إسرائيل وقرار محكمة لاهاي

انقسام بين المطالبة بالتعاون مع المحكمة ومواجهتها داخلياً ودولياً

 

* فور صدور قرار لاهاي وضع معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب تصوراته لهذه المحكمة وقدم توصيات لمتخذي القرار في إسرائيل حول كيفية التعامل مع القرار

من المتوقع أن يصادق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال دورته التي ستبدأ قريبا، على خطوات وقرارات ضد إسرائيل، بينها تعديل القائمة السوداء للشركات التي تعمل في المستوطنات

* في إسرائيل هناك اطمئنان بعض الشيء سواء بسبب مغادرة بنسودا المحكمة في شهر يونيو المقبل، أو للفترة الزمنية الطويلة المتوقعة حتى تنتهي التحقيقات، وتقديم  لوائح اتهام

 

تل أبيب: تنشغل إسرائيل، بمختلف مؤسساتها السياسية، والأمنية، والبحثية، في كيفية التعامل مع قرار المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، التي منحت بموجبه المدعية العامة فاتي بنسودا، الضوء الأخضر وصلاحية التحقيق في جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين، خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة ومشاريع الاستيطان وهدم البيوت وغيرها في الضفة الغربية.

وما بين الخطة الدولية التي تديرها وزارة الخارجية، عبر ممثليات وسفارات إسرائيل في الخارج بالعمل على إقناع أكبر عدد من الدول برفض القرار والتضامن مع الموقف الإسرائيلي، وبين الخطة الداخلية التي أوصى بها خبراء أمنيون وخبراء قانون بالعمل على عدة مستويات لمواجهتها، في مقابل الأصوات الداعية إلى التوقف عن الردود المستفزة والتفكير بوسائل للتعاون مع المحكمة، تعيش إسرائيل حالة انقسام تظهر المؤشرات الأولية منها أن تل أبيب ستكون مضطرة إلى الدفاع عن نفسها في محاولة لإلغاء عدد من الشكاوى المرفوعة إلى محكمة لاهاي، في مقابل تخفيض وتيرة المشاريع الاستيطانية في الضفة والقدس، التي تشكل عنصرا هاما وبارزا في مداولات المحكمة الدولية.

واللافت أن الرافضين لسياسة المؤسسة الإسرائيلية وفي مقدمتها الحكومة ورئيسها، بنيامين نتنياهو، هم أعضاء في الكابينت الإسرائيلي، وعُلم عن معارضة ثلاثة وزراء، على الأٌقل، لسياسة التهجم على المحكمة وإطلاق التصريحات المستفزة.

وطالب هؤلاء بالعمل على إيجاد وسائل تتعاون من خلالها إسرائيل مع المحكمة وبعدم الاستمرار في سياسة مقاطعتها. ويأمل هؤلاء أن يساهم تغيير توجه إسرائيل وسياستها في تجنيد قاض من الاثنين اللذين شكلا أكثرية داعمة لقرار فتح التحقيق مع قياديين سياسيين وعسكريين بتهم ارتكاب جرائم حرب.

ويكمن القلق الإسرائيلي في شخصية المدعي العام الجديد للمحكمة الذي سيعين بدلا من بنسودا، التي تنتهي ولايتها في شهر يونيو (حزيران) المقبل. ونقل عن مسؤول في القضاء الإسرائيلي أنه في حال تم اختيار مدع يحمل ذات مواقف بنسودا فستجد إسرائيل نفسها أمام مشكلة كبيرة حيث ستشهد تسونامي من الدعاوى التي تتهمها بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين وبالتالي سيجد الكثيرون من الشخصيات الإسرائيلية المسؤولة، حاليا وسابقا، من رؤساء حكومات، ورؤساء أركان جيش، ووزراء أمن، وضباط وجنود، إلى جانب شخصيات بينهم قادة المستوطنات، سيجدون أنفسهم مضطرين إلى المثول أمام المحكمة أو حتى اعتقالهم فور وصولهم الى دولة امتثلت لقرار المحكمة.

جندي إسرائيلي يستهدف خلال مواجهات مع متظاهرين فلسطينيين في قرية كفر قدوم بالقرب من مستوطنة قدوميم (كدوميم) في الضفة الغربية المحتلة، خلال مظاهرة ضد مصادرة الأراضي من قبل إسرائيل، يوم 29 يناير 2021 (غيتي)

إسرائيل غير قادرة على الاستئناف

عبر حكوماتها المتتالية، رفضت إسرائيل الاعتراف بمحكمة لاهاي، ولم تكتف بمقاطعتها، بل وجهت ضدها حملة عدائية واستفزازية واسعة. هذا القرار سيحول دون أن تستطيع إسرائيل تقديم استئناف على قرار المحكمة الأخير.

وفي حين طمأن القنصل الإسرائيلي العام السابق لدى الولايات المتحدة، ألون بنكاس، من عدم المبالغة في أهمية القرار في الوقت الحالي، أكد في الوقت نفسه على ضرورة تعامل إسرائيل بحكمة مع المحكمة لمنع اعتقالات وتحقيقات مع إسرائيليين في الأشهر المقبلة. وحذر بنكاس من تداعيات موقف إسرائيل في مقاطعة المحكمة من أنها فقدت حق الاستئناف على القرار وذلك قد يؤدي إلى تحقيقات مع الأسماء المدرجة في الدعاوى المرفوعة للمحكمة.

وقد كشفت التحذيرات الموجهة لإسرائيل من تداعيات قرار المحكمة وموقفها الاستفزازي تجاهها عن وصول تقارير للخارجية الإسرائيلية بأن تل أبيب أمام معضلة دولية أخرى، حيث من المتوقع أن يصادق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال دورته التي ستبدأ قريبا، على خطوات وقرارات ضد إسرائيل، بينها تعديل القائمة السوداء للشركات التي تعمل في المستوطنات، وإقامة نظام مراقبة إلى جانب التنديد بإسرائيل لعدم التزامها بتزويد الفلسطينيين بلقاحات مضادة لكورونا، كشعب يعيش تحت احتلالها.

وتبين من التقارير التي وصلت إلى الخارجية الإسرائيلية وجود خمسة قرارات ضد الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأربعة قرارات تحتوي على انتقادات لإٍسرائيل في سياق التنديد بانتهاك حقوق الإنسان، والمستوطنات، واحتلال الجولان، إلى جانب حق تقرير المصير للفلسطينيين.

وفور وصول هذه التقارير شرعت إسرائيل في حملة ضغط على الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان للتصويت ضد هذه القرارات، وبالتالي وجدت إسرائيل نفسها أمام معركة دولية ثانية من شأنها التأثير على سير تنفيذ قرار لاهاي.

 

مسار مستمر ومركّب

فور صدور قرار لاهاي وضع معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب تصوراته لهذه المحكمة وقدم توصيات لمتخذي القرار في إسرائيل حول كيفية التعامل مع القرار.

ووصف المعهد التحقيق بـ«مسار مستمر ومركّب»، حيث يتطلب جمع الأدلة والشهادات، وفي هذا الجانب لا يمكن للمحكمة تنفيذ مثل هذه الخطوة من دون تعاون إسرائيل، التي رفضت وترفض التعامل مع المحكمة والتجاوب مع مطالبها.

ووفق القرار الأخير من المتوقع التحقيق مع 120 إسرائيليا، بدءاً من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن بيني غانتس، وسابقيه من وزراء الأمن ورؤساء الأركان الذين وقفوا خلف قرارات لعمليات عسكرية في غزة يشملها القرار إضافة إلى ضباط وجنود وقيادة مستوطنين.

وبحسب ما تبين من تقرير معهد أبحاث الأمن القومي فقد قدمت المحكمة، على مدار 19 عاما منذ تأسيسها، لوائح اتهام ضد 46 متهماً فقط، معظمهم من الضباط والجنود، ما يعني أن عملية التحقيق والمحاكمة تتطلب فترة طويلة من الزمن. لكن التقرير حذر في الوقت نفسه، من احتمال إصدار أوامر اعتقال سرية دون معرفة الشخص الذي يشمله القرار وإلزام جميع الدول الـ123، باعتقال من صدرت ضدهم أوامر اعتقال خلال وجودهم في هذه الدول.

وسيكون إصدار مثل هذا القرار، بالأساس، حول العمليات العسكرية وقتل مدنيين فلسطينيين أبرياء في هذه العمليات وغيرها من المواجهات العسكرية وحتى في الاعتقالات غير القانونية. أما بالنسبة للمستوطنات، فيرى خبراء معهد أبحاث الأمن القومي أن التعامل معها سيكون مختلفا وأقل خطورة على الإسرائيليين كون إسرائيل لا ترى في المستوطنات نشاطا غير قانوني. وأشار التقرير إلى أن الادعاءات في هذا الجانب ستتمحور في المستوى القضائي من حيث صلاحيات التحكيم أو نوع التهمة، وكل ما يتعلق بتعريف المستوطنات كـ«جريمة حرب».

فلسطيني يتفقد منزلا مدمرا بالقرب من السياج الحدودي مع إسرائيل، وسط قطاع غزة، 20 يناير 2021 (غيتي)

أربعة مستويات في مواجهة المحكمة

تقرير معهد أبحاث الأمن القومي، الذي أعدته الرئيسة السابقة لقسم القضاء الدولي في الادعاء العسكري، بنينا باروخ، وضع أمام متخذي القرار في إسرائيل اقتراح عمل على أربعة مستويات متوازية:

  • إجراء تحقيقات في كل ما يتعلق بالدعاوى المقدمة ضد الجيش الإسرائيلي والقوى الأمنية، بحيث تضمن هذه التحقيقات نوعا من الاستقلالية والموضوعية. وترى باروخ أن الإمكانية ما زالت قائمة في طرح إسرائيل ادعاء أنها تُجري تحقيقات في هذا الجانب، ما يعني أن لا مكان لتدخل المحكمة الدولية.
  • المستوى الثاني، يقضي بتركيز الادعاءات القضائية في مستوى الصلاحيات وتعريف جرائم الحرب، سواء أمام المحكمة أو في القانون الدولي.
  • المستوى الثالث الذي تقترحه باروخ هو خوض إسرائيل معركة دبلوماسية دولية تضمن من خلالها تجنيد جهات دولية إلى جانبها، خصوصا تلك التي لديها مصالح مشتركة مع إسرائيل خصوصا بما يتعلق بمواجهة المنظمات «الإرهابية» في المناطق المأهولة بالسكان.
  • أما المستوى الرابع فتقترح معدة التقرير تركيز إسرائيل على البعد السياسي بمعنى التقدم نحو تسوية سياسية مع الفلسطينيين، مما سيولد حالة من الضغط على المحكمة وبالتالي عدم التقدم في التحقيق.

 

تعريف السلطة الفلسطينية وانعكاساته

في تناوله صلاحيات المحكمة الدولية، تطرق القنصل الإسرائيلي العام السابق لدى الولايات المتحدة، ألون بنكاس، إلى مضمون ميثاق روما، الذي يمنح المحكمة صلاحياتها ودخل إلى حيز التنفيذ عام 2002، من حيث الجرائم التي تتناولها المحكمة وإلى أي مدى يؤثر تعريف «الدولة الفلسطينية».

وقد حدد الميثاق أيضا أربع جرائم رئيسية، وهي: إبادة شعب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وجرائم عدوانية.

يذكر أن إسرائيل انضمت إلى الميثاق عام 2000 لكنها لم تصادق عليه، حيث وضعت تحفظات تذرعت فيها بالخشية من تسييس قرارات المحكمة أو استخدامها سياسيا، ولأسباب سياسية واضحة ومرفوضة من قبل دول بتقديمها دعاوى للمحكمة.

واعتبر بنكاس الادعاء القانوني الذي تطرحه إسرائيل ادعاء له وزن ثقيل، وقال: «لا ينبغي أن تنسب للسلطة الفلسطينية أسس الدولة والسيادة، لأن الموضوع خاضع لنزاع سياسي مستمر وستتم تسويته فقط عن طريق اتفاق بين الطرفين، سواء في اتفاق دائم أو في إطار اتفاق مؤقت يعترف بالدولة الفلسطينية»، ويضيف: «علامات السيادة الصغيرة، التي منحت أو تشكلت بقوة الواقع السياسي بعد اتفاق أوسلو، هي علامات مشروعة، ولكن ليس لها أي وزن يشبه أسس السيادة، وبناء على ذلك، فإن السلطة الفلسطينية ليست كيان دولة، وعليه لا توجد للمحكمة الدولية في لاهاي صلاحيات الولاية القانونية».

أما من جهة قرار الأغلبية الذي يستند على اعتراف الأمم المتحدة بالسلطة الفلسطينية كـ«دولة مراقبة» في أعقاب انضمام السلطة لميثاق روما في العام 2015  فيقول بنكاس: «من ناحية إسرائيل تم طرح ادعاء آخر؛ حيث أكدت تل أبيب عبر سنوات طويلة أنها تحرص بنفسها، قبل وخلال نشاطاتها، على أن تقدم المسؤولين ومن ينتهكون القانون للمحاكمة إذا احتاج الأمر لذلك الجيش الاسرائيلي والشاباك أو أي جهة رسمية أو مدنية أخرى تعمل في مناطق خاضعة لنظامها القانوني. ولكن أي ادعاء قانوني مهما كان قويا لن يحمي إسرائيل من الادعاءات الجوهرية بشأن تنفيذ جرائم. هو يترك المشكلة قائمة ومدار خلاف ولا يجيب على سؤال بسيط آخر: ما الذي سيحدث في اليوم الذي سيتم فيه الاعتراف بفلسطين كدولة من قبل الأمم المتحدة، التي بموجبها تعمل المحكمة في لاهاي»، يقول بنكاس.

وفي إسرائيل هناك اطمئنان بعض الشيء سواء بسبب مغادرة بنسودا المحكمة في شهر يونيو (حزيران) المقبل، أو للفترة الزمنية الطويلة المتوقعة حتى تنتهي التحقيقات، وتقديم  لوائح اتهام. وبحسب بروفسور يوفال شنيه، من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، فإنه سيتعين على الادعاء في لاهاي، حتى ذلك الحين، بلورة موقف بالنسبة لمسألة إذا ما كانت تكفي تحقيقات الجيش الإسرائيلي لمنع تقديم الجنود إلى المحاكمة. ويذكر شنيه في هذا الجانب موضوعا مشابها حول جنود بريطانيين، وفق الادعاء «ارتكبوا جرائم حرب في العراق، وقد نفذت المحكمة مؤخرا مقاييس متدنية جدا للتحقيق المناسب، الأمر الذي يزيد الاحتمال بأن تكون التحقيقات العسكرية بالنسبة للجرف الصامد تمنع إجراءات ضد جنود الجيش الإسرائيلي في سياق هذه الحملة».

والدة وشقيق محمد، أحد الأطفال الأربعة من عائلة بكر الذين قتلوا خلال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني 2014، يزورون قبر الضحية في مخيم الشاطئ للاجئين في مدينة غزة يوم 7 فبراير 2021 (غيتي)

اليمين ليس وحده في مواجهة «لاهاي»

جدعون ليفي، الكاتب في صحيفة «هآرتس» والناشط في مجال حقوق الإنسان والفلسطينيين، يرى أن حكومة نتنياهو اليمينية ليست وحيدة في موقفها المجاهر تجاه المحكمة، ويقول: «إن الردود الإسرائيلية أثبتت أن إسرائيل هي إسرائيل، عندما يتعلق الأمر بتأييد الاحتلال، فلا يوجد أي فرق بين اليمين واليسار، وأيضا لا توجد وسائل إعلام متزنة وشجاعة. فقد تجندت إسرائيل كرجل واحد، تقريبا، من أجل أن تظهر كضحية وتقوم بالهجوم. وبدلا من أن تحني الرأس أمام المحكمة وتشكرها على البحث عن الحقيقة، حيث لا يوجد لدى إسرائيل ما تخفيه والإعلان بأنها ستتعاون مع التحقيق، بدأ سيل الرثاء والصراخ والتهديد».

وينتقد ليفي موقف رئيس المعارضة، يئير لبيد، الذي اعتبر القرار عارا  وسيشجع رفض الفلسطينيين، كما قال لبيد. ويقتبس ليفي قول لبيد: «أنا فخور بضباط وجنود الجيش الإسرائيلي الذين يدافعون عنا»، قائلا: «لقد كرر لبيد مثل ولد في حفل بلوغه، بصورة مثيرة للشفقة مثل هذا القول. أيضا يئير غولان من يسار «ميرتس»، لا يترك أي حاجة لليمين «إسرائيل لم تنفذ أي جريمة حرب في المناطق»، وقرر الجنرال (يئير غولان) المعروف بقضايا جرائم حرب مثل «إجراء الجار»، ولذلك، أضاف ليفي: «عندما يكون لدينا مثل هذا اليسار فنحن لا نحتاج أيضا إلى السفير جلعاد اردان الذي صرخ بأن هذا (لا سامي) من مقره في واشنطن».

ويستعرض ليفي جرائم العملية العسكرية «الجرف الصامد»، التي تندرج ضمن التهم الموجهة ضد الجيش الإسرائيلي، بارتكاب جرائم حرب، ويقول: «في عملية الجرف الصامد قتل على الأقل ألف مواطن بريء. وعلى الجدار في غزة قتل أكثر من 200 متظاهر غير مسلحين. كل مستوطنة هي جريمة حرب. هذه الحقائق الخالدة لم تخترق في أي يوم الخطاب الإسرائيلي الكاذب والذي يغسل الأدمغة. ربما الآن تفعل مدعية عامة من غامبيا وقاض من فرنسا ما لم تجرؤ المحكمة العليا لدينا ورئيسها على فعله، لشدة العار».