اغتيال لقمان سليم: المعارضون الشيعة مهددون.. ولا «يتحسسون رقابهم»!

لبنان: مخاوف من تكرار السيناريو العراقي باغتيال وخطف النشطاء

 

* معلومات عن تلقي قيادات لبنانية حزبية تحذيرات قبل أسبوعين باستئناف الاغتيالات التي تستهدف المعارضين لحزب الله

* مصادر مطلعة: عملية اغتيال سليم «حلقة أولى في مسلسل اغتيالات مقبل»

* منى فياض لـ«المجلة»: حزب الله سيستكمل اغتيالاته كلما دعت الحاجة، ورغم ذلك لن ينجح في التضييق على المعارضين الأحرار

* مكرم رباح لـ«المجلة»: حزب الله مأزوم ويتخوف من أن يتمكن أشخاص مثل لقمان سليم بأصواتهم العاليةمن مخاطبة عقول اللبنانيين في المرحلة المقبلة

 

بيروت: يبدو أن حزب الله انتقل في معركته ضد الشيعة المعارضين في بيئته من مرحلة «سوف نسكتهم» إلى مرحلة «سوف نقتلهم». فطيلة سنوات امتهن حزب الله أسلوب الترهيب والتهديد والتخوين بوجه كل شيعي يتجرأ على رفع الصوت ضد سياسات الحزب الداخلية والخارجية بتهمة العمالة لإسرائيل، وتلقي تمويل من السفارات الأجنبية، عبر وصفهم بـ«شيعة السفارة» تارة، وتهديدهم والتحريض على قتلهم تارة أخرى بواسطة إعلامه وجيشه الإلكتروني.

 

«تحسسوا رقابكم»

ليس تفصيلا تصفية الباحث والكاتب السياسي لقمان سليم، وهو المعارض الشرس لحزب الله، يوم الخميس الفائت، في منطقة النبطية جنوب لبنان، المنطقة التي تقع تحت سطوة وسيطرة «حزب الله» بشكل كامل، حيث عثر عليه مقتولا داخل سيارته بعد ساعات من اختفائه الغامض، مما يشير إلى أن حزب الله بدأ فعليا بتنفيذ وعيده حين هدد المعارضين الشيعة في جريدة «الأخبار» الناطقة باسمه بعد اغتيال رموز 14 آذار، بأن «يتحسسوا رقابهم»، بعد نشرها لائحة مطولة بأسماء المعارضين الشيعة عام 2012 تحت اسم «شيعة السفارة».

 

«اللهم قد بلغت»

 

«لا يكفي أن تعرف عدوك: سمه بالاسم»، قالها الشهيد لقمان سليم قبل أشهر من اختطافه واغتياله بطريقة بربرية وميليشياوية، وهو بالفعل سمى عدوه بالاسم في 13 ديسمبر (كانون الأول) الفائت، حين تنبأ بأسود المصير بعد تلقيه تهديدات علنية، إذ وجد على سور بيت عائلته في الضاحية الجنوبية شعارات تهديدية تتهمه بالعمالة والخيانة، مثل: «المجد لكاتم الصوت». حينها حمل سليم «قوى الأمر الواقع ممثلة بشخص السيد حسن نصر الله وبشخص رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري المسؤولية التامة عما جرى وما قد يجري، وأضع نفسي ومنزلي في حماية القوى الأمنية اللبنانية وعلى رأسها الجيش اللبناني»، مضيفا: «اللهم قد بلغت».

لذلك، قالت شقيقة لقمان سليم، الناشرة والأديبة، رشا الأمير، في تصريحات إعلامية بعد اغتيال شقيقها إنها «تعرف جيدا» حقيقة من قتله، وهذا يكفيها.. ولا تنتظر شيئا من القضاء اللبناني، الذي وصفته بأنه في «غيبوبة».

 

«عرقنة» لبنان

يشعر المعارضون اللبنانيون بشكل عام، والشيعة منهم بشكل خاص، بأن الخناق قد ضاق عليهم بعد عملية اغتيال لقمان سليم، ويخشون من لائحة تضم عددا من الشخصيات قد يتم العمل على اغتيالها تباعا كما حصل في المرحلة التي سبقت وتلت اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري عام 2005.

وبمجرد إعلان خبر اغتيال سليم، شبه النشطاء هذه الجريمة بجريمة اغتيال الكاتب والمحلل العراقي هشام الهاشمي في يوليو (تموز) الماضي على يد الميليشيات المسلحة، وبدأت مخاوف من تكرار السيناريو العراقي في اغتيال وخطف النشطاء، وخاصة أن لبنان يمتلك تاريخا طويلا في الاغتيالات السياسية.

وباتت المخاوف من «عرقنة» الوضع اللبناني، انطلاقا من جريمة الاغتيال، مشروعة للكثير من الأسباب والاعتبارات، فكان من الطبيعي أن يتوجس كثيرون من أن يكون مقتل سليم «مقدمة» لموجة جديدة من الاغتيالات، قد تكون «البيئة الخصبة» لها متوافرة، من خلال غياب الاستقرار السياسي، والجمود الكامل في المشهد اللبناني، في ظل العجز المتمادي عن تأليف حكومة تستطيع وقف الانهيار، ولو بالحد الأدنى.

مكان جريمة اغتيال الباحث لقمان سليم

رسالة تهديد

وتتخوف مصادر مطلعة في حديث لـ«المجلة» أن تكون عملية اغتيال سليم «حلقة أولى في مسلسل اغتيالات مقبل»، لافتة إلى أن ما هو مؤكد أنها «مؤشر لدخول لبنان في مرحلة جديدة يغلب عليها الطابع الأمني». فيما يتم تداول معلومات عن تلقي قيادات لبنانية حزبية قبل أسبوعين تحذيرات من اغتيالات ستستأنف، وأن المعارضين لحزب الله هم الهدف الأساسي، وأن على الجميع الحذر خوفا من الفتنة».

في هذا السياق، رأت الكاتبة السياسية والأستاذة الجامعية منى فياض، أن «تكرار السيناريو العراقي في لبنان هو احتمال ممكن بحسب كيفية التعامل مع اغتيال الشهيد سليم، فإذا لم نشهد مواقف شاجبة على الأرض وضغطا دوليا فليس مستبعدا أن يكمل حزب الله مسلسل اغتيالاته كلما دعت حاجتهم»، مشيرة إلى أن «لبنان أصبح صندوق رسائل وكلما كانت الردود موسعة وتطل كل شرائح المجتمع والطوائف اللبنانية كانت أفضل، وبذلك فإن اغتيال لقمان أكبر من مجرد اغتيال ناشط شيعي».

الكاتبة السياسية والأستاذة الجامعية منى فياض

كما أكدت فياض أن لقمان سليم لا يمكن اختزال مسيرته كناشط سياسي فقط بل هو مؤرخ وباحث لا يكل ولا يتعب من البحث عن الحقيقة. وهو صاحب مشروع ثقافي تنويري ضد الشمولية والقمع والخوف. وهو موثق لمآسي الحرب الأهلية والمفقودين والمعتقلين في السجون السورية. وهو أسس «دار الجديد» للنشر لتكون مساحة للفكر والنقاش وملعبا للغة العربية.

وقالت فياض: «إن اغتيال سليم يشير إلى أن حزب الله هو من بات منزعجا، فمنذ العام 2005 يواصل حزب الله حملته ضد المعارضة الشيعية وتخوينهم، وبالتالي فإن سبب الانتقال إلى مرحلة التصفية عبر اغتيال سليم الآن، أن بيئة حزب الله هي من تتزعزع لأنها تستمع لأصوات أشخاص من بيئتهم مثل لقمان سليم تدعوهم لكي يتعقلوا، ويروا إلى أين أوصلهم حزب الله».

وأكدت: «حزب الله يحاصر اللبنانيين بالإجرام، عبر التهديد والوعيد ودفع «الذباب الإلكتروني» التابع له إلى شن حملاته ضد المعارضين».

ورغم كل هذا الترهيب والإجرام، أكدت فياض: «إن حزب الله لن ينجح في التضييق عليها وعلى مثلها من المعارضين الأحرار»، مشددة: «نحن بلد حر، الرأي العام والعالم معنا، ولكن على اللبنانيين التحرك للتحرر من هذا الاحتلال».

كما أشارت فياض إلى أنه «ليس فقط أصوات المعارضين تزعجهم إنما أصوات اللبنانيين جميعا وتحديدا عام 2020 يوم تعليق المشانق في ساحة الشهداء بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب)، حينما كان نصر الله من بين من رفعت مشنقتهم وكان ذلك بحد ذاته (تابو) ينكسر للمرة الأولى، وهذا كله يزعج حزب الله».

وعن إمكانية تكرار مسلسل الاغتيالات في لبنان، رأت فياض أن «التاريخ عندما يعيد نفسه يكون مهزلة، مشيرة إلى أنه في عام 2005 كان أول تمرين على الترهيب وجاءت المحكمة الدولية لكي تقول: ممنوع استخدام القتل كأداة سياسية في الحكم». وتابعت: «في حال سمحنا نحن اللبنانيين لهم بعودة هذا المسلسل، فإننا نستأهل أن نكون تحت الأرض وعبيدا تحت الأحذية الإيرانية والإسرائيلية وغيرها».

وختمت فياض: «حتى لو اغتالوا سليم، فإن المعارضين الشيعة لن ينتهوا، وفي حال انتهوا فعلى لبنان السلام».

هل يكون اغتيال سليم مقدمة لسلسلة اغتيالات جديدة؟

رفض الناشط السياسي والأستاذ الجامعي مكرم رباح في حديث لـ«المجلة» اعتبار اغتيال سليم مقدمة لعمليات قتل، مشيرا إلى أن اللبنانيين يقتلون بشكل يومي، إن كان لجهة الذين يستشهدون في عمليات اغتيال كالمصور جو بجاني وكذلك العقيد المتقاعد في الجمارك، منير أبو رجيلي (قتلا قبل 3 أشهر تقريبا وقيل آنذاك إن الجريمتين مرتبطتان بقضية انفجار المرفأ) أو لجهة الكارثة الإنسانية في الرابع من أغسطس».

وأشار رباح إلى أن اغتيال سليم مسألة في غاية الأهمية، لأنه ليس فقط معارضا، بل هو حركة ثقافية معارضة لهذا الخط الفارسي وتحديدا اختطاف الطائفة الشيعية، ومن ثم اختطاف لبنان بأكمله. وهذه المسألة أهم من المواجهة السياسية وكذلك العسكرية».

إلى ذلك رأى أن «جريمة قتل سليم بهذه الطريقة البشعة رسالة متعددة الرسائل، وأهمها التأكيد على أن حزب الله مأزوم ولديه مشاكل داخلية، ويتخوف من أن يتمكن في المرحلة المقبلة أشخاص مثل لقمان سليم أصواتهم عالية من مخاطبة عقول اللبنانيين وتحديدا بعض الأشخاص ضمن الطائفة الشيعية الذين يراهنون على مشروع حزب الله التوسعي».

وأضاف أن «اغتيال سليم خطير لأن لبنان في مرحلة الوقت الضائع فيما يتعلق بالسياسة الدولية، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد أن لبنان خارج أي اهتمامات وأولويات دولية إن كان أميركيا أو حتى فرنسيا».

وبحسب رباح فإن «عرقنة» لبنان هي خطوة إيجابية ونحو الأفضل، لأن في العراق هناك دولة وأجهزة أمنية، أما في لبنان فهناك دولة مخطوفة بشكل كامل من حيث السلاح غير الشرعي والفساد»، مشيرا إلى أنه «على الرغم من اغتيال هشام الهاشمي فلا يزال الوضع في العراق أفضل بكثير من لبنان».

الناشط السياسي والأستاذ الجامعي مكرم رباح

وعن الجدل الحاصل حول مسؤولية حزب الله في جريمة اغتيال سليم، لا سيما وأن عملية الاغتيال حصلت في منطقة نفوذه، ذكر رباح بحادثة قتل الناشط الشيعي هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية على مرأى الإعلام والكاميرات»، مضيفا: «الكلام عن استبعاد إمكانية تنفيذ الحزب جريمة قتل في منطقته ليس دقيقا».

كذلك لفت رباح إلى أنه «لو ثمة فرضية بأن الموساد الإسرائيلي هو من نفذ هذه الجريمة لكان حزب الله فرض طوقا أمنيا في مكان الجريمة، وهذا ما لم يحصل لأن ذلك بمثابة خرق أمني خطير لمنطقته».

كما ختم رباح بالتشديد على أن «حزب الله يتعاطى القتل ولا يتعاطى السياسة».

ومشهد الاغتيالات في لبنان، ليس جديدا. إذ إن ذاكرة اللبنانيين متخمة بحوادث دموية مماثلة، بلغت أقصاها، في الفترة بين عامي 2005 و2013. وقد تم استهداف شخصيات سياسية وثقافية وأمنية، انحصرت غالبيتها في رموز قوى «14 آذار». وهو التيار السياسي الذي ضم معارضي الوجود السوري في لبنان، ورفض هيمنة العناصر الموالية له داخل الأجهزة الأمنية والسياسية للدولة.

ولم تسفر التحقيقات في غالبية الحوادث والاغتيالات السابقة عن أية نتائج. وبينما دانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، نهاية العام الماضي، أحد عناصر حزب الله في مقتل الحريري، رفض الحزب تسليم الشخص المتهم بالجريمة.