا بنسبة 112 في المائة مقارنة مع العام الذي سبقه، أي 2017 وقد وصل إلى مستوياته القياسية منذ 2010.

وبنظرة سريعة إلى ما قبل قيام الثورة الإسلامية نلاحظ أن معامل جيني وصل إلى أدنى مستوياته في إيران أي 5 في المائة.

الأمر اللافت هو الاختلاف الفاحش في نسبة معامل جيني بين المدن والقرى والتي سجلت زيادة من  نحو 234 في المائة عام 2017 إلى 345 عام 2019.

أطفال يواصلون القتال ضد الفقر وفيروس كورونا في قرية نعمة آباد جنوب شرقي طهران، إيران، يوم 15 أكتوبر 2020. وهناك يكافح الناس للعيش دون كهرباء وماء وغاز طبيعي في الأحياء الفقيرة والمباني المؤقتة (غيتي)

أبناء السادة والأثرياء تحت عباءة السلطة السياسية

وبناء على الدراسة الصادرة من غرفة تجارة طهران، فإن عدم المساواة والفجوة الطبقية يتعمقان في طهران. وقالت الدراسة إن ارتفاع معامل جيني في محافظة طهران عام 2019 يشير إلى زيادة عدم المساواة في توزيع الدخل في هذه المحافظة التي تسجل أعلى نسبة من عدم المساواة في توزيع الدخل على مستوى البلاد.

فكرة الهوة العميقة بين أثرياء طهران وفقرائها ليست صعبة الفهم، والأسوأ أن هذه الهوة تتسع يوما بعد يوم. وإذا ما نظرنا إلى حياة الترف التي تعيشها الطبقة الثرية في مناطق شمالي طهران ومدينة لواسان في شمال محافظة طهران وجزيرة كيش تتضح صورة الفجوة العميقة.

تظهر الصور المتداولة على الشبكات الاجتماعية نمط حياة الترف الذي يعيشه أثرياء طهران بدءا من حفلات الزفاف المكلفة وشقق بنتهاوس الفاخرة والفيلات التي تقدر بالمليارات مرورا بالمدارس الخاصة الغالية وساعات اليد بالملايين والفواكه ووجبات الطعام الغالية والسيارات بالمليارات. يأتي ذلك في الوقت الذي تشهد فيه طهران هوة طبقية عميقة للغاية بين هذه الطبقة المتجددة المتمثلة في «أبناء الأسياد»،أو «أصحاب الجينات الجيدة»كما يسمونهم في البلاد، وبقية المواطنين.

يطلق تعبير «أبناء الأسياد»أو «أصحاب الجينات الجيدة»على أبناء ومقربي رجال السلطة السابقين والحاليين في إيران الذين يستغلون نفوذ آبائهم وأقاربهم في السلطة للحصول على منافع اقتصادية كبيرة أو شغل مناصب مهمة في الدولة، وهم يعيشون حياة بذخ ورفاهية. على سبيل المثال، نجل طهماسب مظاهري محافظ البنك المركزي السابق في فترة رئاسة أحمدي نجاد ونجل علي آبادي الرئيس السابق لمنظمة التربية البدنية في فترة رئاسة أحمدي نجاد ونجل عمدة طهران السابق ورئيس البرلمان الحالي محمد باقر قاليباف هم من ضمن مشاهير «أصحاب الجينات الجيدة»في البلاد.

لقد حصل «أبناء السادة»أو «أصحاب الجينات الجيدة»،وأقلية من الإيرانيين على ثرواتهم الهائلة من خلال الالتفاف على العقوبات وصناعة اللوبيات وغسل الأموال واستخدام نفوذهم للحصول على مكاسب اقتصادية ضخمة واحتكار الثروة وتشكيل منظومة تعتمد على المحسوبية والوساطات الشخصية وبالتالي هم قادرون على أن يتمتعوا بحياة البذخ والترف. ويمكن القول إن الحد الأدنى مما يحصلون عليه يعادل رواتب الآلاف من الشعب الإيراني.

وتقوم وسائل الإعلام التابعة للسلطة وعصاباتها أحيانا بالكشف عن خفايا حياة الترف التي يعيشها «أبناء السادة»وذلك في إطار المنافسة بين أجنحة السلطة وكشف النقاب عن منافسيهم في السلطة.

ليست الهوة الطبقة ظاهرة جديدة في المجتمع الإيراني لأن الطبقة الوسطى اقتنعت منذ سنوات مديدة بأن التمتع بحياة ترف كالتي يعيشها «أصحاب الجينات الجيدة»،و«أبناء السادة»،أمر مستحيل. ولكن الأمر اللافت هو أن حصة هذه «الأقلية»من إيرادات البلاد وثرواتها تزداد بشكل مستمر وذلك على حساب تراجع حصة العمال والمعلمين والمتقاعدين وبقية شرائح المجتمع والقوى العاملة. أصبحت هذه «الأقلية»تدوس على حقوق سائر المواطنين لتحصل على أكبر قدر ممكن من الثروات. وباتت هذه الحالة المستمرة تولد شيئا فشيئا يأسا اجتماعيا وغضبا مكتوما لدى الطبقة الوسطى والطبقة المحرومة.

بغض النظر عن الفساد المؤسسي وتوالي فضائح الاختلاس بآلاف مليارات الدولارات فإن ارتفاع نسبة معامل جيني يعني فشل النظام على مستويين اثنين أولهما فشل سياسة دعم العملة التي كانت تهدف أساسا إلى تقليص تداعيات زيادة سعر العملة على الطبقات الفقيرة والثاني هو زيادة عدم المساواة في توزيع الدخل وتنامي التمييز المؤسسي. والنتيجة هي أن الهوة بين الفقراء والأثرياء تنامت وأن الدخل اتجه من الفقراء إلى جيوب الأثرياء.

يهدف معامل جيني إلى تمثيل عدم المساواة في الدخل أو عدم المساواة في الثروة داخل دولة أو أي مجموعة أخرى من الناس. يعبر معامل جيني للصفر عن المساواة الكاملة على سبيل المثال التوزيع العادل للدخل. ويعبر المعامل الجيني واحد عن الحد الأقصى من عدم المساواة في توزيع الدخل والحد الأقصى من التمييز والهوة الطبقية في المجتمع. تمثل معامل جيني عادة نسبة مئوية.

وقال المدير العام لمكتب الرفاه الاجتماعي في المؤسسة التي كانت تعرف سابقا باسم منظمة الإدارة والتخطيط مجيد يارمند خلال حوار مع وكالة«مهر»للأنباء: «وصلت الهوة بين الفئة الأعلى دخلا والفئة الأدنى دخلا إلى ما يتراوح بين 17.5 و18 ضعفا. وتبلغ هذه النسبة في دول جارة على غرار تركيا وباكستان ما يتراوح بين 8 و9 أضعاف. ويجب أن تكون الهوة بين الفئة الأعلى دخلا والفئة الأدنى دخلا أقل من 10 أضعاف».

وبدأ معامل جيني بالارتفاع المستمر منذ وصول حسن روحاني إلى سدة الرئاسة والذي رفعت حكومته شعار العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

واللافت هو أن النظام الإيراني يقر على لسان مسؤوليه الصغار والكبار باتساع الهوة الطبقية. قال النائب الأول لرئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجيئي في أغسطس (آب) 2019 «لدي شعور بأن الهوة الطبقية تتسع يوما بعد يوم وأن هناك فئة تسعى إلى جمع الثروات بطرق غير قانونية».

وقال وحيد شقاقي شهري مستشار لجنة الرقابة في مجلس تشخيص مصلحة النظام في حوار مع موقع قدس الإيراني في 2017: «أشار التقرير الصادر من البنك الدولي إلى أن إيران هبطت من المرتبة 120 إلى 131 عالميا ضمن مؤشر مدركات الفساد وهذا يكشف عن تزايد الفجوة وعدم المساواة الاجتماعية».

من جهته، قال نظام مقدم عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام لصحيفة «آرمان»الإيرانية في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 «تحصل فئة معينة حاليا على ثروات طائلة، في حين أن الجزء الأكبر من الشعب يرزح تحت خط الفقر وهذا أدى إلى تراجع ثقة الشعب بالحكومة كما أنه يكشف عن الفشل. ويؤدي استمرار هذا النهج إلى تحديات عديدة للنظام».

وأضافت الصحيفة في تقريرها بهذا الشأن: «ما يحدث هو أن تصنيف المجتمع وفق الطبقات الثلاث لم يعد موجودا في البلاد، حيث إن غالبية المجتمع الإيراني باتت تحت خط الفقر بفضل سياسة مسؤولي البلاد. وبفضل هذه السياسات نلاحظ أن الأسرة التي يبلغ دخلها نحو مليوني تومان شهريا لا يكفيها هذا الدخل إلا لأقل من 10 أيام لتأمين معيشتها. فما بالك بالعاطلين عن العمل وساكني الكراتين وساكني المقابر وغيرهم!».

خط الفقر في إيران

أدت السياسات الناتجة عن الفساد المؤسسي والمستشري في أركان النظام إلى ارتفاع خط الفقر بنسبة 18 ضعفا منذ 2011. ونقلت صحيفة «اعتماد»الإيرانية عن حسين راغفر الخبير الاقتصادي المقيم في إيران قوله إن «خط الفقر المطلق للأسرة الواحدة التي تضم 5 أفراد 700 ألف تومان». وأضافت الصحيفة: «لا تقدم المؤسسات الحكومية المعنية إحصاءات دقيقة يمكن اعتمادها بشأن خط الفقر».

وتابع راغفر الذي أجرى دراسة في هذا الشأن: «لا يكفي دخل 6 في المائة من سكان البلاد لتأمين حاجاتهم الأساسية من المواد الغذائية. اسم هذه المرحلة خط الجوع ما يعني أن دخل الأسرة لا يكفي حتى لتوفير الغذاء لها». لذا فإن ارتفاع خط الفقر أدى إلى اتساع الهوة الطبقة بشكل كبير.

وأفادت وكالة الأنباء الطلابية (إيسنا) نقلا عن راغفر: «إن 33 في المائة من سكان البلاد في حالة الفقر المطلق و6 في المائة من هذا المجموع أي ما يعادل نحو 5 ملايين شخص يعيشون في حالة يمكن تسميتها بخط الجوع بعبارة أخرى هم جائعون».

وتتوقع المصادر الرسمية، ومنها رئيس لجنة الخميني للإمداد برويز فتاح، وجود نحو 10 ملايين إلى 12 مليون إيراني تحت خط الفقر المطلق. وأضاف: «قد يرتفع عدد الأفراد الذين يعيشون تحت خط الفقر المطلق إلى ما بين 16 مليونا و20 مليون شخص في حال انتشار مؤشرات دقيقة».

وتوقع مركز الدراسات التابع لمجلس الشورى الإيراني في تقرير سابق له بأن عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر المطلق نهاية2018 سيتراوح بين 23 و40 في المائة.

وأفادت صحيفة «مردم سالاري»في تقرير لها حول الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، في عددها الصادر يوم 16 سبتمبر (أيلول) 2020 بأن «الظروف الاقتصادية في الوقت الراهن متدهورة والاقتصاد شبه ميت، فيجب علينا أن نفكر في الأفراد الذين ليست لديهم أي مصادر للدخل في أزمة تفشي كورونا، ولكنهم مضطرون إلى تأمين تكاليفهم بشكل يومي من خلال القيام بعملهم كالباعة الجائلين وغيرهم. تعيش هذه الفئة في ظروف في غاية الصعوبة. ويجب أن نفكر في ذوي الدخل المحدود لأنهم فقدوا قدرتهم على الصمود أمام هذه الضغوط الاقتصادية الهائلة فأخذوا ينهارون. هذا ويجب علينا أن نشكر الطبقات الدنيا لأن عجلة الاقتصاد ما كانت لتتحرك لولا جهودها».

لم يتبن النظام المستبد والآيديولوجي في إيران خلال الأعوام الماضية سياسة تفضي إلى تحسين الظروف المعيشية للطبقات الفقيرة بل وأدت سياساته إلى انتقال الثروة ورؤوس الأموال والخدمات إلى الجماعات التابعة للسلطة والمتنفذين في مراكز القرار.

وكشفت التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة عن زيادة حجم الهوة الطبقية وعدم المساواة في توزيع الدخل في البلاد خلال عامي 2016 و2017. واحتلت إيران المرتبة 88 بين 153 دولة في العالم شملها تقرير التنمية البشرية الصادر من الأمم المتحدة حول  توزيع الدخل في 2018.

وقد خسرت العملة الإيرانية نحو 70 في المائة من قيمتها وتواجه الطبقات الدنيا والفقيرة وذوو الدخل المحدود واليومي عجزا متزايدا في تأمين حاجاتهم الأساسية. وبالتالي يحذر العديد من المراقبين والخبراء من وقوع موجات احتجاجية وانتفاضات عنيفة ترافقها حالة تمرد اجتماعي ناتجة عن الاستياء بشأن الظروف الاقتصادية. وسبق أن أشعلت الأزمات الاقتصادية نيران الغضب بين الطبقات المحرومة والفقيرة والمهمشة في طهران والأهواز ومعشور وسائر المدن الكبرى في البلاد كما حدث في الاحتجاجات العارمة في ديسمبر (كانون الأول) 2017 ويناير (كانون الثاني) 2018، ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وهزت أركان نظام وصل إلى السلطة رافعاً شعار «الدفاع عن البؤساء».