سيزاي تميلي: ندعو لتحالف انتخابي ضد إردوغان قبيل الانتخابات المقبلة

الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي لـ«المجلة»: أنقرة تقود عملية إبادة سياسية شاملة بحقنا
سيزاي تميلي

* لم تتمكن من إجراء تعديلات كثيرة أو وضع دستور جديد لعدم وجود توافق بين مختلف الكتل البرلمانية آنذاك

* مطالبة الرئيس التركي اليوم بإجراء تعديلات دستورية تشبه ما حصل في السابق، ففي مطلع ثمانينات القرن الماضي انتهك كنعان إيفرين الدستور بانقلابه العسكري

* إردوغان في عجلة من أمره لتجهيز غطاء قانوني بهدف حماية نظامه الوهمي، ونتيجة ذلك أعلن عن نيته البدء بمناقشة تعديل الدستور

* في يوليو 2015 ألقي القبض على 93 من رؤساء فروع حزبنا في كبرى مدن البلاد، وعلى 194 رئيسا لفروع حزبنا في صغرى مدن البلاد وبلداتها

* احتجزت السلطات الرئيسين المشاركين لحزبنا مع 18 من نوابنا، و23 آخرين من قادة حزبنا و21 من أعضاء مجلس رئاسة حزبنا و800 عضو من منظمي شؤون حزبنا في عموم تركيا

* حزب العدالة والتنمية هو المتسبب الرئيسي في هذه الأزمة، فقد استهلك معظم موارده المالية كالضرائب والنقد الأجنبي والقروض ولم تعد لديه موارد أخرى

 

أنقرة: تشهد تركيا تطورات متسارعة على عدة ساحات هذه الأيام، فهي من جهة تعيش في خضم أزمة اقتصادية كبيرة تفاقمت أكثر في غضون تفشي فيروس كورونا في البلاد، ومن جهة أخرى تعاني من توترات داخلية وخارجية أيضا على خلفية مشاكل الحكومة مع معارضتها وتراجع علاقاتها مع الخارج. كما أن مطالبة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بإجراء تعديلات دستورية تنذر باندلاع أزمة داخلية جديدة.

وهذه كلها قضايا تثير الكثير من الأسئلة المتعلقة بالشؤون التركية، يجيب عليها سيزاي تميلي، السياسي التركي المعروف والرئيس المشارك السابق لحزب «الشعوب الديمقراطي» المؤيد للأكراد، وهو أيضا نائب في البرلمان عن مدينة إسطنبول.

 

وإلى نص الحوار:

 

* هل يحاول الرئيس رجب طيب إردوغان إجراء تغييرات دستورية أو ربما فرض دستور جديد للبلاد؟

- إن مناقشة الدستور الحالي أو تعديل بعض مواده لا يعد أمرا جديدا في البلاد وما تطرق إليه الرئيس التركي قبل أيام يتم الحديث عنه منذ عقود وتحديدا منذ وقوع الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر (أيلول) من العام 1980، حيث أعربت الأحزاب المعارضة للحكومة بعد ذلك مرارا عن ضرورة تغيير الدستور، ناهيك عن أن الحكومة الحالية قامت بتعديل بعض مواد الدستور قبل نحو 10 سنوات بناء على رغبة حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يقوده إردوغان، لكن لم تتمكن من إجراء تعديلات كثيرة أو وضع دستور جديد لعدم وجود توافق بين مختلف الكتل البرلمانية آنذاك.

ولذلك تشبه مطالبة الرئيس التركي اليوم بإجراء تعديلات دستورية ما حصل في السابق، ففي مطلع ثمانينات القرن الماضي انتهك كنعان إيفرين الدستور بانقلابه العسكري حينها، ولذلك لم يعد الحديث عن دستور جديد بالنسبة إلينا أمرا موثوقا. وباعتقادي فإن دعوة إردوغان هذه، هي في الواقع اعتراف بانهيار النظام الرئاسي الذي فرضه على البلاد عبر استفتاء مثير للجدل عام 2017، ولذلك هو في عجلة من أمره لتجهيز غطاء قانوني لحماية نظامه الوهمي، ونتيجة ذلك أعلن عن نيته البدء بمناقشة تعديل الدستور.

 

* ما هو موقفكم من هذا الأمر في حزب الشعوب الديمقراطي؟ وهل تركيا تحتاج بالفعل لدستور جديد؟

- إننا بصفتنا في الحزب المؤيد للأكراد، لا نود على الفور وضع خطوط حمراء بالنسبة للدستور الجديد والمواد التي سيتضمنها، لكننا بكل صراحة لا نثق بما ستقدم عليه الحكومة التي تخالف القانون والدستور الحالي، فهي ترفض إطلاق سراح رئيسنا المشارك الأسبق للحزب صلاح الدين دميرتاش المحتجز منذ أكثر من 4 سنوات رغم وجود قرارات تنص على ذلك من محاكم محلية ودولية. وكذلك تنتهك هذه الحكومة حقوق الإنسان وتقيد الحريات، إضافة لعزلها رؤساء البلديات المنتخبين وتعيين أوصياء عوضا عنهم، إلى جانب إسقاط الحصانة عن بعض البرلمانيين. ناهيك عن وصفها للتظاهرات الطلابية في جامعة البوسفور بـ«الإرهاب»، في وقت تواصل فيه جرائمها ضد المجتمع. هذه كلها ممارسات تدفعنا للقول إنه ليس لدى هذه الحكومة ما نأخذه على محمل الجد في حزب «الشعوب الديمقراطي».

وبالطبع لا نود تقديم صيغة من الدستور لأحد، لكننا نشدد على أنه يجب أن يناقش من قبل أوسع الفئات الاجتماعية، ولا أعتقد أن 5 أحزاب داخل البرلمان سوف تتمكن وحدها من جمع وتقديم آراء ومقترحات جميع المكونات في البلاد.

 

* إذن كيف يمكن تعديل بنود الدستور الحالي أو كتابة آخر جديد؟

- يمكن للأحزاب السياسية أن تقوم بهذه العملية، لكن دون شك يجب أن يكون هذا الدستور خطوة أولى للمصالحة بين الدولة والمجتمع على أساس الديمقراطية والتعددية والمواطنة المتساوية مع ضمان عودة الحياة العلمانية، خاصة وأننا نعيش في مأزق دستوري منذ انقلاب الثمانينات.

نحن بحاجة اليوم إلى عملية دستورية تتبنى سيادة القانون وحقوق الإنسان والمواثيق الدولية على أساس ديمقراطي- تشاركي دون خطوط حمراء. وهو أمر يجب أن تتمسك به كل الأحزاب المعارضة في تركيا، رغم أن العقبة الأكبر لهذا المشروع هي الحزب الحاكم حاليا والذي يقود البلاد إلى الانهيار عبر نظام الاستبداد الذي يتزعمه رجل واحد يحاول المحافظة على بقائه في السلطة بكل الوسائل.

 

* ماذا عن الاستهداف المتكرر للسلطات لأعضاء حزبكم؟

- حزبنا مستهدف على الدوام من قبل الحكومة، وقد لجأت السلطات إلى استخدام العنف والقمع المنظم بحقنا منذ عام 2014، حيث تلا ذلك احتجاز جميع رؤساء بلدياتنا تقريبا بعد عزلهم من مناصبهم ومنهم من كان يترأس بلديات ولايات كبرى مثل ديار بكر. كما تم اعتقال العديد من قيادات وأعضاء حزبنا، إضافة لنوابنا المنتخبين. وأؤكد لكم بلغة الأرقام أن الأمن اعتقل أكثر من 17 ألف عضو من حزبنا منذ 24 يوليو (تموز) 2015 وهناك 5 آلاف منهم محتجزون حتى الآن بينهم رؤساء مشاركون ونواب ورؤساء بلديات، وذلك بعد فوزنا بالانتخابات النيابية التي حصلنا فيها آنذاك على 80 مقعدا في البرلمان.

إن هذه الحملة الأمنية متواصلة ولذلك أصفها بإبادة سياسية وجماعية شاملة لحزبنا وقادته وقاعدته ومكوناته، ففي يوليو 2015 أيضا ألقي القبض على (93 من رؤساء فروع حزبنا في كبرى مدن البلاد) وأيضا على (194 رئيسا لفروع حزبنا في صغرى مدن البلاد وبلداتها). وكذلك احتجزت السلطات بعد ذلك الرئيسين المشاركين لحزبنا مع 18 من نوابنا، و23 آخرين من قادة حزبنا و21 من أعضاء مجلس رئاسة حزبنا و800 عضو من منظمي شؤون حزبنا في عموم تركيا.

ومنذ عام 2019، استولت وزارة الداخلية على 48 من البلديات التي فزنا فيها وعينت أوصياء بدلا منهم، واعتقلت 37 من رؤسائها، منهم 17 محتجزون حتى الساعة. ولدينا أيضا 8 نواب مسجونين إلى الآن أيضا. إضافة إلى أن البرلمان أسقط الحصانة النيابية عن 13 من نوابنا. هذا ناهيك عن أن السلطات كانت قد ألقت القبض على 93 من رؤساء بلدياتنا بعد الانتخابات المحلية عام 2014 وعينت 84 وصيا حكوميا عوضا عنهم.

وعلى الرغم من أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اعتبرت أن احتجاز دميرتاش الرئيس المشارك الأسبق لحزبنا ينتهك حقوقه، وطالبت أكثر من مرة بإطلاق سراحه على الفور. ومع ذلك لا يزال محتجزا في سجن أدرنة.

 

* لكن الرئيس التركي تحدث قبل عدة أشهر عن إجراء إصلاحات قضائية. ألا تعتقد أن ذلك قد يؤدي إلى إطلاق سراحه؟

- لا أرى أن حكومة حزب العدالة والتنمية التي تنتهك الدستور وتهدد الاتحاد الأوروبي بفتح البوابات الحدودية أمام اللاجئين، ستطلق سراح دميرتاش تحت ضغوطات بروكسل، فأعضاء حزب الشعوب الديمقراطي المحتجزون خاصة دميرتاش وفيغن يوكسكداغ، الرئيسة السابقة لحزبنا، هم رهائن سياسيون لأنه إذا تم تطبيق القانون، فلن يبقوا في السجن يوما واحدا.

ومع ذلك يحتجزهم إردوغان كرهائن ويقوم بمساومة أوروبا في قضيتهم على غرار ما يفعله بخصوص مسألة اللاجئين. لذلك، فإن إعلانه عن سعيه للتقرب من أوروبا وإجراء إصلاحات لضبط العلاقات معها، مرتبط كليا بالأزمة السياسية والاقتصادية بين الجانبين. قضية الحريات خارج هذه اللعبة، وباعتقادي لن تمضي بروكسل إلى أبعد من الإعلان عن شعورها بالقلق جراء استمرار احتجاز رفاقنا.

 

* ما أسباب العداوة بينكم وبين الحكومة؟

- تبني حكومة إردوغان قوتها الخاصة على أساس العداء لحزب الشعوب الديمقراطي عامة والأكراد على وجه الخصوص، من أجل ضمان بقائها في السلطة. إنها تريد أن تواصل مسيرتها من خلال التفرقة وزيادة خطاب الكراهية والعنصرية ضد الأكراد ضمن سياسة تجاوزت ممارستها قرنا من الزمن، ولأننا نرفض هذه السياسات في حزبنا واستطعنا هزيمتها في الانتخابات المحلية التي أجريت في مارس (آذار) 2019، والتي أعيدت في إسطنبول، يريد حزب العدالة والتنمية إخراجنا من المعادلة كليا للتخلص من هزيمة أخرى محتملة في الانتخابات المقبلة، ولذلك يواصل حملاته ضدنا بشتى الطرق، لكنه يفشل في ذلك، ونحن عازمون على السلام والديمقراطية والعيش المشترك رغم العنف الذي يرتكب ضدنا على مدى السنوات الست الماضية.

نحن نناضل من أجل حقوق الإنسان وليس من أجل حزب سياسي، وهو ما ترفضه أنقرة، فهذه الحقوق بالنسبة إليها تتمثل بممارسة التعذيب في السجون مثلا ويكاد يكون سجلها في هذا المجال الأسوأ عالميا. لهذا السبب لدينا احتجاجات كبيرة بدأت هذا الأسبوع ضمن حملة ستستمر لأربعة أشهر للمطالبة بفك عزلة القابعين في السجون. وبالتأكيد الزعيم الكردي عبد الله أوجلان واحد منهم، فهو الضمانة الوحيدة لحفظ السلام في تركيا ويجب أن لا يكون قابعا في العزلة التي تفرضها عليه الحكومة منذ سنوات.

 

* على الصعيد الداخلي أيضا، ما سبب الأزمة الاقتصادية الراهنة في تركيا؟

- حزب العدالة والتنمية هو المتسبب الرئيسي في هذه الأزمة، فقد استهلك معظم موارده المالية كالضرائب والنقد الأجنبي والقروض ولم تعد لديه موارد أخرى يستطيع من خلالها إرضاء رجال الأعمال والمستثمرين المقربين منه. وعلى إثر ذلك ستتفاقم الأزمة الحالية في الفترة المقبلة، حيث لم يعد بإمكان الحكومة أن تخفي الفقر الذي بات ينتشر على نطاق واسع، حتى إن إردوغان شخصيا قال لمواطن «إنك تبالغ»، حين اشتكى له الأخير من جوعه. وقد تسبب هذا الفيديو في صدمة حتى لدى أنصاره أيضا حين نشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

كذلك وصلت البطالة إلى مستويات هائلة، وبلغ معدلها هذا العام 28 في المائة. بينما تتصدى قوات الأمن لمن يبحث عن عمل لمعرفة ما إذا كان معارضا. كما أنها تستخدم العنف ضد كل من يحاول حماية حقوله وأرضه من مشاريع وهمية تقيمها الحكومة بالقرب من ممتلكات الناس.

باختصار، لدينا هيكل سياسي أنهكه الاقتصاد، ويجب أن لا ننسى أن الليرة التركية فقدت نحو 30 في المائة من قيمتها خلال العام الماضي فقط. وما من حل لهذه المشكلة سوى خروج الحزب الحالي من السلطة. وهذا لن يتم دون إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة.

 

* في حال أجريت انتخابات مبكرة كيف ستكون تحالفاتكم؟ وما هو الحزب الأقرب إليكم من بين الأحزاب المعارضة الأخرى؟

- لقد عمل حزب الشعوب الديمقراطي بالفعل ولفترة طويلة على إنشاء تحالف انتخابي، وقلنا باستمرار لأحزاب المعارضة: لنقم بإنشاء تحالف ديمقراطي ولا مشكلة لدينا حتى لو لم يتم ذكر اسم حزبنا ضمنه، كما ليس مهما من يقوده. الأهم هو التخلص من السلطة الحالية عبر الشراكة الانتخابية التي نطرحها.

نحن نقترح إنشاء تحالف ضد الحكومة والفاشية التي تديرها، لنتمكن معا من تعزيز الديمقراطية على أساس المواطنة المتساوية وبناء نظام برلماني. ويمكننا بهذه الطريقة هزيمة إردوغان في الانتخابات الرئاسية، وما حصل في الانتخابات المحلية الماضية خير دليل على ذلك.

 

* على الصعيد الخارجي، ما هو موقف حزبكم من التدخلات التركية في سوريا وليبيا والعراق وناغورني كراباخ وأيضا شرق المتوسط؟ وهل تعتقد أن أنقرة تستطيع حل مشاكلها العالقة مع عدة أطراف خارجية؟

- تتبع حكومة حزب العدالة والتنمية سياسة احتلال توسعية مع الخارج، ولا يقتصر هذا الأمر على الاحتلال الجغرافي، وإنما يتمثل أيضا في خلق أجندة سياسية محلية للمحافظة على وجودها في الدول التي سيطرت على أجزاء منها. ولتحقيق ذلك بصورة جيدة تعمل على بناء نموذج الاقتصاد العسكري القائم على السلاح والحرب. انظروا إلى سوريا وليبيا وغيرها من الدول، وشاهدوا كيف أن البلدان التي تدخل الحزب التركي الحاكم في شؤونها الداخلية كيف تحولت إلى عواصم مسلحة ومعاقل لعصابات جهادية عابرة للحدود.

على سبيل المثال تنفذ أنقرة في سوريا، سياسة الاحتلال والضم والتغيير الديموغرافي لا سيما في المدن الكردية. وقد تحولت عصاباتها الجهادية هناك إلى مصدر توتر وتهديد رئيسي للمنطقة برمتها. وإذا كانت أنقرة تريد بالفعل ضبط علاقاتها مع العالم العربي ودول الجوار التركي، عليها أولا أن تتوقف عن استخدام تلك العصابات ضدهم.

إننا في حزب الشعوب الديمقراطي، نرفض قطعا هذا المفهوم الذي يختصر السياسة الخارجية في النزعة العسكرية ونرى أن مفتاح الحل لهذه المشكلة في تركيا والشرق الأوسط، هو في يد شعوبها. وهناك تجربة «الإدارة الذاتية» في شمال وشرق سوريا، التي يمكن الاستفادة منها كنموذج للتعايش والسلم الأهلي.

 

* كيف تتوقع شكل العلاقات التركية- الأميركية مع وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض؟

- أعتقد يمكن أن تتخذ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي موقفا مشتركا ضمن حلف الناتو ضد حكومة إردوغان، خاصة وأن وقتا طويلا قد مر على تطوير العلاقات التركية– الروسية بعد صفقة إس-400 التي ترفضها واشنطن وتعد أساس التوترات بينها وبين أنقرة. وباعتبار أن لدى حزب العدالة والتنمية مشاكل كثيرة سابقا، فهو يتجنب الصدام مع بايدن ويحاول بناء علاقات جيدة معه، لكن مع ذلك لن يكون الأمر سهلا كما كان في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.